دموع بلا صوت

دموع بلا صوت

«إحنا لسه دافنين ابننا الصبح… وإنتِ قدامك يومين وتخرجي كل حاجتك من بيتي.»فضلت باصة له كام ثانية، مش قادرة أستوعب هو قال إيه. كنت لسه لابسة هدوم العزا السودة، والجزمة عليها تراب المقابر المبلول. راسي كانت بتوجعني بطريقة تخلي الواحد مش فاكر حتى إزاي رجع من المدافن للبيت.

كنت قاعدة قدام أحمد على ترابيزة السفرة، وهو واقف قصادي بمنتهى البرود، كأنه بيتكلم في موضوع عادي جدًا. على طرف السفرة كان فيه شوية ورد دبلان جابهولنا قرايبنا بعد العزا. وجنب الحوض كان موجود الكوباية البلاستيك الزرقا الصغيرة اللي ابني كان بيشرب فيها العصير كل صباح.

ابني كان عنده أربع سنين. ومن تلات ساعات بس، كنت واقفة في المدافن وأنا بتفرج على العمال وهما بينزلوا التابوت الصغير جوه القبر. بصيت لأحمد وقلت بصوت واطي:— «إنت قلت إيه؟»رد من غير حتى ما يرمش:— «قولتلك عندك يومين تلمي حاجتك وتمشي يا منى.

»حسيت إن الكلام دخل في قلبي زي السكينة.— «أمشي؟! أروح فين؟»هز كتفه بمنتهى اللامبالاة.— «دي مشكلتك. أنا ماليش دعوة.»فضلت باصة له وأنا مش مصدقة اللي بسمعه. إحنا كنا لسه راجعين من دفن ابننا. ابننا اللي قضينا شهور بنجري بيه بين المستشفيات والدكاترة.

ابننا اللي كان متعلق بيا طول الوقت. ابننا اللي كان بيناديني كل يوم:«ماما…»لكن أحمد كان لسه مخبيلي الضربة الأكبر. قال بهدوء:— «سارة حامل.»اتجمدت مكاني. سارة. أقرب صاحبة ليا من أيام الجامعة. الست اللي كنت فاكرة إنها أختي مش صاحبتي. الست اللي فضلت جنبي في المستشفى لما ابني قضى تلات أسابيع حالته بتسوء يوم بعد يوم.

والست نفسها اللي كانت حضنانى في المدافن الصبح، وبتقول لي:— «متخافيش يا منى… أنا جنبك، ومش هسيبك لوحدك.»بلعت ريقي بالعافية.— «البيبي… بيكون ابن مين؟»أنا كنت عارفة الإجابة.

بس كنت محتاجة أسمعها منه. أحمد ابتسم ابتسامة صغيرة، كأنه أخيرًا عنده حاجة مفرحاه.— «ابني.»حسيت إن الدنيا كلها لفت بيا. أحمد… وسارة. صاحبتي وجوزي. قدامي. من ورا ضهري. وفي نفس اليوم اللي دفنا فيه ابني. الغريب إني ما صرختش. ما ضربتوش. ما كسرتش حاجة. حتى دموعي ما نزلتش.

بصيت بس على رسمة الديناصور الأخضر اللي ابني كان عاملها بإيده، ولسقها على باب التلاجة من شهرين بشريط لزق أزرق. أحمد قال بمنتهى الحماس:— «أنا أخيرًا هاخد فرصة تانية أبقى أب.»سكت لحظة، وبعدين كمل:— «بعد كل اللي حصل… يمكن ربنا بيديني بداية جديدة.

1 2 3 4 5 6 7الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *