المقدمه والبداية ج الاخير
المقدمه والبداية ج الاخير
بمجرد أن شعرت زاهية التي كانت جالسة في حديقة منزلهم بين الزرع والمساحات الخضراء وقع أقدام تقترب منها حتى التفتت لتقول بابتسامة ((كيف حالك يا مصعب؟ هل عدت الآن؟ عافاك الله))
أومأ لها لتعود وتقول لابنها بحنان تدعوه
((ما رأيك أن تصعد لتغتسل ريثما أخبرهم أن يجهزوا لك الآن الطعام وتأكل هنا معي؟ لقد أكلنا على الغداء..))
قاطعها في هدوء وهو يضع يديه في جيبي بنطاله
((أمي لا داعي.. لقد طلبنا أنا وزملائي من احدى المطعم واكلنا هناك كالعادة))
قوست حاجبيها بغضب أمومي وه
أمي لا داعي.. لقد طلبنا أنا وزملائي من احدى المطعم واكلنا هناك كالعادة))
قوست حاجبيها بغضب أمومي وهي تقول بحزم
((لا افهم لماذا يا مصعب لا تحب أن تأكل بالعادة معنا أي من وجبات الطعام.. وإذا ما فعلت فتقتات الفُتات وكأنك مرغم))
لا ينكر مصعب أن والدته في الأشهر الأخيرة باتت تشعر فيه دائما بنظرة أمومية مشعة من عينيها لم يرها بهذا الوضوح من قبل.. ربما لأنها تعرف بأنه أكثر من عني له ابن عمه يحيى! وكان شاكرا لهذا فقال لها بعينين تشعان امتنان
((أمي لا تقلقي عليّ فأنا لطالما كنت معتادا أن اطلب أكلا جاهزا في عملي))
ضيقت عينيها مغمغمه
((ماذا فيه أكل المطاعم لتفضله على البيت؟ عليك الاهتمام بصحتك أكثر.. مؤخرا خسرت الكثير من وزنك..))
اخفض نظره يتطلع لنفسه وهو يجيبها بحنق
((أمي لطالما كنت كذلك ثم إن ما مررنا بها مؤخرا ليس قليلا))
تكدرت ملامحها لتذكيرها مصعب بما حدث فدمدمت بصوت مؤثر
((حسنا فهمت معك حق))
القى السلام عليها ودلف لداخل منزلهم ثم صعد الدرج الذي ينتصف الصالة للدور العلوي إلى حيث جناحه..
فتح الباب ودلف للداخل يغير ملابسه ويأخذ حماما سريعا بروتين يومي معتاد عليه بعد عودته..
كان يجفف شعره بالمنشفة عندما سمع صوت فتح الباب من قبل نورين التي كانت تحمل صينية فيها عدة أطباق الباب خلفها..
تطلعت نحوه ليسألها بتعابير مبهمة
((أين كنت يا نورين؟))
هل طلب أحد منك أن تخرجي من هنا؟)
ارتكبت قليلا واضطربت يديها التي تحمل فيها الصينية فعاجلها بسؤال أخر
((هل طلب منك أحد الخروج من هنا؟))
سارعت تجيبه نافية بلهفة
((لا أبدًا.. بل أنا من خرجت بنفسي.. لقد كنت في منزل سمية.. أنا اعتذر كان يجب عليّ أن استأذن منك قبلا.. لكن ليس عندي هاتف وظننت بأنك لن تمانع لأن بيتها لا يفصله عنا إلا حديقة المنزل الخلفية))
كان الخوف قد أخذ منها كل مأخذ فجأة من ردة فعله وهي تراه يطالعها بوجوم فأشاحت بوجهها جانبا.. هي خرجت لأنها لم تتخيل بأنه سيرفض..
وصلها صوته مدمدما وقد انفرجت ملامحه
((سمية؟ كيف حال يديها؟ حسنا لا بأس))
رفعت عينيها له تسأله بانشداه
((إذن لا تمانع أن اذهب عندها كل حين وأخر؟ فأمك طلبت منها ألا تدخل المطبخ وبالتالي المنزل كله!))
رفع مصعب احدى يديه يمرر أنامله في شعره المبتل بينما يهدر لها بتأنيب مشيرا بعينيه للصينية التي تحملها
((حسنا لا بأس يا نورين.. ولكن ألم تخبريني بانك لا تريدين النزول للأسفل وجعلتني أطلب من أمي ذلك؟ لأجدك الآن قد خرجت من تلقاء نفسك!))
امتلأ وجهها بابتسامة غير عادية وهي ترد بغموض بينما ترفع الصينية التي تمسكها
((أنا فقط أعددت كمية قليلة من الطعام لك لتأكله بعد عودتك للعمل.. طعام مختلف عن الذي صنع للباقي))
جلس على طرف فراش سرير وهو يقول بوجوم
((أنا أنتِ تعرفين أني أكل قبل العودة لهنا))
سارعت تجلب منضدة صغيرة تضعها أمامه قبل أن تضع الصينية فوقها وهي تقول
((صنعت لك الفاصولياء بدون إضافة أي من البصل أو الثوم))
صوب نظراته إليها يغمغم
((لم افهم عليكِ))
اجابته بحماس وهي تمسك يديه وتضع الملعقة
((لقد لاحظت بأنك لا تحب لا الثوم ولا البصل في الأكل.. مع أني لا أدري كيف يمكن صنع وجبة طعام بدون هذه المنكهات.. لكن صنعتها لك بدون إضافتها))
ظهرت الحيرة عليه فدفعته ليأكل قائلة برجاء رقيق
((هيا أرجوك تذوق.. فقط ملعقة على الأقل))
بمجرد أن تناول أول لقمة حتى سألته مترقبة
((ما هو رأيك؟))
ضايقت عينيه وقوس حاجبيه مجيبا إياها بنزق
((لا بأس به))
عادت تسأله بإلحاح
((هل الملح جيد أيضًا؟))
زفر بضيق قبل أن يقول مجددا
((لا بأس به أيضًا))
صدح صوتها مجددا تجذبه لها وهي تقول بلهفة
((أخبرني ما هي الأكلات والنكهات التي تعشقها وسأحاول صنعها بالطريقة التي تحبها))
ثم عادت تسترسل كلامها وهي تشبك أناملها بحماس
((لقد حسبت الملح بالملي.. فأنا اعرف بأن نعمة تطلب منهم أن يعدو الأكل بدون وضع الملح أبدًا من اجل ضغط والدك.. وأنت لا تحب أن تستخدم الملاحة بعد طهي الأكل مثل باقي عائلتك.. لذا هل أعجبك ملحه؟))
كان ينظر لها بملامح مبهمة وهو يراها تتحدث عن ملح ونكهات الطعام بشيء من الشجن.. فأرخى نظراته يبتسم لأول مرة منذ دخل هنا تلك الابتسامة الرجولية النادرة التي تحلي محياه الوسيم وهو يقول
((ملحه جيد.. أستطيع أكله.. أخيرا وجدت منك فائدة واحدة حتى لو لم تكن بأمر مهم))
اغتارت وهي تقول له بدلال
((صدقني أنا مليئة بالفوائد والمميزات.. أنا بحاجة منك فقط أن تعطيني فرصة لأريك إبداعي))
عقد حاجبيه قائلا بهدوء
((لا شكرا لنتوقف عن مسألة الطهي))
أومأت له تقول وهي تحافظ على ابتسامتها السخيفة
((بشكل مبدئي حسنا.. المهم أخبرني ماهي الأكلات الأخرى التي تحبها؟))
ازداد التواء حاجبيه وهو يقول لها مفكرا باختصار
((ليس هناك شيء معين.. هم خمس أو ست أنواع من الأطعمة التي أحبها وأكررها على مدار الشهر))
زمّت شفتيها بإحباط ويداها على حجرها في دلالة إلى يأسها وفراغ حيلتها من عدم مجاراته في الحديث معها.. ثم قالت عابسة
((مهما بدون صعبا لكن لن أيأس أبدًا.. سأحاول بذل جهدي لأسحب البساط من تحت أقدام المطاعم دون أن تشعر أنتَ بنفسك))
عاد يأكل من أمامه دون أن يعطيها أي انتباه أو يتحدث معها..
فشعرت بأن هذا الذي أمامها هو أكثر رجل غامض قابلته.. دخيلته لا يمكن الوصول إليها ولا التكهن بها..
ينظر لكل شيء نظرة لامبالية.. وكأن لا شيء في العالم يمكن أن يثير دهشته..
انتظرته أن ينهي طعامه ليقوم من مكانه ويغتسل في الحمام المرافق بينما يخبرها
((نظفي الطاولة واستعدي للنوم))
فعلت ما أمرها به متنهدة..
عندما أطفأ مصعب النور قامت بالقفز فوق السرير متمددة وهي تمسك أداة التحكم عن بعد تفتح التلفاز مغمغمه
((اليوم نهضت بوقت متأخر لذا سأسهر على التلفاز))
لن تنكر أنه اليوم كان رائعا لعدم اضطرارها للقيام بأعمال المنزل في الأسفل أو في المطبخ.. لقد وجدت وقتا لتقوم بكل ما كانت تريد فعله من ترتيب وتنظيف في جناحها..
رفع الغطاء يضطجع تحته قائلا بصرامة
((أريد النوم.. اغلقيه))
بعناد طفولي رددت
((لا أريد))
فجأة ابعد الغطاء عنه وقام من مكانه.. احضر فراشا وغطاء أخر وبهدوء دلف للشرفة واغلقها خلفه..