المقدمه والبداية ج الاخير
المقدمه والبداية ج الاخير
وقفت زاهية أمام غرفة مالك تطرق بابه بهدوء..
عاطفة الأمومة الجياشة فيها لا تفرق بين أبنائها الخمسة.. ولطالما اعتبرت أن لكل منهم ذات المحبة والمقدار..
لكن بحكم أن التؤام مالك ومازن كانوا أصغر أبنائها وأحوجهم للاهتمام والرعاية بصغرهم مال قلبها وحتى الآن لهم هم دونا عن إخوتهم..
ولأن مازن ومنذ سنوات سافر مغتربا عنهم ويقصر في سؤاله معها لا يظل عندها إلا مالك الذي تحب مجالسته في أوقات فراغه..
عندما لم تجد أي رد من ابنها هتفت باستغراب وصوت أعلى
((مالك.. هل أنتَ مستيقظ؟ مالك!))
كانت تهم بفتح الباب والدخول لإيقاظه لولا أن وصلها صوته الأجش
((نعم أمي.. لحظات.. أنا قادم))
وفتح الباب عليها يطل عليها بشعره الأشعث البُني المائل للأحمر الغامق يفتح فقط إحدى عينيه
((صباح الخير.. لقد عدت للنوم قليلا بعد الفجر.. هل هناك شيء؟))
رق قلبها على مظهره الناعس فقالت له مبتسمة بحنان
((كنت أريد أن التأكد من استيقاظك خشية أن يفوتك وقت العمل))
رفع مالك يده اليسرى ينظر في ساعته ليقول مستغربا
((حقا؟ الأمر فقط أن الوقت مبكر قليلا))
زادت ابتسامتها الوقورة اتساعا وهي تقول
((نعم اعرف أريد منك شرب القهوة معي أنا ووالدك بغرفتنا))
رفع أنامله يمسد جبينه وهو يقول مغمض العينين
((اشعر بصداع حاد.. لذا القهوة فكرة جيدة.. دعيني أغير ملابسي وأنزل))
.
.
كان يعقوب جالسا أمام منضدة غرفة نومه الفاخرة الخشبية حينما قامت زوجته الجالسة مقابله برفع دله القهوة تصب السائل البني شهي الرائحة في القدحين الموضوعين على المنضدة..
تصاعدت صوت طرقات على الباب لتلتفت زاهية سامحة
((تفضل يا مالك))
فتح مالك الباب يدلف للداخل قائلًا وهو يمسك بيده كف يزيد الصغير
((سيدخل يزيد معي.. صباح الخير يا أبي))
توقفت زاهية عما تفعل وتطلعت بعجب لابنها تسأله
((ماذا؟ لم جاء معك؟))
أجاب مالك دون أن تنحسر ابتسامته رغم توتره من الوجوم الذي حل على وجهي والديه
((لقد نام في غرفتي الأمس يا أمي.. هل نسيتِ ما حدث لسمية؟))
قالت بتجهم وهي تتابع مالك يتقدم منهم ويزيح كرسي ليُجلس يزيد عليه ثم ينضم هو معهم
((ولكن.. ولكن ظننت بأنه نائم في غرفة باسم وفهد.. هل كان هناك في الداخل عندما كنت عندك قبل قليل؟))
استشعر مالك بيد يزيد الصغيرة ت بقميصه ارتعاشه.. لا بد أنه ورغم صغر سنه الذي لا يتجاوز الست سنوات إلا أنه يدرك أن والديه لا يحبانه ولا يحبذان وجوده من الأساس هنا في هذا القصر.. وهذا الأمر ألمه بعمق..
نظر مالك لوالدته يجيبها
((نعم أمي.. لقد رتبت له فراشا في الأمس وأيقظته قبل قليل))
انعقد حاجبا يعقوب الذي كان لا يقل سخطا عن زوجته وهو يسال ابنه مستنكرا
((أنتَ تظل يا مالك رجل غريب عنه.. كيف جعلته ينام عندك؟ كان الأجدر بك أن تدعه ينام في غرفة أولاد أخيك إذا كانت امه عاجزة عن الاهتمام به))
نظر مالك لأبيه يجيبه بعبوس
((أبي كان يزيد في الأمس مريضا وخائفا على امه وكان بحاجة لوجودي معه حتى يهدأ وينام بطمأنينة))
انعقد حاجبا زاهية قليلاً وهي تسأله بخفوت مقتضب
((من أين جلبت له ملابسه؟))
هنا لم يتحمل يزيد الصغير نظرات العجوزان له ووجد نفسه يقوم من مكانه ويقف عند مالك يدفن وجهه في قميصه فأحاطت ذراع مالك ظهر الصغير بينما يجيب أبيه
((في الأمس أحضرت لي نجوم من غرفته منامته وملابس وحقيبة مدرسته))
غمغم يعقوب بغير رضا
((تبارك الرحمن قمت بنفسك بمساعدته بالاغتسال وارتداء ملابس مدرسته وحتى تمشيط شعره!))
ثم تمتم بصوتٍ غافت مقتضب كمن يحدث نفسه
((والله لو قيل لي أن افعل كل هذا لاحد أبنائي في صغرهم أو أحفادي لما فعلت.. وأنتَ تفعله لشخص لا يقربك ولا يربطك به أي صلة))
استقام مالك من مكانه يحمل يزيد ويرفع بيده الأخرى وجهه المنكس يسأله باهتمام
((هل أنتَ جائع يا يزيد؟))
قال الصغير بخفوت
((لا أبدًا..))
علا صوت زاهية وهي تقول باقتضاب
((الفطور نجهزه في العادة بعد أن يستيقظ كل أهل البيت.. تكون قد ذهبت للمدرسة التي تعمل فيها يا مالك))
عانق يزيد بيديه رقبة مالك ودفن وجهه في كتفه فناظر مالك والدته بعتاب بينما يخبر الصغير
((تعال لأعد لك شيئا سريعا.. ثم أوصلك لمدرستك))
لقد جعل مالك الصغير يرافقه على أمل التخلص من كل الانفعالات القاتمة التي سيطرت عليه في الأمس ولم لكن يريد من أحد حتى لو كان والديه أن يتسببا بأذيته نفسيا..
فغادر الغرفة مغلقا الباب خلفه دون أن يشارك والديه القهوة.. مِمَّا جعل يعقوب يشعر بنفور حقيقي..
عليه أن يجعل ابنه بدرك بأنه ليس من اللائق لرجل مثله أن يصحب معه طفلا صغيرا لا يقربه بل وينام معه في نفس الغرفة!
فناظر زوجته قائلًا بحدة
((لا يعجبني حاله أبدًا.. متى ينوي ابنك التزوج؟ هل ستتركينه طويلا على راحته؟))
تنهدت زاهية بحزن ثم طالعته تقول بروية
((على رسلك يا حاج.. ما زال في السابعة والعشرين من عمره.. الرائج للشباب هذه الأيام الزواج في سن الثلاثين..))
قاطعها يعقوب يقول بتزمت
((وما لنا في الرائج! أخوته الأربعة.. بل حتى تؤامه متزوج وابنته بعمر ذاك الطفل يزيد.. فلماذا لا يفعل مثلهم؟ دعيه يتزوج وينجب وينشغل مع أطفاله بدلا من أطفال العالم))
وافقته الراي قائلة
((حسنًا معك حق))