صمت الوجع شروق خالد ١
صمت الوجع شروق خالد ١
«لو عاودتي الكدب ده عن أباكي تاني، هجيبلك العفريت يغور بيكي لبعيد ومش هتشوفي وشنا تاني أبداً!».. سمعت صوت شيماء مرات أخويا وهي بتبرطم بالكلام ده بصوت يقطع الخلف من أخر الطرقة. اتسمرت في مكاني عند الباب ومبقيتش عارف أتحرك ولا أتنفس.
كنت لسة واصل بعد سحل أربع ساعات سواقة في الزحمة عشان أتعشى عندهم في ليلة العيد. بيت أخويا أحمد الكباره ده في كمبوند مقفول ونضيف في الشيخ زايد. بقالنا يجي 8 شهور مابنشوفش بعض ولا بنسأل.
أحمد ده بقا عامل فيها برنس ورجل أعمال تقيل، عنده شركة أمن سيبراني كبيرة وبيمسك عقود بمليارات مع الدولة، ومكاتب فخمة في التجمع، وعملاء من أصحاب الملايين. أنا بقا على الله حكايتي، بخرج أفلام وثائقية عن النصابين وحرامية الشركات والفساد. إحنا إخوات بطن واحدة، بس عايشين زي الأغراب بقالنا سنين.
الفيلا كانت حاجة أبهة: نور وزينة متكلفة، وطاولة سفرة خشب أرو عمولة تشيل 12 فرد، وأطقم أطباق وكاسات بلور بتلمع، وشجرة كبيرة واصلة للسقف. بس كان في حاجة في الجو تخنق وتقطع النفس. بالذات لما تبص لـ سارة.
بنت أخويا عندها 5 سنين، كانت واقفة جنب الكرسي متخشبة زي الصنم، لابسة فستان قطيفة أحمر ناشف، وإيديها جنبيهات جامد. أمها شيماء حطت طاجن اللحمة وقالتلها بحدة: «اقعدي يا سارة خلصينا».«بيوج. عني يا بابا.. بيوج. عني يا ماما».
أحمد كمل تقطيع اللحمة من غير ما يرفع عينه ولا يتهز فيه شعرة: «هنبتدي شغل الدلع ده؟ اقعدي اخلصي».ولما البنت غصب على نفسها وتقعد على الكرسي الخشب، وشها اتعصر من الو. جع، ودموع تقيلة وسكتة نزلت على خدودها. حطيت الشوكة برزعة في الطبق: «في إيه يا جماعة؟
مالها البنت؟»أحمد رد ببرود وهو بيمصمص شفايفه وبياخد بؤ عصير: «مافيش، بتتدلع وتعمل حركات عشان تلفت الانتباه».«يا أحمد البنت بتقولك بتتألم!»أحمد بصلي، وعينيه أضيقت بنظرة شر وباردة: «ما تتدخلش يا محمد.. دي بنتنا ونربيها براحتنا».
الجملة دي لوحدها جابتلي مغص وانقباضة في بطني. طول العشاء سارة تقريباً مابتحركش ولا بتتنفس. كل ما أحمد يعلي صوته وهو بيتفشخر بتوسع الشركة، البنت تتخض وتترعب. أنا قضيت أكتر من 10 سنين بشوف أشكال وألوان من النصابين والحرامية اللي مخبيين بلاوي.
اتعلمت ألقط الحركة الهربانة—السكوت المفاجئ، التهرب من العيون، والوقفة اللي بين الكلام. لما قمت أروح المطبخ أجيب كوباية مية، سمعت خطوة صغيرة ومترددة ورايا. بصيت ورايا، لقيت سارة واقفة جنب الرخامة ومتمسكة بأرنب قماش مهري. همست: «عمو محمد؟»«إيه يا عصافيرتي؟».. ده كان الدلع اللي بندهالها بيه من وهي بيبي.