المقدمه والبداية ج الاخير
المقدمه والبداية ج الاخير
ليلا كانت تتقلب شيرين على سريرها بتوتر وأرق وكأنها تتقلب فوق جمر من نار..
رغم إخراجها وليد من حياتها إلا أنه لم يتوانى أن يظهر كل سنة.. أكثر أو أقل.. في حياتها ليظهر جبروته عليها ويذلها..
أخف ما في الأمر أنه عندما حضر إلى مقر عملها الذي ترقت فيه وصار لها فيه منصب كبير.. شعرت بأنها تستطيع أن تجابهه وتكون ندا له!
اليوم وبشكل حرفي كانت مواجهتهما متكافئة على عكس ما كانت عليه عند أول مواجهة لهما بعد رحيلها مع أبيها من القرية..
ضيقت عينيها تجتذب تلك الذكرى المريرة البعيدة..
قبل سنوات طويلة..
عندما كانت تعمل موظفة في دوام جزئي في أحد المطاعم مع سهر.. التي التقت بها أول مرة في حياتها هناك ولم تكن تعرف بشأن خلفية عائلتها الثرية..
كانت شيرين تعمل في غسل الأطباق كالعادة عندما قالت متسائلة
((لا يوجد عمل كثير اليوم.. لماذا يا ترى لم يأتي أي من زبائن لأكثر من ساعة يا سهر؟))
((ببساطة لأنه هناك رجل ما جاء ليحتفل بتخرج زوجته وقام بحجز المطعم كاملا لهما))
زمّت شفتيها ثم قالت بقليل من الغبطة
((حقا؟ كم هو لطيف أن يصدر تصرف مثل هذا من رجل))
تابعت شيرين عملها في غسل الأطباق وتنظيف المطبخ قبل أن تتفاجأ بدخول أحد الموظفين من زملائها يقول أمرا
((المدير يطلب منك يا شيرين أنتِ وسهر أن تقومي بإيصال الأطباق التي طلباها السيد وزوجته لهما))
استدارت له قائلة باعتراض
((ماذا هل جننت؟ وظيفتي هنا أن أقوم بغسل الأطباق في المطبخ لمدة تسع ساعات فقط.. إيصال الأطباق للزبائن هي وظيفتك أنتَ وغيرك ممن يعمل هنا كنادل))
ابتسم الشاب بشماتة قبل أن يقول لها متكتفا
((السيد الذي حجز المطعم أمر أن يتم توصيل الأطباق من قبل الموظفات فقط.. وبما أنه لا يوجد لدينا نادلات هنا فهي مهمتك أنتِ وسهر))
خرج صوت سهر حادًا معترضًا
((اعتذر للمدير وأخبره أن هذا ليس عملنا هنا.. فليوظف أخريات غيرنا للعمل كنادلات))
خرج الشاب من المطبخ ليوصل رد شيرين وسهر للمدير وسرعان ما عاد محملا تحذير مدير عملهم
((المدير يشتعل غضبا وأخبرني إذا رفضتما توصيل الأطباق للسيد الذي قام بحجز المطعم له ولزوجته فاعتبرا نفسكما مفصولتان.. ها ماذا أرد عليه؟))
ضربت شيرين المنشفة الذي كانت تمسكها بالطاولة وهي تقول باقتضاب
((هذا ليس عدلا.. أنا تقدمت لهذه الوظيفة لأنه قيل لي بأن كل ما عليّ القيام به هو غسيل الأطباق دون أن اضطر إلى التعامل مع الزبائن))
قالت سهر له بتجهم وببرود
((اذهب وأخبره أننا لن نوصل أي شيء.. وسنترك العمل هنا بمجرد أن ينتهي اليوم))
هز الموظف كتفيه ببساطة واستدار مغادرا وهو ينوي إيصال ردهما لمديره.. في حين التفتت شيرين بقلق لسهر تقول
((سهر ماذا لو صدق وعيده وقام بطردنا من هنا؟))
