المقدمه والبداية ج الاخير
المقدمه والبداية ج الاخير
الفصل الثاني
اغلق مصعب الباب خلفه وضاقت عيناه وهو ينظر لها تجلس على الأريكة المقابلة لسريرهم الزوجي متكومة على نفسها بتشنج..
زفر نفسا طويلًا قبل أن يدلف للداخل يأخذ حماما سريعا ويغير ملابسه لمنامة مريحة..
كان يرفع غطاء السرير يهم للنوم عندما ألقى نظرة عليها فوجدها على جلستها كما هي بنظر شارد كما ذهنها..
لم يهتم وهو يطفئ الإنارة ويتمدد على سريره مغمض العينين ومنهك الجسد..
ومرت دقائق فقط عندما دمدم بخشونة لها
((هيا قومي للنوم))
خرجت من شرودها تنتبه أنه أطفأ الأنوار ومتمدد في سريره.. وكأنها كانت مغيبة قبل قليل..
استجابت لما طلبه.. اعتدلت من مكانها بهدوء واتجهت نحو منضدة الزينة تزيل الحلي الذهبي وبدلت ملابسها ثم تمددت بجانبه..
دقيقة.. دقيتين.. ثلاث وكانت تقترب وتقلص المسافة بينهما وترفع أناملها تغمرهم في شعره لتشعر تلقائيا بتصلبه وهو يهمس بها بصوتٍ خشن خفيض
((ابتعدي.. أنا مرهق وأريد النوم من اجل عمل الغد))
استمرت تمشط شعره بأناملها وهي تقول بطفولية
((يمكنك النوم.. وما يمنعك؟))
أزاح رأسه عن مرمي أناملها ليقول بحدة
((أنتِ من تمنعيني))
أحزنها نفوره واعتصر الألم قلبها فسكن كل ما فيها في صمت بائس..
قبل أن تقرر أن تعود لتقترب منه هامسة بصوتٍ مرتعش
((أرجوك خدني في أحضانك.. ألم تكن تسمح لي بذلك في البداية؟))
وصله صوته لها بفتور أجوف
((هذا كان فقط في البداية وحتى تعتادي على كل شيء.. انتهى وقت الدلال.. لو كنت غولا يُفترض أن تكوني قد اعتدتِ))
ارتعشت أوصالها وارتجفت شفتاها المتفرقتين فأغلقتهما بخيبة كبيرة تظلل أفاقها.. قبل أن تهمس له باختناق مكتوم متألم
((لا أحد يحبني هنا.. وأنا أتفهم واعرف السبب.. ولكن ليس أنتَ أيضًا))
لم يجبها ولم تشعر بأي حركة صادرة منه.. لا زال كما هو متمددا يعطيها ظهره..
فعادت تقترب منه مرة أخرى متوسلة بصوتٍ مرتعش
((أرجوكَ يا مصعب))
شيء ما أمام رجائها وتوسلها الواهن تحرك فيه ليتبرم لها بنفاذ صبر
((خمس دقائق.. فقط خمس دقائق وبعدها أكريميني بهدوئك حتى أستطيع النوم))
فغر مصعب عينيه يرمش توترا وهو يشعر بها تنقض عليه معانقة إياه من الخلف وتحيطه بذراعيها وتعانق سيقانهما.. تتشبث بها كغريقة..
لكنه تحامل على نفسه وقرر ألا يعترض ويتركها على حالها.. فقط هذه المرة.. قبل أن يغمض عينيه..
أنفاسه المنتظمة التي شعرت بها بعد دقائق جعلتها تهمس باسمه بصوتٍ خافت
((مصعب.. مصعب.. هل أنتَ مستيقظ؟))
وعندما لم تصلها أي إجابة أدركت بأنه أخيرا قد غرق في نومه بعد أن هده إجهاد العمل في المستشفى..
فابتسمت تلك الابتسامة الشقية وهي تحرره وتبتعد عنه قليلا حتى تقلب جسده الثقيل لجهتها قبل أن تعود مكانها وتضع رأسها على صدره تطلع لوجهه النائم بعمق وتتأمله قبل أن تضيع في أحضانه وتغرق هي الأخرى في نوم عميق..
عند صلاة الفجر.. في ذلك الوقت المشبع بالسكون
تململ مصعب في مكانه يفتح عينيه بتثاقل قبل أن تتسع عينيه وهو يجد وجهها في وجهه..
رفع احدى حاجبيه وهو يلاحظ أنها تكبله تماما.. كالقردة..
فك وحرر نفسه منها مهمهما وهو يشعر بعظامه تئن ألما من نومه بهذه الطريقة طوال ليلة الأمس..
تنهد وهو يطلع لها نائمة متمددة ببراءة فوق السرير.. لوهلة رمقها بنظرات النفور وكيف تحاول دائما أن تضل ملتصقة به بمجرد أن يعود للبيت..
