المقدمه والبداية ج الاخير
المقدمه والبداية ج الاخير
أمسكت رتيل إحدى زجاجات العطر ورشت منه فوق ملابسها بإفراط ثم أغمضت عينيها تستنشق عنق الزجاجة بعمق تملي رئتيها من رائحته الزكية..لقد قررت بان تعتبر نفسها لم تسمع شيء من محادثة زوجها وأخيه المتعلقة بشأن صفات امرأة أحلامه.. ونفضت عنها ذاك الضعف المتخاذل البغيض وها هي تقرر أن تكمل عيش حياتها كما تريد وتستمتع بالخيارات المحدودة أمامها..
لم تلحظ دخول زوجها الغرفة ولم تشعر بخطواته وهو يقول بينما يتطلع لها بوجوم
((لماذا تتعطرين؟))
اجابته وهي تنظر لانعكاس شكلها في المرأة ومبتسمة بثقة وكبرياء
((ستزورنا بعض النسوة من صديقات وجارات أمك))
وقف مؤيد مكانه يتأمل ثوبها الضيق وقدها الرشيق بنظراتٍ صامتة طويلة.. يكاد أن يلتهمها بعينيه فقط بملامح لا تعبير لها..
عندما انتبهت رتيل على نظراته رفع نظره لها يقول بجفاء
((هل ستخرجين لهم بهذه الملابس؟))
استدارت رتيل له بتوجس هادرة وقد بدأ الخوف يدب بقلبها من نظراته
((نعم فهي ستكون جلسة نساء فقط))
ضاقت عيناه وهو يقترب أكثر منها قائلا بتهديد واضح
((حتى لو كانت الجلسة فقط للنساء أنا لا اقبل عليك ارتداء مثل هذا الثوب بضيقه وقصره.. فغيريه حالا))
عقدت حاجبيها تقول متبرمة
((ليس ضيقا يا مؤيد وليس قصيرا لا تبالغ..))
أغمض عينيه وهو ينفث نفسًا مكتومًا حانقًا ثم قال أمرا بتسلط
((أذهبي واستبدلي الثوب بأخر محتشم))
رفرفت بعينيها في محاولة عقيمة لتكرر عليه
((ولكن يا مؤيد الجلسة فقط للنساء))
هتف بها بحسم بنظرات حادة
((حتى أمامي لا ترتدي مثل هذه الملابس.. يكفي نقاشا إلى هنا))
تحرك حلقها وهي تبتلع ريقها ثم قالت مستنكرة بصوتٍ أجش
((إذا لم ارتدي هذا الثوب أمامك أو أمام النساء في مجلس أمك.. لمن سأرتديه إذن؟))
أجابها بصوتٍ فاتر
((لا ترتديه أبدًا واحرقي هذه القطعة أو اتلفيها))
لم تعلم من اجن جاءت شجاعتها وقد اشتعل غضب حرمانها الذي يثور فقالت
((هل تعرف كم ثمنها يا مؤيد لتطلب مني ذلك؟))
إلا أنه رد عليها بهدوء وفتور
((ليست مشكلتي.. ولم يكن عليك الإقدام على شرائها وأنتِ تعرفين رأيي سابقا بهذا النوع من الملابس..))
ثم استرسل كلامه وهو يشير لوجهها
((وزينة وجهك أزيلها))
رفعت أناملها لثغرها تقول باقتضاب
((لا أضع إلا حمرة شفاه))
أخبرها بنفس تسلطه المستبد
((لونها فاقع.. لا أحب أن تضعي أي شيء على وجهك أمامي فكيف تريدين مني أن اسمح لك الخروج لهم بهذه الهيئة!))
ثم دلف للداخل تاركا إياه بكل حنق العالم فقامت بإمساك زجاجة العطر وقذفها أسفل قدميها لتتكسر لشظايا متنافرة متمتمه بحنق وهي تتهاوى جالسة على سريرها
((لن اخرج لهم إذن وسأظل في غرفتي هنا))
ما إن عاد مؤيد عن نظر أرضا للشظايا الزجاجية ثم طالع ملامحها الممتعضة بنظرة عدائية يقول
((نحن متزوجان منذ سبع سنوات ولسنا حديثي الزواج حتى تتصرفي وكأنك مصدوم من طباعي.. زوجتي أنا لم أتزوجها لتبهر وتعجب الأخرين.. حتى لو كانوا نساء))
وبدون لامبالاة داس بحذائه المنزلي فوق صرير الزجاج ليعود للداخل..
في حين هي تراجعت لتستند بجسدها على ظهر السرير تفكر بامتعاض.. بأنها لا تفهم زوجها.. أليس هو رجل حاله كحال الرجال؟
إذن لماذا لا يحب.. بل لا يقبل أن تظهر أن تتزين ولو كان وحيدان!
ألا يحب أن يمتلك زوجة مبهرة وجميلة ولو لنفسه؟
اجتاحت العدوانية عينيها..
فلم قد يهتم بامتلاك زوجة مبهرة إذا كان يتلاقى مع نساء أخريات متبرجات وسافرات يعوضنه عن هذا الأمر!
كان يقول بأن كل ما بينه وبين النساء هي علاقات عمل؟
الأحمق.. وهل يظنها ابنة الأمس لتصدقه!
لم تنتبه رتيل جراء شرودها من الطرقات فوق بابها التي كانت تتزايد.. حتى فُتح الباب بحذر وطلت من فتحته دارين تتساءل بخفوت
((هل هناك أحد هنا؟ زوجة عمي رتيل أين أنتِ؟))
فتحت الباب اكتر باستغراب وهي تراها تجلس على السرير وتضم ركبتيها لصدرها ونظراتها الشاردة غارقة بعيدا عن كل ما حولها..
دلفت للداخل تقترب منها هي وابنة عمها هدى الصغيرة لتقول بصوتٍ جهوري
((امرأة عمي ماذا تفعلين؟))
جفلت رتيل وانتبهت على وجود دارين لتنتفض مكانها قائلة باعتراض
((كيف دخلتي هنا بلا اخذ الإذن؟ هل أنتِ صغيرة؟))
هزت دارين كتفيها ببرود وقالت
((جدتي تنادي عليك وتقول لك أسرعي))
تنحنحت رتيل تجلي حنجرتها قبل أن تقول وهي تخفض قدميها أرضا
((حسنا أنا قادمة.. وأرتدي أي شيء من الخرق البالية التي امتلكها واخرج))
أومأت دارين بهدوء وهي تكتف ذراعيها وتراقبها تنهض من مكانها وتقوم بتكنيس الأرض من الأرض.. وعندما انتهت رتيل من التنظيف وطالت مدة الصمت..
حدجتها رتيل بنظراتها الواجمة بانتظار مغادرتها.. فظهر التردد على صوت دارين وهي تسألها
((هل غادر أبي؟))
أجابتها ببساطة
((نعم غادر.. لقد انتهت عطلته))
رمشت دارين بعينيها وقالت بحزن
((أي عطلة هذه.. وهو لا يأتي لهنا إلا كل عدة أشهر.. ولا يرد على اتصالاتي إلا ما ندر))
رق قلب رتيل قليلا لابنة الاثني عشر عاما الحزينة أمامها فقالت لها بتعاطف حاولت عدم إظهاره
((إن والدك رائد من الطبيعي ألا يكون متفرغا لك بشكل دائم))
حدجتها دارين بضيق وهي تقول بامتعاض
((نعم بالتأكيد لن يكون متفرغا لي بشكل دائم ولا حتى بشكل نادر.. سينسى أساسا ملامح وجهي من قلة رؤيته لي..))
بترت دارين نهاية حديثها وهي تطالع عمها يخرج بينما يجفف شعره المشغول لتهتف له بحماس
((عمي مؤيد.. كيف حالك؟))
ضحكت هدى الأخرى بطفولية وهي تهرول باتجاه عمها الذي حملها فتعلقت بعنقه واحتضنته متمتمه
((اشتقت لك يا عمي))
ابتعدت عنه ترى وجهه ليسألها بابتسامة بشوشة
((كيف حالها أميرتي هدى؟))
بللت رتيل شفتيها بلسانها وهي تراقب المشهد أمامها بتعابير متجهمة بشدّة تعلن عن شجار زوجية على وشك الاندلاع بينهما..
فهو لا يهتم بولديه الاثنين بمقدار ما يهتم بابنتي أخوته..
مسدت هدى جديلتها وهي تشعر بعدم ارتياح بسبب تلك الأربطة الوردية التي تُصر والدتها على تزينها بهم بينما تتساءل
((عمي هل أنتَ متفرغ الآن؟))
أخفضها مؤيد أرضا وهو يقول لها
((لماذا؟ هل تريدين أن اذهب بك أنتِ ودارين لشراء بعض المثلجات؟))
قفزت هدى موافقة بفرح في حين أبدت دارين الحماس وهي تقول قبل أن تغادر مهرولة
((نعم ساحب ذلك.. سأذهب لأتجهز))
بمجرد أن غادرت دارين وهدى لتغير ملابسهن حتى وقفت رتيل من مكانها تقول لزوجها
((انتظر يا مؤيد لأنادي على باسم وفهد ليأتيا معك))
نظر لها يقول بتجهم
((لا تناديهم لا أحب اصطحابهم لمكان فهما مشاكسان سأقوم بأخذ الفتاتان فقط))
اتسعت عيناها ثم قالت مستنكرة
((مشاغبان! انهم مسكينان.. أرجوك يا مؤيد دعني أناديهما لتأخذهم أصدقني سيحزنان لو عرفا بأنك أخذت ابنتا أخويك ولم تأخذهما مجددا))
تمتم لها وهو يغادر جناحها متجاهلا إياها
((اسكتي يا امرأة))
تقبضت يدا رتيل غضبا ودمدمت بغل بعد أن رحل
((تبا لك يا مؤيد))