أعادت سهر خصلاتها للخلف وهي تقول بلامبالاة
((فليفعل.. وقتها سأطلب السماح من أمي وستعود لتسمح لي بالعيش معها ومع والدي وريثما أجد وظيفة أخرى سأعود لأتمرد عليها مرة أخرى))
عقدت شيرين حاجبيها وقالت بتيه وهي تجلس على احدى الكراسي
((لكن أنا وضعي مختلف.. أنا أعمل هنا من خلف ظهر والدي.. انهما يعتقدان بأني أخرج كل صباح من البيت لأني أتدرب في احدى مكاتب المحاماة ولا يعرفان عن حقيقة عملي.. إذا فصلت من هنا فلا اعرف أين سأجد مكان أو متجر أخر لأعمل فيه دون أن اضطر للاختلاط مع موظفين أو زبائن.. لأنه لو تعرف عليّ أحد بأن اعمل في مطعم فستكون مصيبة))
شعرت سهر بضيقها فقالت وهي تميل برأسها
((إذن هل ستصعدين فوق لخدمتهم؟))
هزت شيرين رأسها بعزم ثم طالعتها تقول وهي تخرج من المطبخ
((نعم.. مجرد دقائق نضع الطعام فيها وينتهي الأمر.. اتبعيني يا سهر))
.
.
بدأت شيرين بحمل الأطباق هي وسهر وإيصالها للزبون الذي كان قد حجز دورا كاملا من المطعم له ولزوجته للاحتفال بتخرجها..
لم تخفِ شيرين بمجرد دخولها المكان انبهارها من الزينة والبالونات التي نُسقت بطريقة مميزة احتفاء بطلب الزبون..
وصلت الفتاتين لطاولة الزبون ووضعن الأطباق من الصينية فوق الطاولة..
غادرت سهر المكان في حين قالت شيرين وهي ترسم ابتسامة رسمية ومرحبة
((هل أنتَ بحاجة لأي شيء أخر يا..))
ضاعت أخر كلماتها في نهاية حديثها وشحب وجهها بينما تلاشت تلك الابتسامة من على وجهها تدريجيا..
عندما رفع الرجل أمامها وجهه بعنجهية.. لم تصدق أنه هو.. وليد..
كانت تنظر له بمقلتين مرتاعتين لا تصدق إلى أي حد وصل بانتقامه منها بينما هو يلتهم ملامحها بهدوء ونهم..
قبل أن يسال وليد زوجته بينما عينيه تفترسان ملامحها باستمتاع ونشوة
((هل أنتِ بحاجة لاي شيء أخر يا حبيبتي؟))
رمقت شيرين بغيظ المرأة الجالسة مقابله تهز وجهها السمح..
عادت تنظر لوليد قائلة من بين أسنانها
((هل هناك أي أوامر أخرى يا سيدي؟))
أخبرها وليد بصوتٍ فاتر أجوف
((أريد منكِ أن تحضري لي الهدايا التي جلبتها لزوجتي ووضعتها عند الزاوية بعد نصف ساعة))
هزت رأسها وهي تقول بوجه يلفه الضيق
((حسنا.. أي أوامر أخرى؟))
غمغم بفظاظة جمدتها
((احتاطي حذرا أثناء حملك الهدية الحمراء الضخمة لو سمحتِ))
شعرت شيرين بنفسها غارقة بالذل وهي تتلاقى أوامره.. ويغمرها الهوان..
دموع حارقة لذعت حدقتيها ولكنها احتجزتهم خلف أهدافها وهي تدرك أنها تخدم الرجل وزوجته التي تزوجها في نفس اليوم الذي هجرها فيه في يوم زفافهم المفترض..
أومأت شيرين بوجهها له متمتمه بخفوت
((حسنا.. لا تقلق))
استدارت على الفور مبتعدة عنه بإعياء ومسرعة الخطى نحو دورة المياه..
أغلقت الباب خلفها مختليه بنفسها لتبكي ذلها لوحدها.. لدقائق..
