القاضي المتهم
القاضي المتهم
بمكتب بدر دلف إليه أحد أصدقائه يدعى كريم وهو صديقه المقرب
-صباح الخير يابدر..تراجع بجسده وأشار بكفيه
-صباح الخير ياكريم، ايه الأخبار!!
-الحمد لله ياسيدي الدار الجديدة مولعة الدنيا وعليها إقبال كبير جدا
ابتسم بفخر على صديق عمره اتجه كريم يحادث السكرتيرة
-عايز واحد قهوة على الريحة يانانسي لو سمحتي
-حاضر يااستاذ كريم
-مش ناوي ترجع المكتب تاني ولا إيه
نظر إلى قلمه ثم رفع نظره الى صديقه متنهدا
-مبقتش حابب الشغل دا، وبعدين المحامين شغالين حلو أوي
اتجه كريم وجذب المقعد بجواره:
-متنساش المكتب دا كان بتاع والدك قبلك، وسمعته كانت مسمعة الدنيا كلها، سحب نفسا ثم زفره على دفع وتحدث:
-عارف انك زعلان على ال حصل، صمت للحظات يحاول تجاوز ذكرياته المأسوية، ثم أردف :
-مالوش داعي نقلب في القديم ياكريم..أنا مرتاح في مجال عملي دا، والحمد لله خمس سنين بقيت من أشهر الكتاب في البلد، وحققت نجاح في كُتاب كتير بقالهم سنين مش حققوه
دلفت السكرتيرة بالقهوة ثم تحدثت:
-استاذة لميس عايزة تقابل حضرتك ياافندم
جز على شفتيه بغضب، ناظرا إلى كريم
-دي ايه ال جابها وعايزة ايه..ابتسم كريم ناظرا لسكرتيرة
-خليها تدخل يانانسي، ومدخليش حد تاني، وجهزي الأجتماع بعد ساعة
تمام يافندم..دلفت لميس بعد لحظات من خروج السكرتيرة
-اذيك يابدر، ممكن أعرف مبتردش على تليفوناتي ليه، رجعت من اسبوعين وماتصلتش وخالتو قالت انك هتيجي
نهض كريم وأشار إليها على المقعد
-اتفضلي مدام لميس، ثم اتجه الى بدر الذي قام بإشعال سيجاره
-بدر الصراحة كان مشغول وعنده إجتماع بعد نص ساعة
جلست تضع ساقا فوق الأخرى
-لا ياكريم صاحبك مش عايز يكلمني ..نفث سيجاره ثم أردف:
-لما إنتِ عارفة كدا جيتي ليه يابنت خالتي، قالها وهو يرمقها ساخرا
نهضت وانحنت تضرب بكفيها على المكتب
-جاية عايزة آخرة ال بتعمله ايه يابدر، هتفضل كدا، قولتلك عايزين نرجع لبعض تاني، وقولت لك مش عارفة اعيش من غيرك، خمس سنين وانت بتعاقبني
تحرك كريم خارجا وهو يطالعه بهدوء ويشير بيديه أن يهدأ
نهض وتحرك إلى النافذة، وبدأ ينظر إلى الخارج بهدوء رغم نيرانه من تلك الرقطاء فتحدث وهو مواليها ظهره
-مبقاش بينا حاجة يالميس،غير أنك بنت خالتي،أما كلام خالتك ماليش دعوة بيه، مش بدر القاضي ال يرجع لحاجة رماها بعد مازهق منها
تحركت واتجهت إليه
-بدر ليه بتعمل كدا ؟!
انا اعتذرتلك كتير، ليه مُصر انك تعاقبني طول العمر على غلطة غصب عني
استدار وضيق عيناه، ثم تحدث ساخرا
-نعم..غلطة غصب عنك، لما تستغفليني وتروحي تسقطي ابني من غير مااعرف بوجوده دي غلطة غصب عنك
اتجه ودنى إليها بخطى سلحفية ودار حولها ثم نظر بعلامة تفكير
-تصدقي ممكن برضو يكون غصب عنك، هنعتبر مااخدتيش علاج يسقط الجنين، وهعتبر انك مرحتيش عملتي العملية، بس سرقتك لملفات القضية وضياع حق ابويا دا برضو غلطة
دنت وامسكت كفيه وبكت
-والله غصب عني يابدر، هم هددوني ..بتر حديثها عندما رفع سبابته واظلمت عيناه قائلا:
-اخرصي، مش عايز أسمع نفسك، وإلا هنسى انك ست، أشار على باب المكتب وأردف:
-برة مش فاضي، وعرفي مامتك أن بدر صفحة وانقطعت وال بيتقطع مينفعش يرجع تاني، دنى يهمس بجوار أذنيها
-أنا هتجوز، بس مش هتجوزك إنتِ يابنت خالتي، هتجوز واحدة تشيل اسم القاضي
اشتعلت نظراتها بشكل مخيف، واتجهت تنظر إليه بغضب هاتفة بنبرة حادة:
-طب اعملها كدا يابدر وشوف هعمل فيك ايه
تحركت متجهة للخارج ولكنه أوقفها حينما قال
-لو طلعتي قدامي مرة تانية هنسى القرابة ال بينا
اتجهت إليه مرة أخرى، دنت منه حتى لم يفصل بينهما انش واحد وتحدثت:
-خليك وحيد طول عمرك كدا يابدر، وحياة حبي ليك لأدوس عليك، ومش بس كدا، هتجوز وهعرفك انك انسان مريض بحب الغرور
دنت أكثر حتى تلامست شفتيها أذنه وأردفت:
-خلي الناس تقول أن بدر القاضي مراته الأولى فضلت عليه سواقه، والتانية رفضت يربطها به اطفال، اصلك متستهلش، ومش هتلاقي اللي تحبك زي ماحبيتك
تراجعت خطوة للخلف تنظر إليه بإنتصار عندما وجدت تغير ملامحه التي شحبت وتحولت عيناه للون الأحمر
أشار على الباب عندما فقد إتزانه قائلاً:
-برة ياحيوانة، مش عايز اشوف وشك
لحظات عصيبة مرت عليه، محاولا السيطرة على أعصابه حتى لا يدمر كل ما يقابله
ظل فترة جالسا يحرق تبغه كنيران صدره التي ألهبتها تلك الشمطاء..كور قبضته حتى برزت عروقه، ثم أغمض عيناه وماضيه يطارده بعنف ..
فلاش باك
منذ عشر سنوات
دلف إلى مكتب والده
-صباح الخير ياحضرة الدكتور هاني القاضي
رفع والده رأسه مبتسما
-صباح الخير ياحضرة المحامي المبتدئ..رفع جانب وجهه بإبتسامة متهكمة
-لا ياوالدي العزيز، ابنك مش مبتدئ ولا حاجة، ابنك مشهور بس حضرتك خايف على سمعتك
قهقه عليه والده، ثم توقف واتجه يجلس بمقابلته
-طيب قولي ياحضرة المحامي المشهور عملت ايه في قضية المنشاوي
تراجع بجسده للخلف:
-لا ياباشا سامحني في دي الشغل اسرار، ليك تاخد البراءة مش كدا ولا إيه
ربت والده على كتفه
-ربنا يوفقك ياحبيبي ودايما اشوفك ناجح واسمك مشهور في كل مكان
صمت للحظات ثم سأله
-مش ناوي تعمل الفرح ولا إيه، بقالكم فترة مخطوبين ياابني
حمحم بخفوت ثم أجاب والده بصوته الرزين
-دعاء آخر سنة يابابا، مستني تخلص امتحاناتها، وكمان متنساش عمو هشام مسافر، وهي مع والدتها دلوقتي
اومأ والده بتفهم ثم تحدث:
-طيب كلم هشام وخليه ينزل على نهاية امتحاناتها وبعد كدا نعملكم الفرح
نهض بدر قائلًا:
-اكيد يابابا إن شاء، دلوقتي عندي كام حاجة كدا هوثقها وبعد كدا هروح لماما، ارجعها البيت وبطلوا شغل العيال دا حضرة المستشار انتوا كبرتوا
هز رأسه رافضا أفعال والدته
-والدتك هي ال بتخلق مشاكل من تحت الأرض وكل شوية تقول رؤف جوز اختي عمل ورؤف جاب، وبقى مشهور مع ان مستوانا ممتاز لكن معرفش والدتك عايزة توصل لأيه
-معلش يابابا حاول تتحملها شوية، مش حلو في حقكم كل شوية تروح تقعد عند خالتو كدا، وياسيدي غيرلها العربية، ماهو الباشا عنده رصيد حلو برضو
نهض هاني ووقف أمامه
-مش موضوع تغيير عربية ياحبيبي، موضوع ال بتعمله حرام، عربيتها مكملتش خمس شهور، ليه تبص لأختها في كل حاجة
ربت على كتفه
-روح انت شوف شغلك ومتشغلش بالك من مشاكلنا انت..تحرك وهو يحادثه
-لا بعد إذنك لازم ارجعها النهاردة، متنساش دعاء ومامتها هيتغدوا معانا النهاردة
أومأ له بتفهم ثم جلس وهو يزفر بغضب
وصل بدر بعد قليل إلى منزل خالته
صباح الخير ياخالتو
-صباح الخير يابدر..اتجه يبحث بعينيه على والدته
-ماما فين مش باينة؟!
تهكمت وأشارت للداخل
-ليه هاني باشا مش عايز يتكرم ويجي ياخدها.. تأفف بضيق من حديثها ثم استدار إليها
-ليه هو بابا غلط فيها!!سحب نفسا ثم زفره مقتربا منها
-عقلي اختك يانجوى هانم لو واحد تاني غير بابا صدقيني كان طلقها من زمان اوي، واظن حضرتك فاهمة معنى كلامي..قاطعهم دلوف لميس
-بدر وحشتني، انت هنا من إمتى ..وضع يديه بجيب بنطاله واتجه لوالدتها مردفًا بسخرية:
-من ساعة ؛بس نجوى هانم كانت بتحكي عن إنجازاتها ..قالها وتحرك للداخل
وصل إلى والدته التي كانت تجلس تشاهد إحدى المجلات التي تحتوي على أشهر الماركات
انحنى يطبع قبلة على رأسها
-صباح الخير ياماما
-صباح الخير يابدر..رفعت بصرها تطالعه بحزن
-اوعى تقول إنك جاي ترجعني البيت، باباك رفض مش كدا
جلس بمقابلتها يضع ساقا فوق الاخرى، وبدأ يدخن سيجاره
-ماما حبيبتي انا مش فاضي لشغل العيال بتاعكم دا، نهال هانم اكيد كبرت على شغل العيال، انحنى ينظر إليها بمقلتيها
-ممكن تعرفي ابن حضرتك هنا ليه؟!
تراجع يتكأ بظهر مقعده وهو يطالعها بحزن
-بابا بيحاول يسعدك بأي طريقة ياماما، بلاش تحكماتك دي، وطلباتك ال مبتخلصش
اتجهت نجوى تجلس بجوار نهال
-ليه مامتك طلبت ايه يابدر، ايه يعني لما حاجة تعجبها ويجبها، هي الست تعرف جوزها بيحبها الا من الهدايا