المقدمه والبداية ج الاخير
المقدمه والبداية ج الاخير
في النادي.. حيث تجلس سهر مع والديها حول طاولة دائرية يتناولون احدى الوجبات الخفيفة..خرج صوت تمارا حانقًا مستاءً
((ها قد جاء خطيبك المبجل يا سهر))
رفعت سهر وجهها وما إن رأت الرجل القادم حتى استقامت واقفة تقول له بلهفة وحرارة
((مرحبا يا قصي.. لقد تأخرت))
بادلها قصي ابتسامته الجذابة قائلا وهو ينظر لها ثم لوالديها
((مرحبا يا سهر.. مرحبا يا حمايّ الحبيبين.. كيف حالكما؟))
أومأ والد سهر بكلمات الحمد لقصي مبتسما ببشاشة في حين تمتمت تمارا من بين أسنانها المطبقة
((مرحبا يا صهري العزيز.. لم أراك منذ أخر مرة كنا نتحدث بشأن تحديد حفل زفافكما))
انتشر التوتر على ملامح وجه قصي.. كما كل مرة تلح تمارا بتعجيله للزواج.. إلا أنه قال بابتسامة مرتبكة مجاملة تواري تذبذب صوته
((نعم صحيح.. أنا انشغلت قليلا في عملي بشركة عائلتي.. ولكن أعدك أن أعوض عن هذا التقصير))
كانت سهر تحدق بأمها بصدمة من طريقة كلامها مع خطيبها بهذه الطريقة المهينة..
إلا أنها حاولت أن تحكم سيطرتها على الموقف ورسمت ابتسامة تخفف من وطأة كلمات أمها الجلفة.. لتعقب في حرج وهي تشير للمقعد الفارغ بجانبها
((اجلس هنا يا قصي))
نظر قصي لوالديها يسأل بتهذيب بعد لحظات تردد
((سأحب أن اجلس هنا ولكن هل يمكن أن اسرق سهر منكما لدقائق قليلة؟))
ساد صمت مطبق بينهم وتمارا ترشق قصي بنظرات طويلة قبل أن تجيبه مستمرة باستفزازه
((اجلسا حول تلك الطاولة أمامنا.. كما تعلم حتى لو تم عقد قرانكما فلا يعني أن تأخذا راحتكما وكأنكما متزوجين))
اضطربت ملامح قصي بمزيد من التوتر إلا أنه قال مبتسما بامتنان وحرج
((شكرا لك يا حماتي الجميلة))
تقدم قصي نحو احدى الطاولات أمام طاولة والدي سهر.. ثم أزاح كرسي لسهر لتجلس عليه وجلس هو مقابلها..
كانت سهر تشعر بإحراج بالغ من كلام وتصرف أمها مع خطيبها أكثر منه..
لم تعد أمها أبدًا تعامله بألفة وتودد كما الماضي في بداية خطبتهما عندما كانت لا تفكر بشيء إلا استمالته واسترضائه..