فقط دقائق تعطي الحرية وتسمح لدموعها أن تنهمر كالأمطار قبل أن تخنقها وتموت..
.
.
استشعر وليد ضيق زوجته أثناء تناولهما الطعام ليرفع رأسه يسألها
((هل هناك شيء يا حبيبتي؟))
اجابته بخفوت وهي تقسم قطعة اللحم أمامها بالسكين والشوكة
((كانت طريقة كلامك مع الفتاتين فيها شيء من الفظاظة رغم لباقة حديثك.. عليك أن تكون الطف مع من هم أقل منك حظا في الحياة))
ضيف وليد عينيه وهو يجيبها بتصميم
((بل علينا يا حبيبتي ألا نعطي أي شخص أكبر من حجمه في هذا العالم.. فيتمرد))
عقدت زوجته حاجبيها معترضة
((ولكن يا وليد..))
قاطعها ينهي النقاش بابتسامة
((يكفي يا حبيبتي تحدثا عن أناس من أمثالهم.. لا أريد أن أفسد يومنا الخاص ومفاجأتي لك بمناسبة تخرجك))
استسلمت لكلامه وهي تعتدل واقفة
((سأذهب لدورة المياه))
أومأ لها وليد وهو يراها تبتعد عن الطاولة تزامنا مع قدوم شيرين التي كانت تحمل الهدايا كلهم هدية فوق الأخرى يكاد يختل توازنها عند مشيها..
وضعت الهدايا فوق كرسي فارغ بغلظة ثم طالعت وليد بازدراء وهي ترفع أحد حاجبيها للحظات بتحد سافر..
كان بإمكانها أن تطلب من سهر إحضارهم.. لكنها أصرت على الاستجابة لأمره وجلبتهم بنفسها.. ثم سألت وليد بثبات تحسد عليه
((هل هناك أي شيء أخر سيدي؟))
أسفت لنفسها أن تعترف أن محاولته لإهانتها نجحت في أن تطولها وأصابتها في الصميم..
أما هو لم يلن قلبه على ما يفعله بها بل اشتعلت مقلتيه بمزيد من الرغبة.. في إذلالها.. فهدر لها بمجرد اختلائهما بصوتٍ متلاعب.. أجش
((كيف حالك يا شيرين؟))
قربت رأسها له قائلة بصوتٍ مرتجف وقد فشلت في إخراجه صلبا
((لماذا جئت خصيصا لهذا المطعم الذي اعمل به رغم أنه لا يتناسب مع مكانة أشخاص مثلك.. هل تنتقم مني؟))
لوى فمه بتهكم يجيب ببطء شديد
((لماذا قد انتقم منك يا شيرين؟ ثأري وقد أخذته منك بعد فضح حقيقتك وتركك في يوم زفافنا.. فماذا بقي لانتقم لأجله؟))
برقت عينيها بشراسة ثم قالت وهي ترمقه باحتقار
((إذن كرر هذا الكلام على نفسك لعلك تدركه.. ودعني في حالي.. لا أريد شيء من هذه الدنيا إلا أن أبقى بعيدة عنك وعن تلك القرية البائسة))
ثم رسمت تلك الابتسامة التي لا تفشل في استفزازه وهي تشمخ بذقنها بينما تقول بعنفوان وكبرياء
((سأتزوج من رجلا أخر ينسيني البؤس وأيامي التي عشتها معك..))
قاطعها قائلا وهو يضغط على كل كلمة تخرج من فمه كالطلقة
((اخرسي.. يا شيرين.. ولا.. تحلمي.. بذلك))
ثم اعتدل واقفا ينفث الهواء كنيران مشتعلة وصرّ على أسنانه بهسيس مخيف لها
((هل تظنين بأني سأسمح لك في الزواج من رجل غيري؟))
تحدته بذروة لا تنطفئ بحدقتيها هادرة
((ولماذا قد احتاج لاذنك؟ ومن أنتَ غير حقير كنت مخطوبة له وتخلصت منه..))