هو لا يلومها كثيرًا.. فهي هنا وحيدة وخائفة ولا بد أنأهل بيته لا يوفرون أي جهد في جعل حياتها أكثر صعوبة..
كم يجاهد في تذكير نفسه بأنه ليس لها ذنب في أي ما جري ليحيى.. ابن عمه وصديق روحه.. خاصة وهي تقرب قاتله بصلة قرابة بعيدة..
وحتى لو كانت صلتها متينة فلا يظن نفسه قادرا على أخذها بذنبه.. فمهما حاول سابقا معاملتها بقسوة أو ازدراء إلا أنه يتراجع.. لا يستطيع.. رغما عنه..
هو من عشيرة رجالها لا تترك لها ثأرًا.. لكن في عرفه الثأر لا يُأخذ إلا من رجل مثله..
أخذ مصعب نفسا عميقا بينما يمسح وجهه بكلتا يديه.. ثم غادر السرير.. وهي لم تستيقظ إلا قبل طلوع الشمس بقليل على جلبته الصباحية الروتينية التي افتعلها وهو يجهز نفسه للخروج لعمله في المشفى..
فنهضت بتثاقل تفتح إحدى عينيها وهي تقول بصوتٍ أجش ناعس
((هل أعد لك الفطور؟))
أجابها وهو يرتدي ساعته على عجل
((لا ليس هناك متسع من الوقت..))
اعتدلت من مكانها واقفة تتجول في الغرفة بتيه ريثما ينهي تجهيز نفسه..
وما إن وقف أمام مرآة منضدة الزينة يلقي نظرة أخيرة على مظهره قبل الخروج حتى حسمت أمرها مستجمعه قوتها ثم خطت بالقرب منه بتعابير مترددة هادرة
((مصعب هناك أمر عليّ إخبارك به))
تخشب مكانه والتفت ينظر لها فسارعت تشيح بنظرها عنه كأنها لا تريد مواجهته..
حلت الجدية ملامح وجهه وضيق عنينه قائلًا بحزم
((ما هي المصيبة التي قمتي بها؟ وجهك لا يبشر بالخير))
رفعت وجهها تسارع هزه بالنفي وهي تقول
((لا لم افعل أي شيء.. بل كنت أريد إخبارك بأن زوجة أخيك أخذت مفتاح جناحنا))
اتسعت عيناه باستهجان متقد بكل ما فيه وتساءل
((كيف أخذت مفتاح الجناح؟))
هزت كتفيها وهي ترد ببساطة
((يعني أخذته.. قالت بأنها فعلت ذلك حتى تستطيع فتح الباب صباحا عندما لا استيقظ على طرقها للباب))
عقد حاجبيه يستفهم منها
((إذن مفتاح جناحي معها الآن؟))
ردت عليه ببراءة
((لا أدري.. قالت ستعطيه لوالدتك))
رأته يومئ برأسه بتفكير وبدت عينيه متوعدتين وهو يتمتم لها بصوتٍ خافت
((حسنًا سأتفاهم مع أمي))
استدار للخلف لتعاود القول
((مصعب هناك أمر أخر.. لا أريد أن انزل للأسفل.. فبعد ما حدث في الأمس.. أعني..))
ارتبكت في أخر كلماتها فبترتهم وهي تراه يطالعها بوجه خال من التعابير..
تحرك حلقها وأخفضت وجهها.. إلا أنه قال بصوتٍ حيادي
((حسنًا فهمت سأتحدث أيضًا مع أمي بهذا الأمر))
ثم استدار مغادرا نحو الباب فلحقته بلهفة متفاجئة مِمَّا قاله لتسأله بخشية
((ماذا ستخبر والدتك؟ هل ستغضب مني؟))
ابعد يديها التي تمسك ذراعه بنزق ثم نظر لها يجيبها باقتضاب
((لن تغضب امي..))
وفي نهاية كلامه قام بإخراج إحدى المفاتيح من سلسلته التي يضعها في محفظته.. فتناولته منه وهي تسمعها يقول
((وخدي مفتاحي واغلق الباب خلفي ولا تفتحيه أبدًا وأنا سأقوم بأخذ المفتاح الأخر منها))
وقبل أن يخبأ محفظته عقد حاجبيه متسائلا وهو يتفقد جيوب بنطاله
((لحظة.. هاتفي ليس هنا.. هل أخذتيه؟))
فغرت شفتيها شاهقة كمن تذكر شيء وهرولت للداخل ثم عادت خلال ثوان تناوله الهاتف هادرة
((ها هو لم ألمسه أبدًا منذ أن جئت من الأمس))
تسلم الهاتف منه بوجوم وفتح شاشته يقول وهو يرفع حاجبيه
((جيد.. لهذا شحنه كما هو من الأمس تقريبا))
عقدت يديها خلف ظهرها ورسمت له تلك الابتسامة المشاغبة المعتذرة عما تفعله أحيانا وفي ذات الوقت لا تعده بالتوقف عن ذلك مستقبلا..
فطالعها بامتعاض مضيقاً عينيه قبل أن يقول بصوتٍ خفيض مقتضب وهو يفتح مقبض الباب
((ألا تملين من تنزيل هذه الألعاب بعد كل مرة احذفها؟ كم مرة عليّ أن أعيد عليك بأني لا أحبك أن تلمسي هاتفي؟ لا تجبريني على تغيير رقمه))
هزت وجهها مبتسمة ببشاشة وفي عينيها الصافيتين وميض تحدٍ سافرٍ خفي بأنه لن يفعل ذلك.. لوحت بيديها له مودعة برقة
((إلى اللقاء يا زوجي العزيز))
أغلقت الباب خلفه فسارع خطواته ينزل الدرج الذي يتوسط الصالة..
وقف أمام غرفة والديه مترددا في طرق الباب خاصة في هذا الوقت المبكر..
لكن اختصرت عليه والدته وهي تبادر بفتح الباب لتقول بدهشة وهي تراه واقفا أمامها
((ألم تذهب لعملك بعد يا مصعب؟))
رد عليها بهدوء
((صباح الخير يا أمي.. نعم سأذهب الآن لعملي ولكن..))
رفعت زاهية حاجبيها تسأله
((هل هناك شيء ما؟))
تنحنح مصعب يجلي صوته قبل أن يقول
((لكن كنت أريد قبل ذلك أريد الاستفسار منك بخصوص أخذ زوجة أخي مفتاح جناحي من نورين))
بهدوء ووقار أومأت له وأجابت
((نعم بالفعل لقد أعطته لي.. وقالت بأنها فعلت ذلك لأن زوجتك تتعمد صباحا عدم فتح الباب لها))
انعقد حاجباه ولم يستطع منع نفسه من أن يظهر الضيق والاستياء وهو يقول
((أمي ليس من اللائق أن يكون مفتاح جناحي مع أحد أخر غيري.. تعرفين أن المساس بخصوصيتي يثير حفيظتي.. حذري أم فهد من عدم تكرارها مرة أخرى))
بالكاد استطاع مصعب أن ينهي حديثه عند هذا الحد دون أن يفرط أو ينفعل على ما فعلته زوجة أخيه أكثر..
فالجميع يعرف هنا بأنه لا يحب أن يتجاوز أحد خصوصياته أو محظوراته الشحيحة..
وتفهمت والدته هذا الأمر جيدا فأخبرته بهدوء وهي تهم بالاستدارة
((حسنًا.. لا تقلق.. سأجلب المفتاح لك))
عادت تدلف لإحضار المفتاح ثم ناولته إياه ليقول لها بعد لحظات يعلمها
((أمي طلبت منها ألا تغادر جناحها اليوم))
أمعنت النظر في ملامح وجه ابنها تسأله باستغراب
((لماذا هل هي مريضة؟))
تطلع لها بثبات يجيبها
((لا أريدها أن تنزل اليوم ولا في أي يوم أخر.. القائمين على أعمال المنزل يستطيعون القيام بواجبهم تجاهه على أتم وجه دون الحاجة لها.. صحيح؟))
ظهر العجب على وجهها وهي تقول باقتضاب
((نعم أنتَ تقصد بأنك لا تريد منها أن تساعد في أعمال المنزل أو المطبخ؟))
قال مصعب لها بتفسير
((لا أظن بأنك تجبرين أي من نساء إخوتي على العمل في المنزل.. وأيضا..))
عبس وجهها وسألتها بحدة
((وأيضا ماذا تأمر يا مصعب؟))
ابعد تواصل العينين وأجاب بنبرة ذات مغزى
((أريدها بكامل طاقتها في أخر الليل يا أمي لا وجها باهتا وجسدا منهكا.. فقط لا غير))
تشتت نظر والدته بحرج بالغ وقالت متفهمة
((حسنًا.. لا تقلق))
انتظر للحظات ثم سألها قبل أن يستدير
((سأذهب الآن.. هل تريدين شيء أخر؟))
باغتته امه بسؤال متردد
((هل هي حامل؟))
توقف مصعب مكانه وأغمض عينيه بضيق ثم أجاب دون أن ينظر لها
((لا أمي ليس بعد..))
أومأت زاهية برأسها بخفوت وهي تدعو أن يرافقه الله بالسلامة فرد عليها السلام وغادر متابعا الطريق أمامه خارج منزله..
في حين تشجعت رتيل التي كانت تراقبهم عن بعد أن تتقدم من حماتها متسائلة بفضول
((صباح الخير.. هل هناك شيء يا عمتي؟))
التفتت لها منتبهة على وجودها لتأمرها بهدوء وهي تغلق باب غرفة نومها خلفها
((لا أبدًا.. اصنعي القهوة الصباحية لي ريثما أتأكد من استيقاظ مالك ليشاركنا إياه أنا والحاج))
عدلت رتيل وشاحها المرخي وهي تقول بابتسامة متكلفة
((من عيوني سأعدها الآن))