تنهد قصي جالسا وشبك كفيه ببعضهما فوق الطاولة وهو يتساءل باهتمام
((كيف حالك يا باربي؟ وكيف حال صحة والدك؟))
تململت بمكانها ثم أسندت رأسها بكفها وهي تجيبه منتشيه ببهجة
((بألف خير وأبي حالته بحمد الله حالته مستقرة هذه الايام.. وأنت؟))
غمغم قصي بكلمات الحمد سعيدا للنظر لخطيبته التي يشبه وجهها شكل لعبة “الباربي” ثم طلب لها كأس عصير وله فنجان قهوة بينما يثرثرا بمواضيع عامة قبل أن تقول له من بين حديثها وهي تقلب الثلج في كوب العصير
((اليوم سأزور صديقتي لأرى مكتبها الجديد.. والدي سيوصلانني لهناك لأجلس عندها لمدة قصيرة))
عند ذكر سهر سيرة صديقتها رفع قصي وجهه لها متجهماً عاقداً حاجبيه قبل أن يصدر عنه تأوه مندهش
((أوه فعلا؟ تلك صديقتك المفضلة.. ما اسمها؟))
خرج سؤاله في أخر الجملة بلامبالاة ظاهرية تخفي ترقبه للإجابة لتخبره اسمها
((شيري))
ظهر تمثيل قصي فاشلا تماما وهو يبدي الذهول بينما يقول متظاهرا بأنه تذكرها الآن
((أوه نعم شيرين تلك.. نعم.. تذكرت.. المهم ما هو اسم الشركة التي تعمل فيها؟))
هزت كتفها وهي تجيبه بعفوية
((تعمل في شركة القاني بالفرع الثاني والقابع في مدينتنا.. لقد ترقت لمرتبة مشرف.. هل سمعت باسم الشركة سابقا؟))
رفع حاجبيه وهو يتابع أسئلته الفضولية بصوتٍ خالٍ من أي حماس
((أوه نعم بالتأكيد.. هل انتقلت حديثا للشركة في هذا المنصب؟))
((لا هي تعمل في شركة القاني من بداية تأسيس هذا الفرع هنا.. لكن انتقلت إلى القسم الأخر فقط مؤخرا بعد أن حصلت على ترقيات متتالية))
ارتعاشه طفيفة سرت في جسده مما سمعه لم يظهرها.. بل أنكس نظره الشارد بإماءة من رأسه متمتمًا
((مبارك لها المنصب.. لا بد أنها تستحقه))
واستمر في شروده عابسًا وكأنه يفكر بحل معضلة ما..
فإذن شيرين تعمل في نفس شركة القاني معه.. ولم يسبق وأن رآها في الشركة لأنها كانت تعمل في مبنى وقسم أخر..
عليه أن يكون أكثر حذرا من الآن وصاعدا حتى لا تعرف علاقته بسهر.. والا سيتم كشفه بسهولة..
لم تنتبه سهر على القلق الجلي في وجه خطيبها وهي منتشيه بالحماس بينما تتحدث عن شيرين
((نعم هي تستحقه حقا.. فقد بدأت عملها في شركة القاني قبل سنوات كموظفة خدمة عملاء على احدى مشاريع الاتصالات.. وبعد مرور وقت من التحاقها بكوادر الشركة وبناءً على مؤشرات الأداء الفعلية خلال تلك الفترة تم ترفيعها درجة ثم درجة إلى أن وصلت لموقعها الحالي كمشرفة للمكان))
عاد مجددا يشيد بها دون أن يظهره أي من القلق الذي يشعر به
((أوه فعلا؟ هذا جيد!))
((نعم فالشركة تقوم بإتاحة الفرص للكوادر الداخلية للتقديم على الوظائف الشاغرة في جميع الأقسام بلا استثناء بناءً على الجهود المبذولة من قبل الموظفين))
احتسي قصي من القهوة التي صنعتها الماكينة بتلذذ ثم قال متهكما
((أول مرة أجد أحد يمتدح هذه الشركة))
عقدت سهر حاجبيها وهي تسأله
((لماذا؟ شركة القاني تخدم شريحة واسعة من أبناء الوطن بامتلاكها فرعين وتساعد على توظيف وتدريب ما يزيد عن ألف موظف))
همهم قصي لها بشبه موافقة لتستطرد سهر بعبوس وهي تزم شفتيها
((ليتني كنت إنسانة مثابرة وناجحة مثل شيرين.. لكن أنا لا أماثلها حتى بالنصف))
رشقها بنظرات مرحة عرف من خلالها أنها تقصد بكلامها أن يغرقها بالإطراء وينفي كلامها.. فعقب على كلماتها مستنكرا
((لماذا تتحدثين عن نفسك بهذا الشكل؟ وهل هي أفضل منك بشيء حتى لا تضاهيها؟))
تنهدت سهر وهي تسند ظهرها للكرسي ثم قالت بدلال وعبوس
((الكثير يا قصي يخبرونني بأني إنسانة تافهة لا تفكر سوى في الاستمتاع بوقتها أكثر مما ينبغي وهذا ينفر الناس من شخصيتي ويغطي على جمالي))
صدر من قصي صوت خشن مستنكر وهو يقرب منها وجهه
((لا حبيبتي سهر على العكــــــــــس.. أنتِ جميلة كباربي وشخصيتك أجمل))
كلامه جعل ابتسامتها تتسع فقالت مغترة بدلال
((هل حقا شخصيتي جميلة بنظرك؟ لأنني اسمع البعض يقول بأني إنسانة تافهة ومستعرضة؟))
أومأ نافياثم تشدق ببساطة يناغشها متلذذا بحمرة خديها
((لا أبدًا.. وحتى لو كنت كذلك فهذا ليس مهم.. من السهل أن تغيري شخصيتك.. أما الوجه والمظهر الخارجي فلا مساحيق الزينة ولا عيادات التجميل قادرة على تغييره ليماثل جمالك وحسنك أنتِ))
ضحكت سهر بخفوت على كلامه وهي تنظر له بحب متدفق وشعرت بأنها لا تريد إلا أن تبقى معه.. فقد أفسدها بحبه ودلاله بطريقة تجعلها لا تكاد تتخيل حياتها بدونه..
وهو في المقابلة لا يدع شركة عائلتها التي يعمل بها ولا شيء أخر يشغله عن الاهتمام بها.. وكأنها هي فقط محور حياتها وكل ما يهمه في هذا العالم..
صدح رنين هاتفه ليخرجه قصي متمتمًا
((لا بد أنه مدير أعمالي.. سأرد عليه))
فتح الخط وهو يدير ظهره للجهة الأخرى بمنأى عنها ثم أخفض صوته يجيب واهما من يسمعه أن رجل ذو شأن ومكانة..
عقب انتهائه من المكالمة استدار نحو سهر يغمغم وهو يعيد الهاتف لجيب قميصه
((أنا بحاجة للرحيل الآن فلدي عمل))
اخرج بقشيش يضعه داخل القائمة ثم اعتدل واقفا وهو يسمع سهر تقول
((إذن أنا سأغادر الآن مع والدي حتى يوصلاني لشركة شيرين.. إلى اللقاء))
لوح قصي لها مدمدما وهو يراها تلوح له بحب بينما تخطو باتجاه والديها
((إلى اللقاء يا باربي))
====
جلست سهر على احدى الكراسي الموضوعة أمام مكتب شيرين التي سألتها مبتهجة وهي تراها تنظر في إرجاء الغرفة بينما تحبس أنفاسها بانبهار
((هذا هو مكتبي الجديد في مبنى القسم الذي تم نقلي له.. ما رأيك به؟))
التفتت سهر لها تقول بحفاوة وإعجاب
((رائع.. مذهل يا شيري))
جلست شيرين خلف مكتبها منفجرة الأسارير.. ففرحة ترقيها لا تزال تملؤها..
فهي تعمل في الفرع الثاني لشركة القاني التي تدير واحدا من أكبر مراكز الاتصال في المنطقة منذ سنوات طويلة..
ورغم أن تخصصها الجامعي في المحاماة لا يمت أي صلة من قريب أو بعيد لمجال ونوع عملها هنا إلا إنها استطاعت أن تحصل على هذه الترقية بعملها المجد والتزامها وعلاقتها الطيبة مع باقي زملائها..
تراخت في جلستها ثم قالت بابتسامتها المشعة وصوتها المفعم بالحماس
((العلاوة التي أضيفت لراتبي مع هذه الترقية هي المذهلة بحق يا سهر الليالي))
رفعت سهر حاجبيها وهي تقول بنبرة تسلية وسعيدة من أجلها
((من حقك أن تشعري بالفخر وقد ترقيت لرتبة مشرف يا شيري.. كان علينا أن نحتفل بمثل هذا المنصب بشكل أفضل))
أومأت شيرين برأسها موافقة وهي تقول بينما ترسم تلك الملامح المشيدة بنفسها
((أنا فعلا فخورة بنفسي ولأول مرة أكون كذلك يا سهر.. فقد كنت الأجدر بهذا المنصب ومنذ زمن.. لكن يمكنك أن تقولي بأن مدير الموقع السابق كان عائقا في ترقيتي لأنه كان خائفا أن يأتي اليوم وأخذ منصبه وبالتالي كان عليه أن يحيط نفسه بمجموعة من المديرين الفاشلين مثله ممن لا يملكون أدنى فكرة عما يحدث حولهم لكن يخافون بدورهم على مناصبهم.. لكن ها قد ذهب وجاء مدير موقع غيره ورأى بأني صاحبة أفضل مهارات وخبرة لأكون في موقعي هذا))
اعتدلت شيرين في جلستها وبدأت تعود للنظر في الحاسوب أمامها بينما تسترسل بعجلة
((حسنا يا سهر سأعود لعملي الآن بما أنه قد انتهت فترة راحة الغداء بالفعل ويمكنك المغادرة))
حملت سهر حقيبتها واستقامت واقفة قبل أن تنظر باستغراب هي وشيرين عندما تناهى إلى سمعهما صوت رجولي مألوف
((هل جئت بوقت مناسب إذا كانت قد انتهت فترة راحتك؟))
تمتمت شيرين بصوت باهت وعينيها تتشرب هيئة الرجل الذي يلج متقدما مرتديا حلة داكنة
((وليد!))
ابتسم وليد وقال بصوت رائق مبحوح
((نعم يا كحيلة العينين))
زعقت سهر به بغل وانفعال
((اخرس والا القت تهمة التحرش اللفظي بك.. واحتجت إلى محامي ليخرجك من السجن أيها المحامي الأخرق))
اتسعت عينا شيرين وهي تردع صديقتها بصوتٍ خافت
((سهر اخفضي صوتك.. أنتما في مكاني بالعمل ومكتبي مفتوح))
غمغمت سهر من بين أسنانها
((ولكن يا شيري..))
رجتها شيرين هامسة بقلق
((أرجوكِ يا سهر.. أستطيع تدبر امري وحدي.. ولكن لا أستطيع المخاطرة وإثارة أي صوت أو أي جلبة مهما كانت صغيرة.. فأنا لا أريد أثارة أي مشاكل أو أقاويل))
التفتت سهر تنظر لوليد تزم شفتيها بغضب حقيقي قبل أن توجه لنظراته المستمتعة كلماتها المهددة
((حسنا سأغادر المكان.. وأنت الأخر إياك أن تطيل هنا وتسبب المشاكل لها))
اكتفى وليد أن يحافظ على ابتسامته التي تزيد من جاذبيته الرجولية الفارضة لحضورها الطاغي بينما يرى سهر ترحل من المكتب بخطوات عنيفة..
نظر للجهة الأخرى لشيرين التي تسدد نظراتها المشتعلة لحدقتيه مباشرة فكبلها بأغلال نظراته.. لتندلع في الأجواء نيران ذكريات الماضي بينهما لم يخمده إلا صوته قائلا بتسلية
((صديقتك سهر إنسانه لطيفة))
لم تعلق على كلامه الساخر.. اكتفت برمقه بنظرات محتقرة..
مما جعله يتقدم أكثر ليجلس على احدى الكراسي أمام طاولة مكتبها ويجلس واضعا ساقا فوق أخرى هادرا
((في البداية.. مبارك الترقية في عملك))
اخترقت رائحة عطره الرجولي النفاذ مسامات انفها إلا أنها تمالكت نفسها وشعرت بشيء من التأثير إلا أنها ردت عليه ببرود
((بدون مقدمات أخبرني لماذا جئت.. الم أعلمك أني أريد أن يكون كل تعاملك مع المحامي الخاص بي؟ هل تريد أن أقاضيك لمجيئك لمكان عملي؟ فما تفعله الآن لا يمكن أن أتهاون به.. لا أتهاون بأي شيء يمس سمعتي أو عملي))
رفع حاجبيه وهو يقول لها باستمتاع
((يبدو أن زياتي أزعجتك))
ردت عليه على الفور
((نعم كثيرا))
صمت قليلا وشبك أنامل يديه ببعضها ثم قال بهدوء
((ألا خطط مستقبلية لك في العمل بالمحاماة المجال الذي قمت بدراسته في الجامعة؟))
((لا.. فكل ما يتعلق بالمحاماة وما درسته في الجامعة نسيته كليا بعد مرور أكثر من عقد على تخرجي.. ولا أفكر إلا أن أبقى موظفة هنا في شركة القاني.. فيها أمان وظيفي وتأمين صحي وضمان اجتماعي وعلاوات.. ماذا أريد أكثر؟))
همهم لها وليد وهو يومئ برأسه.. فطالعته بعينيها الكحيلتين وجعلت أطراف رموشها تغطي جزء من نظرتها وهي تقول
((هل من المنطقي أن تحرض موكليك ليعودوا ويرفعوا عليّ مجددا تلك القضية التي يطالبوني فيها بدفع مبالغ طائلة من اجل عملية قد يحتاج ولدهم أن يقوم بها بالعشر سنوات القادمة؟))
ضحك وليد لملامح الامتعاض على وجهها وقال متهكما
((لقد اصطدمت بابنهم ومن حقهم أن يحصلوا كل التعويضات اللازمة ليضمنوا حق ابنهم وان يعود كما السابق بلا أي خدش))
تغضنت ملامحها وانعقد حاجبيها لتهتف بغضب
((هذا عندما يكون الخطأ كليا يقع على عاتقي لا على ابنهم.. فقد كنت استخدم حقي في الطريق استخدامًا مشروعًا ولم أقع في أي تقصير أو مخالفة تحملني جزءًا من المسؤولية في حادث الدهس))
قال وليد بابتسامة متلاعبة
((صحيح معك حق.. لكن أنتِ تعرفين يا كحيلة العينين أنه وللأسف حسب قانون السير المعمول به في بلادنا فإن السائق يتحمل دائما مسؤولية وقوع حوادث السير بشتى أنواعها عندما يكون هو مركبته طرفا في هذه الحوادث))
ردت بعصبية حانقة
((نعم اعرف.. وربما هذا ما جعل بعض الأشخاص يستغلون هذا القانون بافتعال حوادث مصطنعة))
قال لها وليد ببساطة مستفزة
((ولكن موكليّ على حسب رؤيتي فهم ليسوا من الممتهنين لهذه المهنة.. كل ما في الأمر أن ولدهم كان يركض بالشارع بتهور واصطدم بسيارتك أنتِ دون غيرك.. لسوء حظك.. وعائلته قررت أن تستغل ما حدث والمسؤولية التي تقع على عاتقك كسائقة مهما كان سبب الحادث لاستنزافك حتى أخر رمق فيكي وحتى يحصلوا على تأمين دهسه من شركة التأمين))
تهاوى التحدي عن ملامحها وأخفضت وجهها غمغمت شيرين بصوتٍ واهن متألم ظلما
((قانون مجحف.. هناك الكثير من السائقين الذين لا ذنب لهم))
اخذ وليد نفسا من بين شفتيه مفكرا قبل أن يقول
((أتفهم معاناتك فهنا يتم التعامل بنص القانون لا بروحه))
أطرقت شيرين رأسها وهي تصر على أسنانها..
لماذا لا يتحمل المشاة مسؤولية كاملة كما السائق عندما لا يلتزمون بقانون المشاة المتعلق باستخدام الأماكن المخصصة لهم؟
أدار وليد عينيه في الأجواء قبل أن يقول عارضا بنبرة ذات مغزى
((هل تريدين أن تشكي لي عن الظلم الذي تشعرين به إزاء القضايا المرفوعة لك كصديق.. بعيدا عن كوني محامي الطرف الأخر))
رفعت شيرين وجهها عند عرضه هذا وتصلبت ملامحها واشتدت نظراتها حتى بدت كصقر جارح وهي تقول
((لا.. ليس لدي أي شكوى.. وإن كان فأنا لا أشكو.. ففي الشكوى انحناء.. وأنا نبض عروقي كبرياء))
ثم أعقبت كلامها أمرة
((والآن أكرمني برحيلك.. ولو سمحت فليكن كل حديثك بشأن القضية مع محامي الخاص.. فأنا لم اعد شيرين القديمة التي كنت تظهر في حياتها من حين لأخر فقط لتظهر جبروتك وبأنك قادر على كسرها وذلها))
رفع حاجبه ليقول مبتسما بنبرة جليدية مستفزة
((لقد كنت انتقم منك لخيانتك.. كنت عاشق مطعون بكرامته وحبه.. تخبطي جعلني افعل أي شيء في سبيل وقف نزيف قلبي.. حتى لو كان إضرام النار فيكِ))
ارتعش شيء في داخل شيرين..
وذاكرتها تعود لذلك اليوم الذي كانت تحلم فيه بالزفاف كأي فتاة.. وتكوين أسرة هي سيدتها مع من اختارته واختارها شريكة لحياته..
قبل أن تصل تلك الرسائل له ولعائلته..
هي لم تنسَ شيء من انتقامه وما فعله بها على مدار السنوات وما جعلها تمر به..
فقالت بصوتٍ قاسي رغم تحشرج صوتها
((وما فعلته بي كان انكى من حرقي حية يا وليد بتركي في يوم زفافنا والزواج من امرأة أخرى أمام كل من كان من المفترض أن يحضر زفافك بي))
ثم استرسلت كلامها باختناق
((يا ليتك اكتفيت بذلك.. لكنك حرصت على أن تشوه سمعتي وأخلاقي أمام كل من في القرية ونشر تلك الرسائل وخصوصياتي.. رغم أن ما فعلته لم يكن خيانة إلا من وجه نظرك وحدك.. أما من وجهة نظري لا.. فقد كتبتها في وقت كنت اعتبر نفسي منفصلة عنك))
قال وليد لها بصلابة وثبات
((لقد انتهى وقت العتاب والحديث في موضوع مرّ عليه سنوات طويلة.. فكما سبق وقلت لك سأعود لك عندما يشفى قلبي مما فعلتيه بي.. وأظن بأن هذا الوقت أتى))
ظلت مشدوهة النظر له للحظات!
هل يظن أنه يمكنه أن يعود بهذا البساطة بعد أن دمر حياتها حرفيا؟
هل يظن أنها يمكن أن تنسى وبكل بساطة ما عانته من الأم وأوجاع نفسيه عندما تركها في نفس اليوم المقرر لزفافهما في ظل ظلم كل من القرية لها؟
ألا يعرف بأنها آنذاك ظلت حبيسة منزلها لأشهر طويلة بمعزل عن البشر بسبب المضايقات الاجتماعية التي تعرضت لها ولتجنب أي كلمات أو مواقف تقلل منها وتنال من سمعتها..
بل وما قد تسبب لها بصدمة نفسية عندما أعلن زواجه بنفس اليوم من أخرى غيرها..
ما نالته منه وتسبب بنظرة سوداوية تجاهها.. وقلل من فرصة زواجها مرة أخرى..
بسبب ما فعله بها وتزامنًا مع وفاة والدتها من المرض والحزن عليها قرر والدها الرحيل من القرية والانتقال لمكان أخر في المدينة بلا أي أملاك أو أموال تاركا منجرته ومصدر رزقه الوحيد هناك..
كل هذا فقط ليرضى وليد بانتقامه ورد كرامته المزعومة منها..
لم تجد إلا أن تتمتم متسائلة بنبرة ساخرة مريرة كالحنظل
((ماذا! نعود؟ هل أنتَ مجنون؟))
تغضن جبينه وقال بجفاء
((نعم مجنون أنا لأقرر العودة لك بعد ما فعلتيه في الماضي.. ولكني أدركت بعد مرور كل هذه السنوات بأن حكاية قلبي لن تنتهي معك.. ولن أشفى أبدًا منك.. لذا يكفي انتقاما ولنعد بعضنا))
لا تعرف كيف ضحكت بتوتر ضحكة مبتورة قبل أن تقول ساخرة
((أنتَ مجنون يا وليد لظنك بأنك قد تفلت بكل الإجرام الذي فعلته بحقي ثم تطالبني بكل بساطة أن أعود لك وبدون أي نقاش.. لأن هذا لن يحدث.. على ج/ثتي فقط))
هدر لها بجمود
((اعرف أن كلامك يعكس جرحك العميق لما قمت به معك.. لكن آذيتك كانت الطريقة الوحيد لتشفى كرامتي وقلبي على حد سواء وأعود لأتقبلك مجددا في حياتي وزوجة لي.. الآن أنا لا اطلب الكثير.. أريد منا فقط العودة لخط سيرنا الصحيح في الحياة.. للطريق الذي أضعناه في وقت ما من عمرنا دون أن نشعر))
سألته وهي تضع عينيها في عينيه
((وكيف ستقبل كرامتك أن تتزوجني أمام نفس الأشخاص الذين شهدوا الفضيحة المدوية بي؟))
وضع يديه على المكتب وقرب رأسه منها يقول
((أنا لم افضح شيء مما حدث.. كل ما قيل سببه فقط إلغاء زفافنا المفاجئ بنفس اليوم المفترض أن يُعقد فيه.. وكل تلك الألسن ستخرس عندما أعود لك.. أنا سبيلك الوحيد لترد لك كرامتك المهدورة وتعودي للقرية مرفوعة الرأس.. فهم سيطنون بأني لم اعد لك إلا بعد أن تأكدت كذب ما أشيع عنك))
داعبت شبه ابتسامة وجهها وهي تقول
((ومن قال لك بأني اهتم ما يحاكى عني وعن سمعتي في القرية؟ والدي رحمه الله فضل الرحيل للمدينة لهنا منذ تلك الحادث بلا عودة.. ولن يهمني شيء أخر.. وكل ما بيننا الآن هو تلك القضية))
قال لها بفظاظة بصوته البغيض على قلبها
((تعرفين يا شيرين بأن أخر ما أفكر به هو رضاك على العودة رغم أن وجودها سيكون أفضل.. خاصة وأنتِ تعرفين أنه لا خيار أمامك بهذه الظروف التي تعيشينها إلا أن تخضعي لي))
فارت الدماء في عروقها وهي تتلمس التقليل منها في كلامه.. فردعته بصوت مختنق وهي تشدد على كلماتها
((ليس لي رد لك إلا “على جث/تي أن يحدث ذلك يا وليد”.. أفضل أنا أبقى وحيدة أن أموت على أن يربطني شيء بك))
صوتها المنخفض ونبرتها المجروحة أشعرته بألمها الكامن في داخلها إلا أنه ظل على جبروته وهو يسألها
((ألم تنكسري بعد يا شيرين بعد مرور كل هذه السنين؟ إذا لم أتزوجك فسينتهي بك الحال عجوز وحيدة بلا ولد ولا سند ولا أقارب باستثناء أخوالك الذين لا يزالون يعيشون في القرية ولا يعرفون عنك شيئا.. فأنا لن اسمح لك أني تتزوجي من غيري.. وعمرك يا شيرين لا يسعفك أن تتحدي وتماطلي في شيء سيحدث رغما عنك عاجلا وآجلا))