الحب والغرام
الحب والغرام
علي نغمات و صوت كارم محمود و أغنية «مـ,ـرحب شهر الصوم »، و روائح و نفحات رمضان تـ,ـجول في شوارع المحروسة و الحـ,ـواري، و مـ,ـتاجر الفوانيس و ياميش رمـ,ـضان… و هنا بداخل إحدي الأحياء الشعبية الشهيرة في محافظة الجيزة، حي إمبابة الشهير، و بأعلي ذلك البناء القديم حيث يحلق أعلاه سرب من الحمام الزاجل يقوم هذا الشاب مـ,ـتوسط القامة بالصـ,ـفير و التلويح بعلم كـ,ـبير، أمتدت إيدي ذات ملمس ناعم و رائحة ذكية فوق عينيه، أبتسم و قال:
-قال يعني لما تغمي عيـ,ـنيا مش هاعرفك.
أبعدت كفيها عن عينيه و لكزته في كتفه قائلة:
-أنت رخم أوي علي فكرة.
ألتفت إليها و أخبرها بنبرة تلعب علي أوتار فؤادها المُغرم به حتي النخاع:
-و أنتي حلوة و جميلة أوي يا ليلة.
ظل يحدق في عينيها مبتسماً و بداخله يريد أن يعانقها و يحلق بها مثل هذا السرب المحلق في السماء ، شعرت بالخجل من نظرته الـ,ـثاقبة تلك فتهربت و قالت:
-شوفت بقي نستني اللي كنت جاية لك عشانه.
أخرجت من حقيبتها ورقة رفعتها أمام عينيه و بكل سعادة أخبرته:
-أولاً أنا جيت لك عشـ,ـان أقولك كل سنة و أنت طـ,ــ,ـيب بما أنه أول يوم رمضان بكرة و كمان عشان أنا جبت ٩٠٪.
شبه إبتـ,ـسامة ظهرت علي شفاه قائلاً بإقـ,ـتضاب:
-مبروك.
أدخلت الشهادة إلي حـ,ـقيبتها و سألته و القلق و التوتر يداهمان قلبها من ردة فعله التي لم تكن تتوقعها:
– مالك مش مبسوط ليه، حساك زعلان؟
ولي ظهره إليها و أغترف بيده حبات القمح من الكيس البلاستيكي مُجيباً علي سؤالها:
-مين قال كده،أنا فرحان ليكي بس..
صمت فوجدها تقف أمامه مباشرة تمسك بساعده و تسأله بترقب:
– بس أي؟
أطلق تنهيدة من أعماقه ثم أخبرها:
-خايف من أخوكي ليرفض جوازنا عشان فرق التعليم اللي ما بينا.
قطبت حاجبيها قائلة:
-دي حاجة تخصني أنا هو مالهوش دعوة.
– و لما يرفضني زي المرة اللي فاتت و يسمعني كلمتين مالهمش لازمة!
داهم الحزن ملامح وجهها عندما تذكرت ذلك اليوم الأسود عندما تقدم عمار لخطبتها و قام شقيقها برفضه بحُجة إنه ليس يمتلك عمل مُستقر و لم يمتلك سُبل المعيشة البسيطة ليعطي إليه شقيقته.
ردت علي حديثه و هي تمسك بيده لتطمئنه:
-ما تقلقش أنا الحمدلله خلصت من الثانوية العامة و هادخل الجامعة، و عقبال ماتفتح الدراسة هاشوف أي شغلانة و أهو قرش مني علي قرش منك يبقي معاك حق الشبكة و جمعية ورا التانية نقدر نجيب العفش.
زادت كلماتها أوجاعه، زفر بضيق و قلة حيلة، أخبرها بحدة:
– و فكرك بقي أنا هوافق علي حاجة زي كده!
صاحت بنفاذ صبر و من فرط خناق شقيقها الذي يفرضه عليها:
– هو مفيش غير كدة، عمار أنا بحبك و بحلم باليوم اللي هابقي معاك فيه و لينا بيت و حياتنا الخاصة، نفسي أصحي علي صوتك مش زعيق أخويا و خناقه يا إما معايا يا إما مع مراته،أنا تعبت و مابقتش قادرة أستحمل.
و مع أخر جملة داهمها البكاء، فأطلقت لدموعها العنان، أقترب منها و كاد يعانقها أوقفه رنين هاتفها، أنتفضت و أخرجت الهاتف من حقيبتها، أتسعت عينيها بفزع عندما رأت إسم زوجة شقيقها فأدركت سبب الإتصال.
ــــــــــــــــــ
و في البناء المقابل تقف تلك السيدة ذات الثلاثة و الثلاثون عاماً و إمارات الـ,ـخوف تغزو ملامحها لاسيما بعدما سمعت صوت زوجها الذي ولج للتو من الباب مُنادياً عليها بصوته الأجش المُخيف:
-هدي ، يا هدي.
ألقت نظرة أخيرة علي شاشة هاتفها و تمتمت بصوت خافت:
– يخربيتك يا ليلة لو عرف أنك خرجتي و مارجعتيش لحد دلوقت هيقتـ,ــ,ـلني و هيقـ,ــ,ـتلك.
-بت يا ليلة.
تركت هاتفها علي القطعة الرخامية و خرجت إليه تبتسم له بتصنع:
-أنت جيت يا سي حـ,ـبشي، أنا أفتكرتك هتيجي بالليل.
جلس علي أقرب كرسي و قام بخلع حذائه المتسخ قائلاً:
-لا أنا قفلت الورشة بدري النهاردة،أصل الولاه صامولة جدته تعيشي أنتي.
عقبت بقليل من الحزن:
-لا حول ولا قوة إلا بالله ده أنا لسه شـ,ـيفاها ديك الـنـ,ـهار كانت فرشة الفجل و الجرجير.
عاد بظهره إلي الوراء بأريحية:
-عمرها كده بقي ربنا يرحمها، أومال فين البت لـ,ـيلة لسه ماصحيتش؟
تجنبت النظر إليه حتي لا يكشف كذبها قائلة:
– شكلها نايمة أصلها كانت شغاله معايا في الشقة بنحضر لرمضان بقي و كده،كل سنة و أنت طيب.
و بعدما أنتهت من إجابتها نظرت إليه لتتأكد من إقتناعه، فوجدته يرمقها بنظرة أخري و سألها:
-هم العيال لـ,ـسه مارجـ,ـعوش من عند أمـ,ـك؟
هزت رأسها بإيجاب:
-اه، أصل أختي رجـ,ـعت من السفر و أنت عارف العيال بيحبو خالتهم قولت أسيبهم لها و هابقي أروح أشـ,ـوفها و أخد العيال و أنا راجعة.
نهض و أقـ,ـترب منها و عينيه تنضح بنظرات جـ,ـريئة سافرة، سألته بإرتباك:
-فيه حاجة يا سي حبشي؟
جذبها من خصرها و أخبرها:
-فيه إنك وحشتيني.
قطبت حاجبيها و سألته بعدم فهم كالبلهاء:
-وحـ,ـشتك إزاي يعني ما أحنا في خـ,ـلقة بعض كل يوم.
هزها بين ذراعيه و عينيه تنضح بنظرة إشتهاء:
-ما تفهمي بقي يا أم مخ تخين، بقولك وحشتيني، و بكرة رمضان.
عقدت حاجبيها بضيق ثم رمقته بنفور و إشمئزاز قائلة:
-ريحتك كلها شحم و جاز.
تركها و قام بأستنشاق ثيابه:
-عندك حق،كان عندي شغل كتير إمبارح و نسيت أجيب لك الهدوم تغسليهم، عشر دقايق هادخل أخد دش و أرجع لك فُلة.
و بعدما دلف إلي المرحاض، ركضت الأخري إلي باب المنزل تسترق السمع إلي خطوات تلك القادمة، صوت المفتاح في قفل الباب، سبقتها هي و قامت بفتحه، شهقت ليلة عندما وجدتها في وجهها:
-خضتيني يا هدي حرام عليكي.
جذبتها الأخري إلي الداخل و أغلقت الباب بهدوء حتي لايصدر صوتاً يصل إلي زوجها، دفعتها إلي غرفتها لتوبخها:
-أخص عليكي يا ليلة ،هي دي النص ساعة و جاية!
-هو جه؟
سألـ,ـتها بـ,ـخوف بعدما نظرت نحو الـ,ـخارج و سمعت صوت إنهمار صنبور المياه في المرحاض، أجابت الأخري:
-اه جه و سألني عليكي، قولت له أنتي نايمة، خليكي هنا بقي لحد ما أخلص الغدا، ألا قوليلي صح عمـ,ـلتي أي؟
أخرجت الشـ,ـهادة من حـ,ـقيبتها و قالت بشبه إبتسامة:
-أتفضلي.
رددت و هي تنظر إلي النسبة المئوية:
-بسم الله ماشاء الله، كده تقدري تدخلي الكلية اللي نفسك فيها.
جـ,ـلست علي حافة الفراش و أخبرتها بسأم:
-تفتكري حبشي هيخليني أدخل الكلية بعد ما حلف عليا ما هاخرج من البيت!
ربتت عليها بمواساة و قالت:
-معلش ده شـ,ـيطان و دخل ما بينكم، هو بيحبك و خاف عليكي لما طلعتي الرحلة من غير ما تقولي له.
عقبت بحزن و بنبرة مليئة بالشجن:
-يعني هو سكت، ده فرج عليا أصحابي و الناس و جرني زي العيلة الصغيرة في الشارع و جابني علي هنا و دور عليا الضـ,ـرب لولاكي كان زمانك بتقرأي عليا الفاتحة.
أطلقت الأخري تنهيدة لا تعلم بماذا تواسـ,ـيها أو تخفف عنها آلامها، تدرك مدي قسوة زوجها علي شقيقته لاسيما بعد وفــ,,ـــــاه أبويهما نتيجة حـ,ـادث سير و كانت ليلة في العاشرة آنذاك، تولي بعدها حبشي تربية شقيقته و هو في العشرين عاماً و رفض تدخل أو مساعدة أحد من الأقارب، لكن كلما كبرت زادت قسوته و طغيانه عليها، و فوق كل هذا لديه أسوأ الخصال و هو البخل!
ــــــــــــــــــــــ
و في إحدي الأبنية القريبة ولجت تلك الـ,ـمرأة ذات الوجه العابس و المتجهم،تغزو تحمل الكثير من الأكياس البلاستيكية المليئة بالخضروات و الفاكهة، تتمتم بصوت غاضب:
-لسه نايمة لي لحد الضهر يا ست عايدة والله عال ما هو لو اللي معاكي ليه كلمة عليكي مكنش بقي ده حالك.
و بداخل إحدي غرف الشقة تتقلب عايدة بتأفف و تلكز زوجها:
-أصحي يا جلال و أخرج لأمـ,ـك بدل ما أنا ما أخرج لها و أنت تزعل في الأخر و تقولي أمي.
زمجر الأخر و يزيح يدها عنه:
-أخرج لها شوفيها عايزة أي، أنا عايز أنام و مش ناقص صداع.
-هو ده كل اللي ربنا قدرك عـ,ـليه، نام يا أخويا نام ده اللي باخده منك و بس.
أزاحت الدثار بتأفف و نهضت، ذهبت لإرتداء عباءة محتشمة فوق منامتها القطنية، و ألقت علي رأسها وشاحاً ثم خرجت ترفع زواية فمها جانباً، فقالت لها حماتها بسخرية:
-صباحية مباركة يا عروسة، نقش الحنة لسه علي رجلك!
رفعت إحدي حاجبيها بإمتعاض:
-و ليه المسخرة اللي مالهاش لازمة دي علي الصبح،أنا فضلت سـ,ـهرانة لحد ما إبنك رجع الفجر من الشغل.
ألقت ما بيدها فوق المنضدة و قالت:
-تعالي خدي الحاجة دي و أبدأي جـ,ـهزي في حاجة فطار بكرة ، و خـ,ـدي بالك معتصم كلمني الصبح و زمانه علي وصـ,ـول يعني عايزه كل يوم الأكل اللي بـ,ـيحبه مش اللي علي مزاجكك أنتِ و جوزك.
إبتسامة عارمة دبت علي شفتيها:
-هو خد الأجازة و لا أي؟
جلست علي الأريكة ذات الطراز القديم و خلعت و شاحها، أجابت:
-واخد أجازة شهرين بالعافية،يا دوب ألحق اشوف له عروسة بدل ما العمر يجري بيه نفسي أفرح بعياله قبل ما أمـ,ـوت.
كانت الأخري تجترع الماء فأصابها السعال، و عندما بدأت تهدأ قالت:
-و مستعجلة عليه ليه، قصدي و هي العروسة دي هانلاقيها فين بالسرعة دي!
-الـ,ـبنات علي قـ,ـفا من يشيل ياخـ,ـتي، و معتصم إبـ,ـني جدع زي القمر طول بعرض و كسيب و لو شاور بصباعه بس كل البـ,ـنات هيقولو له أمرك.
و كأنها أنتبهت إلي شئ فأردفت بصياح:
-أنتي لسه هاترغي معايا روحي يلا أعملي اللي قولت لك عليه و أنا هادخل أصلي الضهر و أجي أحصلك.
ـــــــــــــــــــــ
يتجمع كلا من حبشي و ليلة و هدي حول مائدة الطعام المستديرة، كان الأخر يأكل بنهم ثم يجترع القليل من الماء و يمسح علي شاربه الكث، ينظر إلي شقيقته الشاردة في صحنها التي لم تتناول مـ,ـنه ملعقة واحدة، سألها:
-مابتاكليش ليه؟
أنـ,ـتبهت إلي سؤاله، و قبل أن تجيب وجدت زوجة أخيها ترمقها بنظرة و كأنها تخبرها بأن عليها الحذر في حديثها معه حتي لا تسبر أغواره.
أجابت بهدوء بالغ:
-أنا جبت ٩٠٪.
ما زال يأكل و علي غرار توقعها كان مُبتسماً و أفحمها بتعقيبه علي كلماتها:
-و أنا أعملك أي ما تجيبي ٩٠ و لا ١٠٠٪ حتي، أنا كده كده حالف عليكي ما هاتكملي تعليمك و كفاية عليكي الثانوية العامة عشان تبقي تقرطسيني تاني و تطلعي رحلات من ورايا.
تركت الملعقة و نهضت قائلة:
-و الله دي حياتي و أنا حـ,ـرة فيها، أنت مجرد واصي عليا في الميراث آه، لكن حياتي الشخصية لاء.
شـ,ـهقت زوجته و ضـ,ـربت بكفها علي صـ,ـدرها، جحظت عينيها ترمق الأخري بأن تتراجع عن قولها قبل أن يفتك بها، و ما لبث سوي لحظات حتي تردد صدي صرخات ليلة و شقيقها يجذبها من خصلاتها:
-سمعيني تاني كده يا روح أخوكي اللي قولتيه من شوية، أصـ,ـل سـ,ـمعي تقيل أو الـ,ـظاهر العلقة بـ,ـتاعت المرة اللي فاتت مكنتش كـ,ـفاية.
أنهال عليها بلطمة تلو الأخري و صفعات، صرخت زوجته:
– أبوـ,ـس إيدك يا حـ,ـبشي سـ,ـيبها لتمـ,ـوت في إيدك هي مكـ,ـنتش تقصد.
زجرها بنظرة نــ,,ـــــارية أرعبتها و قام بتهديدها:
-عليا الطلا.ق كلمة تاني لتكوني عند أمك، ملـ,ـكيش دعوة أخـ,ـتي و بربـ,ـيها.
ظلت ليلة تصـ,ـرخ من ضـ,ـربه المُبرح لها و جذبه لخصلاتها التي أقتـ,ــ,ـلع البعض منها بين أنامله حتي أنقذها صوت رنين جـ,ـرس الـ,ـمنزل، توقف عن عنــ,,ـــــفه و دفعها إلي غرفتها يأمرها من بين أسنانه:
-غوري علي جوة و ما أسمعش ليكي نفس لحد ما أرجع لك.
ذهب ليري من الزائر، فتح الباب وجد طفل صغير من إحدي أطفال الحارة يخبره:
-أسطي حـ,ـبشي، فيه جماعة واقفين قدام الورشة بيـ,ـسألو عليك.
قطب حاجـ,ـبيه بإسـ,ـتفهام قائلاً:
-ياتري يطلعو مين دول كمان، ما هو يوم باين من أوله؟
و بعدما غادر، ذهـ,ـبت زوجـ,ـته لمواساة تلك الـ,ـمسكــ,,ـــــينة الباكية، تربت عليها بحنان:
-معلش يا ليلة حقك عليا أنا، أخوكي و الله بيحبك بس إيديه سابقة دماغه.
رمقتها الأخري بسخط و أعين غارقة بالدموع، صاحت في وجهها:
-حب أي ده اللي يخليه كل شويه يضـ,ـربني و يذل فيا!
أثرت هدي الصمت لاتملك حق الدفاع عن زوجـ,ـها الآثم، طالما توسلت إليه بعدم التعرض لشقيقته بهذا الأسلوب المؤذي فما كان من الأخر سوي التهديد و الوعيد إذا لم تكف عن رشده.
ـــــــــــــــــ
و هنا في إحدي المطاعم المزدحمة حيث يعمل عمار علي توصيل الطلبات المنزلية عبر الدراجة النــ,,ـــــارية، نزل من أعلاها للتو بعدما أوقف المُحرك، أخرج ما لديه من النقود و ذهب إلي مسئول الحسابات.
-أتفضل يا عم حسن فلوس العشر أوردرات.
حدقه الرجل بنظرة أثارت قـ,ـلقه و جعلته مرتبكاً لا سيما عندما سأله:
-عشر أوردرات مش ١٣ يعني!
أبتلع الأخر ريقه بتوتر بدي علي ملامحه فأجاب بصوت يكاد يكون مسموعاً:
-أه عـ,ـشرة.
رفع الرجل زواية فمه جانباً ببـ,ـسمة سـ,ـاخرة و قام بالـ,ـنقر علي لوحة الـ,ـمفاتيح التي أمامه ثم قام بتوجيه شاشة الحاسوب أمام محمود التي جحظت عينيه عندما رأي نفسه في تسجيل الكاميرات و هو يستلم الطلبات و بالفعل أعدادهم أكثر من عشرة، أجترع لعابه و نظر بتوجس إلي مديره الذي يرمقه بتجهم:
-بص، أنا أديتلك فرصتين قبل كده و قولت لنفسي خلاص يا حسن سامحه يمكن كان معذور في قرشين عـ,ـشان كدة عمل الحركة دي، و سامحتك مرة و التانية يمكن تتوب، لكن لما لاقيته داء فيك و فاكرني مغفل و ماتعرفش إن دبة النملة هنا بتكون بعلمي، يبقي كده خلاص ملكش عندي أكل عيش.
و بدلاً من أن يطالب العفو و السماح من رب عمله قام بخلع القميص المدون عليه شعار و إسم المطعم و صاح بكل تبجح:
-أنت هتذلني يا عم، خدي قميصكم العرة أهو، أومـ,ـال لو كنت بـ,ـتقبــ,,ـــــضني مرتب عدل زي باقي الناس كنت عملت فيا أي.
ثـ,ـارت أغوار الرجل فقام بمهاجمته:
-يعني حرامي و بـ,ـجح و كمان مش عاجـ,ـبك، ألف و نص في الشهر مش عاجـ,ـبينك غير التيبس اللي بتطلع بيه من الـ,ـزباين.
لم يتحمل توبيخ الرجل له فقام بدفعه و كاد يـ,ـضـ,ـربه لكن قام العاملون بالمكان بمنعه، أخذ يتملص من قبــ,,ـــــضاتهم لكنه فشل.
و في الحارة كانت تجلس خلف النافذة تنظر عبر فتحات الخشب إلي الخارج بأعين بها آثار البكاء، تقوم بإجراء إتصال أكثر من مرة و لم تتلق أي إجابة مـ,ـنه، تريد أن تخبره كما تـ,ـطوق أن ينقذها من ظلــ,,ـــــم شقيقها، لم تعد تتحمل أكثر من ذلك فهي تحبه و لا تريد العيش سوي معه، فمنذ أن جاء هنا و سكن في هذا البناء منذ سنوات،لم تكن تعلم عنه شئ سوي إنه شاب مُغترب من محافظة الدقهلية و جاء هنا للعمل و يعود إلي بلده من حين لأخر حتي أخبرها بأن والدته توفت و أشقائه الثلاثة لكل منهم حياته .
هناك صوت المسحراتي الجهوري و هو ينادي علي أطـ,ـفال الـ,ـحارة بينما هي كانت تنتظر عمار،
فأنتبهت إلي صوت دراجته حيث توقف أمام الـ,ـبناء المقابل، لاحظت عدم إرتدائه لزي عمله كما أن ثيابه غير مهندمة، يبدو إنه تشاجر مع أحدهم.
نهضت بهدوء و ألـ,ـتقطت وشاحاً أرتدته علي عجالة و ذهبت لتطمئن بأن شقيقها و زوجته كلاهما يغطان في النوم و دون أي جهد للسير إلي غرفـ,ـتهما كان صوت شـ,ـخير شقـ,ـيقها يصل إلي أذنها، تـ,ـنفست الصعداء.
تسللت من النافذة و تتلفت من حولها لمراقبة الأجواء و حتي لا يكتشف أمرها، ولجت إلي البناء و صعدت خلفه علي أطراف أناملها، و حينما وصلت إلي السطح وجدت يد تجذبها بعنــ,,ـــــف و تدفعها إلي الجدار!
#الفصل_الثاني
#ما_بين_الحب_والحرمان
#بقلم_ولاء_رفعت_علي
تسللت من النافذة و تتلفت من حولها لمراقبة الأجواء و حتي لا يكتشف أمرها، ولجت إلي البناء و صعدت خلفه علي أطراف أناملها، و حينما وصلت إلي السطح وجدت يد تجذبها بعنــ,,ـــــف و تدفعها إلي الجدار!
شهقت بفزع و أخذت تلتقط أنفاسها و تردد بعض الأدعية حتي هدأت عندما أطمئنت إنه عمار و علي وجهه علامات الـ,ـغضب يسألها:
– أي اللي منزلك الشارع في الوقت المتأخر ده؟
ردت بخوف و علامات الذعر علي وجهها:
-كنت جاية أطمن عليك لما لاقيتك ما بتردش.
أبعد يده عن تلابيب عـ,ـبائتها و أطلق زفرة نافرة فهذا ما كان ينقصه في تلك الحالة التي يمر بها.
-مـ,ـكنتش بترد ليه؟
أجاب بتأفف:
-كنت في الـ,ـشغل.
ألقت نظرة علي ثيابه و مظهره الـ,ـمُزري فسألته مرة أخري:
– و أي اللي عمل فيك كده؟
جلس علي أقرب مقعد خشبي بالي و أجاب بسأم:
– أتخانقت و سبت الشغل.
غـ,ـرت فاهها بصدمة ثم قالت:
– أنت لحقت ده أنت لسه مـ,ـكملتش شهرين!
رمقها من طرف عينيه و عقب علي كلماتها:
-نصيبي كده أعمل أي يعني أبوـ,ـس أيديهم و أتذل عشان أفضل أشتغل مـ,ـعاهم!
أقـ,ـتربت منه و جذبت مقعد شبيه للجالس فوقه و جلست عليه بجواره قائلة:
-أنا ماقولتش كده، أنا قصدي يعني أي شغل فيه مشاكل و قرف و أنت مـ,ـحتاج لكل قرش عشان الشبكة و العفش و تشوف أوضة وصالة إيجار جديد .
إبـ,ـتسم بتهكم و قال:
– شبكة و عفش و شقة إيجار، عايـ,ـزاني أشتـ,ـغلك حرامي!
ضيقت ما بين حاجـ,ـبيها و تضايقت من حديثه الساخر:
– و هو كل اللي بـ,ـيتجوز كده بيشتغل حـ,ـرامي!
– لاء، بس اللي ما بيشوفش من الغربال يبقي أعمي.
أمسكت يده و بعينين مليئة بالرجاء و بنبرة توسل أخبرته:
– عمار أنا بحبك و مش عايزة حاجة تفرقنا حتي لو كان أخويا، أنا هستناك مهما حصل، بس زي ما هاستحمل و أصبر و أجي علي نفسي لازم أنت كمان تعمل كده، عشان هو ده الحب، الحب تضحية عشان تسعد اللي بتحبه.
ما زالت ضحكة السخرية علي ثغره و قال:
– كلام أفلام كانو بـ,ـيضحكو علينا بيه، الواقع بيقول عـ,ـكس كده فيه فلوس يبقي فيه حب، مفيش فلوس، يبقي مفيش حب و لا كلام الأغاني اللي كنا بنصبر بيه نفسنا و نفضل عايشين في وهم.
نـ,ـهض و وقف أمامها و نظر نحوها من موضعه و أردف:
-تقدري تقولي لي لو جيت تاني لأخـ,ـوكي و أقول له طالب إيد أختك عشان بحبها و أصبر عليا عـ,ـقبال ما أكون نفسي تفتكري هيرضي!، و لا هايصرف علينا أنا و أنتي!
نهضت لتقف أمامه و بداخلها قد سأمت حالته الإنـ,ـهزامية تلك، فبرغم حبها له لكن تمقت سلبيته المُفرطة و حالة اليأس المسيطرة عليه بالكامل:
-طول ما أنت إنسان سلبي و شايف كل حاجة سـ,ـودة قدامك عمرك ما هاتتقدم خطوة واحدة، ماتنساش وعدك ليا و أنت بتعترف لي بحُبك و أنك هاتعمل المستحيل عشان أكون ليك، بس الظاهر كان كله كلام في كلام.
– أعتبريه وعد حين ميسرة.
رمقته من أعلي لأسـ,ـفل بإزدراء و تذكرت كل ما تحملته من معاملة شقيقها السوء لها و ها هو الآن الإنسان الذي أحبته يـ,ـتخلي بإستسلام بائس عـ,ـنها،فقالت بغضب:
-لاء و أنت الصادق الوعد ده للرجالة بس و اللي شـ,ـايفاه قدامي مش راجل.
تلقت صفعة قوية صاحبها صياحه بغضب:
– أنا راجل غصب عنك.
رمقته بصدمة غير مُصدقة ما فعله بها للتو،و كأن بداخلها بركان قد أندلع و أطلق حممه الحارقة:
-لاء مش راجل، و لا أخويا راجل عشان مفيش راجل يمد أيده علي واحدة بنت أضعف منه، هقولك علي حاجة أنا بقي اللي مش عايزاك و لو جيت بـ,ـوست أيدي عشان أسامحك هقولك مليون لاء.
دفعته من أمامها و عادت إلي مـ,ـنزلها باكية ضائـ,ـعة، شريدة القلب.
ــــــــــــــــــــــ
تتعالي أصوات التواشيح التي تسبق آذان الفجر و هناك أعين نائمة و أخري يجافيها النوم، و هناك في إنتظار إحدهم علي أحر من الجمر.
نهضت بتأفف من جوار زوجها الذي لا يجيد في حياته شيئاً سوي النوم، وقفت أمام المرآة تنظر لصورة إنعاكـ,ـسها، تتأمل قدها الممشوق و المهمل من هذا النائم، و لما لا فقد أخذت علي نفسها عهداً بأنه لم يستسلم هذا الجسد بإرادتها سوي من سلب قلبها منذ سنين، و زواجها من جلال لأنها تريد القرب من حبيب القلب و الذي أختطف لُبها، أفتنها شيطانها الغاوي و سيجعلها تخرج في بئر من الوحل كلما إستسلمت لأهوائها كلما كان طريق التراجع صار درباً من دروب المستحيل.
أنتفضت عندما سمعت صوت باب الـ,ـشقة، قطبت حاجـ,ـبيها و ذهبت لتوقظ زوجـ,ـها:
-ألحق يا جلال فيه حد بيفتح باب الـ,ـشقة، قوم شوف لـ,ـيكون حـ,ـرامي.
هز كتفه و يغمض عينيه قائلاً:
-هتلاقيها أمي قامت تصلي الفجر و بتقفل باب الشقة، ما أنتي عارفها موسوسه.
أشاحت بيدها له و قالت:
-أمك زمانها في سابع نومة، فضلت مستنية أخوك لحد ما نامـ….
صمتت و هي تتذكر أمر ما ذكرته الآن، نهضت و أرتدت مأزرها و ألقت بوشاح فوق رأسها، و بمجرد خروجها أنتفضت عندما رأته يقف في منتصف الردهة، يكشف ذلك الضوء المنبعث من المطبخ نصف وجهه، تفوهت باللهفة و إشتياق:
-معتصم!
– أزيك يا مرات أخويا عاملة أي؟
و ها هو يذكرها بأكثر شئ تمقته و تريد نسيانه، أقتربت منه و بإبتسامة تشق ثغرها من الأذن للأذن الأخري:
– بخير، حمدالله علي السلامة.
جلس علي أقرب كـ,ـرسي له و أجاب:
-الله يسلمك، معلش بقي المفروض كنت جيت من ساعات بس حصل شوية حاجات كدة هي اللي أخرتني و عديت علي مطعم في طريقي أتسحرت فيه، كل سنة و أنتم طيبين.
نظر من حوله ثم سألها:
-هو جلال لـ,ـسه نايم؟
هزت رأسها بالإيجاب:
-اه، ما أنت عارف أخوك قدامه للضهر عقبال ما يصحي، شكلك طبعاً عايز تنام، أنا مجهزه لك أوضتك و مروقها لك بنفسي و مخليها لك بتلمع.
– تسلم إيدك، أنا فعلاً كل اللي محتاجه دلوقت أريح و أنام.
نهض و كاد يتحرك نحو غرفته أمـ,ـسكت يده و سألته:
-رايح فين؟
رمقها بتعجب من سؤالها و من ما فعلته، نظر نحو يدها الـ,ـتي تمسك بيده، و حـ,ـين أدركـ,ـت خـ,ـطأ ما فعلته و قرأت ذلك في عينيه أبعدت يدها و أبتلعت ريقها:
-قصدي يعني مش هتصلي الفجر؟
– داخـ,ـل أتوضأ و بعد ما هـ,ـيأذن هصلي، أدخلي صلي أنتِ كمان خلي ربنا يهديكِ.
تركها و ولج إلي غرفته و وصد الباب عمداً كرسالة إليها لـ,ـعلها تدركها!
ـــــــــــــــــــــــ
أستيقظت كالعادة علي صياح شقيقها و توبيخه لزوجته و هذا بسـ,ـبب المصاريف التي لم تنته و متطلبات البيت من مأكل و أشياء كثيرة.
-مش هاقدر أستني أسبوع كمان يا حبشي دي الولية أم إمام ممكن تيجي لنا قدام البيت و تفضحني، ما أنت عارفها معندهاش تفاهم في تأخير فلوس الجمعية.
أخبرها بصوت هادر و دخان سيجارته يتطاير من فمه و أنفه، فلديه مبدأ عجيب بل و غريب بأن الصوم هو الإمتناع عن الطعام و الشراب فقط لكن تدخين السجائر و إطلاق السبا.ب و الشتا.ئم،كل هذا في قاموسه لا يبطل الصيام!
– ما قولتلك أصبري عـ,ـليا كمان يومـ,ـين، قولت لك معيش أنزل أسرق لك يعني!
وضعت الأخري يديها في خصرها و قالت:
-ماشي أنا هدفع لها من مصاريف البيت بس ما تجيش تسألني عن أكل.
رد بصوت جـ,ـهوري مُهدداً إياها:
-طب و عليا الطلا.ق لو ما جيت لاقيت الفطار علي الطبلية لأخدك أرميكي عند أمك و أجيب واحدة بدالك.
تركته و لم تجب عليه، دلفت غرفة ليلة و هي تتمتم:
-يا شيخ روح هو في واحدة هاتستحملك زيي، ده أنا ليا الجنة و ربنا.
نظرت إليها ليلة و سألتها بصوت ناعس:
-أنا اللي نفسي تبطلو خناقة الصبح دي و لو يوم واحد،أو أقولك خليه يطلقني أنا و يرحمني أو يتبري مني.
ضحكت هدي رغماً عنها و لكزتها في يدها:
-اهو ده اللي باخده مـ,ـنك تريقة وبس.
– حد قالك تـ,ـتجوزي واحد إسمه حبشي .
قهقهت الأخري و أخبرتها:
– أهو قدري و نصيبي كده،يلا يا لمضة قومي اغسلي وشك و جهزي نفسك عشان رايحين السوق.
ضحكت ليلة و هزت رأسها مُرددة:
-صدق المثل اللي قال، الجبن سيد الأخلاق.
ألقتها الأخري بوسادة في وجهها، تلقتها ليلة و هي تقهقه، من يراها يحسب تلك الضحكة نابعة من قلبها لا يعلم أحد إنها تضحك من فرط حزنها!
ـــــــــــــــــــــ
-شهلي يلا يا عايدة عشان ما نتأخرش.
كان صوت نفيسة التي ترتدي نعليها إستعداداً للذهاب للتسوق، ردت الأخري من داخل الغرفة:
-حاضر جاية ثواني.
كانت ترتدي وشـ,ـاحها و تضع به دبوساً فقام بإختراق طرف إصبعها تأوهت، فقال لها زوجها:
-ألف سلامة عليكي من الآهه.
رمقته من خلال المرآه و قالت:
-بدل ما أنت عمال تتمسخر عليا قوم أنزل أفتح المحل خلي ربنا يفتحها عليك بدل الفقر اللي ماسك فيك و عايش علي معاش أمك و فلوس أخوك.
لوح لها بيده قائلاً:
-و الله الفقر ده راكبنا من يوم ما أتجوزتك.
أستدارت لتنظر إليه مباشرة:
-و ليه ما تقولش الهباب اللي بتشربه هو ده السبب، و صرمحتك ويا أصحابك العرة اللي فاكرين تحت القبة شيخ!
نهض و أقترب منها ليجذبها من عضدها، و هسهس من بين أسنانه:
-خليكي في حالك أحسن لك، و لا عايزاني أمد أيدي عليكي؟
رمقته بإزدراء جاذبة ذراعها من يده:
-أبقي أعملها و شوف أنا هاعمل فيك أي وقتها.
أتسعت عينيه بشر مستطير:
-قصدك أي؟
– اللي علي راسه بطحة بيحسس عليها، خد بالك من بطحتك يا جلال .
ألقت كلماتها ذات المغذي و تركته و ذهبت لتجد حماتها في إنتظارها و ذهبت كلتيهما للتسوق.
ــــــــــــــــــــــ
و هنا يكثر الإزدحام حيث يتراص بائعين الفاكهة و الخضار علي جانبي الشارع و صوت البائعين و أفران عمل الكنافة و القطايف ، و تجد كل ما لذ و طاب، و هنا لدي بائع الدجاج تقف ليلة بعدما طلبت منها زوجة أخيها أن تنتظرها هنا حتي تشتري بعض الأشياء و تأتي إليها، و في الجهة المقابلة لها كانت تقوم عايدة بتعبئة ثمرات الطماطم فأخبرتها حماتها بصوت خافت:
-مش دي ليلة أخت حبشي الميكانيكي؟
ألتفتت الأخري لتنظر نحو ما تشير إليها حماتها، و بعدما تحققت ردت:
-اه هي.
عقبت نفيسة بإبتسامة:
-يا صلاة النبي، ماشاء الله البت كبرت و أتدورت و أحلوت، أي رأيك ناخدها للولاه معتصم.
و هنا عند ذكر إسمه أضرمت نير.ان الغيرة بداخلها فقالت بإندفاع:
-معتصم!،ماينفعش خالص إزاي، قصدي يعني دي لسه مخلصه ثانوي و هو قد أخوها، فيه فرق يجي ١٢ سنة ما بينهم.
– و أي يعني ما حماكي الله يرحمه كان أكبر مني ب١٥ سنة، و بعدين أهو كده أحسن خليه يشكلها و يربيها علي إيديه .
تـ,ـخشي أن تستمر في مجادلتها و تظن الأخري ظناً أخر، قامت بشراء الثمرات و دفع المال، بينما ليلة كانت كالتائهة في عالم آخر لا سيما عندما أنتفضت لتوها عندما رأت عمار يقف مع بعض الشباب علي مقربة، تلاقت أعـ,ـينيهما لكنها تصنعت عدم الإنتباه بل و أظهرت اللامبالاة إليه، أنتبهت إلي صوت زوجة أخيها:
– يلا أنا خلصت و جبت كل حاجة.
ذهبت كلتيهما في إتجاه إحدي الشوارع المؤدية إلي الحارة، و في الطريق تعرض إليهما شابين في الطريق.
-كنافة بالمانجا ماشية علي الأرض و في نهار رمضان، كده كتير !
رد زميله بوقاحة:
-كنافة أي يا صاحبي ده بطل.
صاحت هدي بتوبيخهما:
-جري أي يا أهبل منك ليه، أنتو ماتعرفوش إحنا نبقي مين!
أقترب منها الشاب بكل جرأه قائلاً:
– عايزين نعرف، و لا عارفينا أنتي.
– لاء يا روح خالتك منك ليه، هاعرفكم أنا.
كان صوت عمار الذي أنهال عليهم باللكمات، و هما كذلك يوجها إليه الكثير من اللكمات، أخذت ليلة تصرخ خوفاً علي عمار، تجمع المارة و تدخل الشباب في هذا العراك.
و في مكان قريب يقبع حبشي أسفل السيارة يقوم بتصليحها، سمع نداء مساعده الصغير و هو يناديه:
-ألحق ياسطا حبشي في خناقة كبيرة في الشارع اللي جمبينا.
رد الأخر من أسفل السيارة و منهمك في إصلاحها:
-خليك في حالك يا ولاه و ناولني مفتاح ١٠ من عندك.
جاء إحدي الأطفال إليهما ليخبره:
– ألحق ياسطا حبشي الخناقة اللي دايرة في الشارع هناك بسبب أن فيه عيال كان بيضايقو الست هدي و الآنسة ليلة أختك .
دفع نفسه من أسفل السيارة و الغضب ينضح من ملامحه حينما سمع ما قاله الصبي، أخرج المُدية من جيبه و صاح بمساعده:
– خلي بالك أنت من الورشة و أنا هاروح أشرح ولاد الـ…… دول.
و حين وصل إلي المكان المنشود وجد شقيقته تجلس بجوار عمار الذي يلتقط أنفاسه، جذبها من يدها بعنــ,,ـــــف و دفعها نحو زوجته، و بأمر:
-خديها و أرجعو علي البيت.
أومأت له بخوف، فأمسكت بيدها و أسرعت الخطي إلي المنزل، أمـ,ـسك حـ,ـبشي بالشابين و أبرحهم ضـ,ـرباً و قام بخدشهم بالمُدية ثم صاح بصوته الغليظ الـ,ـجهوري:
-عليا الـ,ـحرام اللي هيقرب من حد يخصني لأكون معلقه زي الدبيحه علي بوابة البيت.
و قبل أن يبتعد ألقي نظرة علي عمار، كانت نظرة تحذير أكثر من كونها وعيد لأنه أقترب من شقيقته مرة أخري.
ـــــــــــــــــــــ
عادت عايدة و تحمل الكثير من الأكياس بعدما تركت حماتها تثرثر مع جارتها التي تنقل لها ماحدث من العراك منذ قليل، ذهبت و تركت ما تحمله فوق طاولة الرخام بداخل المطبخ و في طريقها بدون أن تنتبه أصتدمت به و كادت تسقط، فأمسك بها:
-معلش مكنتش واخد بالي.
رفعت وجهها و نظرت في عينيه و ظلت صامتة، تحمحم و تركها ثم سألها:
– أومال فين أمي؟
أبتلعت ريقها بتوتر و أجابت:
-خالتي تحت زمانها طالعة،محتاج حاجة؟
رمقها من أسفل لأعلي و قال لها بإقتضاب و نفور:
– شكراً.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
دفع باب المنزل علي مصراعيه كالثور الهائج يبحث عن زوجته و شقيقته، و شياطينه تتراقص أمام عينيه:
-ليلة،هدي ،أنتي يا زفـ,ـتة منك لـ,ـيها.
تختبئان بداخل الغرفة، قامت هدي باللـ,ـطم علي خـ,ـديها:
-يالهوي، يالهوي خلاص ضيعنا.
عقدت ليلة ساعديها أمام صـ,ـدرها و أخـ,ـبرتها:
-بـ,ـطلي خوف بقي، أنتي اللي بتخليه يعمل فيكي كدة.
أشاحت الأخري بيدها و قالت بتهكم:
-يا شيخة روحي ده أنا لسه حايشة عنك إمبارح لما كان هايمـ,ـوتك في إيده، مافكيش غير لسان و بس.
و قبل أن ترد الأخري أنتفضت ذعراً حين قام الأخر بطرق الباب بقوة أفزعتهما:
-أفتحي منك ليها بدل و ربنا لأك.سر الباب فوق دماغكم أنتو الأتنين و أبقو صرخو لحد بكرة محدش هايحوشني عنكم.
تفوهت زوجته بخوف و هي تبتلع ريقها:
-طيب ممكن تسمعنا قبل ما تتـ,ـهور و تمد إيدك و أنت مش عارف حاجة؟
زمجر كالوحش الضاري و قال بتهديد:
– أنا هعد لواحد لغاية تلاتة و ديني و ما أعبد لو الباب ما أتفتحش بعدها لتكوني طالقة بالتلاتة.
#الفصل_الثالث
#ما_بين_الحب_والحرمان
#بقلم_ولاء_رفعت_علي
فتحت بسرعة قبل أن ينفذ تهديده الذي لم يتراجع عنه إذا صمدت علي موقفها العنيد، ترفع يديها أمام وجـ,ـهها بوضع الدفاع تـ,ـخشي أن يجفلها بصفعة أو لـ,ـطمة،و في لحظة كانت تلابيب عـ,ـبائتها في قبــ,,ـــــضته و بصوت جهوري صاح بها:
– مش قولت مليون مرة لو أي عيل و… عاكسك أو عاكس السنيورة ما تردوش عليه؟
هزت رأسها بخوف و طاعة:
-صح يا سي حبشي، حصل.
عنــ,,ـــــفها مرة أخري و يرمق شقيقته بغضب لأنه يعلم خصالها جيداً و قال:
– و مش فهمتكم قبل كده إن لو أي حد من المقاطيع اللي في الشارع عاكس واحدة فيكم ما تردوش لأن الواحدة ترد على واحد بـ,ـيعاكـ,ـسها تبقي واحدة لا مؤاخذة قليلة الأدب.
صاحت ليلة بإعتراض و سخط:
-ما تبطل تخلف و جهل بقي، دلوقتي بقي فيه قانون للأشكال الزبالة اللي بـ,ـتتحـ,ـرش بللفظ بيتقبــ,,ـــــض عليه و يتسجــ,,ـــــن يعني يحمدو ربنا إننا ردينا عليهم بدل ما جرجرناهم علي القسم.
ليتها ما تفوهت بتلك الكلمات التي سبرت أغوار هذا الوحش الماثل أمامها، ترك زوجته و أمـ,ـسكها هي و صـ,ـدي صوته الأجـ,ـش يتردد في الأرجاء:
-كنتي بتقولي أي يا روح ماما، سمعيني كده تاني أصلي ما سمعتش كويس.
صرخت من هزه لها بعنــ,,ـــــف، لم تري أمامها شيئاً واضحاً حيث يهزها كزجاجة مياه غازية و يلقي عليها أفظع السباب و الشتائم المصاحبة بالضـ,ـرب و السحل و كالعادة صوت صرخاتها يصل إلي كل أهل الحارة.
ــــــــــــــــــــ
و بعد إنتهاء صلاة التراويح، علي المقهي البلدي حيث يجلس الرجال و الشباب لمتابعة إحدي مباريات كرة القدم، يهللون تارة و يصيحون تارة أخري عندما يركض اللاعب نحو المرمي و علي وشك تسديد الهدف و كأنه يسمع تشجيعهم!
– واحد شيشة يا بني.
صاح بها جلال إلي صبي المقهي، فأجاب الآخر:
-واحد شيشة للمعلم جلال و زود الفحم و صلحو.
رمقه معتصم علي مضض قائلاً:
-يا بني أرحم نفسك ده أنت فوق شـ,ـارب لك يجي حـ,ـجرين شـ,ـيشة، صـ,ـدرك مش كده.
أبتسم الأخر بتهكم و قال له:
-اللي يسمعك و أنت بـ,ـتنصحني ما يشوفكش و أنت الـ,ـسجاير ما بـ,ـتفارقش إيدك!
أنتهي من سخريته و ختمها بقهقه مُجلجلة مما جعل شقيقه أشاح وجهه إلي الناحية الأخري، يعلم كم هو عنيد و جاهل لم يستمع إلي أي نصائح و هذا ما جعله يخشي أن يحذره إلي أمر زوجته التي تلاحقهدائماً.ً
و في زواية قريبة يجلس حبشي بالقرب منهما فأنتبه معتصم إليه، نهض فسأله شقيقه:
-رايح فين الماتش لسه ماخلصش.
أشاح له بيده و قال:
-هاروح أسلم علي الواد حبشي المعفن.
ذهب إلي حبـ,ـشي الذي عندما رآه تمعن النظر إليه و هلل بسعادة:
– أهلاً حمدالله على السلامة يا معتصم، جيت أمتي يا صاحبي؟
صافحه الأخر بعناق أخوي و قال:
-لسه راجع إمبارح، أخبارك أي و الجماعة و العيال.
– الحمدلله كلنا بخير، أنت اللي أخبارك أي جاي و ناوي تتجوز و لا شايف حالك في الخليج؟
غمز له بعينه، ضحك الأخر وقال:
– و الله يا صاحبي أمي اللي مُصرة علي موضوع الجواز ده و أنا بيني و بينك مش ناقص وجع دماغ، أنا راجل حر ما بحبش واحدة تقولي رايح فين و جاي منين.
عقب حبشي علي حديثه قائلاً:
-علي رأيك و الله ده كفايه المصاريف و هات هات كأن الواحد قاعد علي بنك و مصاريف العيال ما بتخلصش، كتب و كراريس و دروس.
-يا عم أنت هاتشتغلني قال يعني بتصرف ده أنت م.يت علي القرش، ألا قولي صح بقي عندك كام عيل بالصلاة علي النبي.
أجاب الأخر بعدما تجرع رشفة من كوب الشاي:
-عليه أفضل الصلاة و السلام، عندي ماشاء الله بسنت و محمد.
رد معتصم بسعادة:
-يا ماشاء الله ربنا يبارك لك فيهم.
أنتبه حبشي إلي شقيقته التي تشير إليه من بُعد مسافة قليلة، لاحظها معتصم و قال:
-ألحق يا حبشي فيه مزة جامدة عمالة تشاور لك من بعيد الله يسهله يا عم.
تمعن النظر نحو ما أشار إليه الأخر فوجدها شقيقته و قال:
– مزة أي يا جدع دي البت ليلة أختي.
ثم تمتم بصوت لم يسمعه الأخر:
-برضو خرجتي من غير استئذان و ربنا لأربيكي يا بنت الـ….
بينما الأخر عندما علم إنها شقيقته التي تركها قبل سفره كانت طفلة صغيرة ها هي أصبحت صبية يافعة تمتلك جسداً بضاً و جمالاً يسحر الألباب و يخطف الأنظار من أول وهلة، ربما سيعدل عن رأيه في عدم الزواج الأحري وجد ضالته أخيراً، كم تخيل فتاة أحلامه لليالي طوال، فهي مُراده الذي طالما تمناه و سيظفر به بأي ثمن.
وصل حبشي لدي شقيقته رمقها بنظرة من الجحيم و قال لها:
-اي اللي خرجك من البيت و أنا محذرك؟
رمقته بسخط و ودت أن تصفعه بكل قوتها و قالت:
-عايزة فلوس عشان أخلص ورق التنسيق و أطبعه في مكتب الكمبيوتر.
صاح بها و لكزها في كتفها بعنــ,,ـــــف، يا له من أخ وغد و مقيت لا يعرف الحنان درباً إلي قلبه،مثله من قيل علي أفئدتهم من الفولاذ لم تتأثر قط بأي مشاعر :
-تنسيق أي يا روح خالتك، مش قايلك أنسي موضوع التعليم ده نوهائي!
لم تتحمل كم الإهانة و كعادتها أنفجرت بغضب و نفذ صبرها من هذا الأرعن:
-أنت ما بـ,ـتصرفش عليا من جيبك علي فكرة، أنا ليا ميراث أبويا الله يرحمه و لو مش هـ,ـتديني يبقي خلاص تعالي نتــ,,ـــــحاسب و هاخد حقي أتعلم و اصرف بيه علي نفسي و لا الحوجه لأمثالك.
نظر من حوله يـ,ـخشي أن يقترف فـ,ـضيحة أمام الناس و يشمت فيه اعدائه، أمسك قبــ,,ـــــضته بشدة و قال لها:
-غوري من وشي علي المسا أحسن لك، بدل و ديني و ما أعبد لأجرجرك علي البت و أخليكي تلحسي تراب الشارع و أك.سر لك رجلك دي عشان أعجزك و تقعدي مكسحه في البيت و تبطلي تنطيط.
مـ,ـسحت عبراتها علي مضض و تراجعت قائلة و قد فاض بها الأمر و وكلته إلي ربها:
-مش هرد عليك بس كل اللي اقوله لك حسبي الله و نعم الوكيل فيك يا ظـ,ـالم.
و ركضت قبل أن يلحق بها، و أنتظر حتي رآها تدلف إلي داخل فناء المنزل و عينيه مليئة بوعيد ، عاد بعد ذلك إلي صاحبه:
-معلش يا صاحبي، كنا بنقول أي؟
أرتشف معتصم الماء و السعادة تتلألأ داخل عـ,ـينيه و قال دون أي مقدمات:
-أنا عايز أتـ,ـجوز أختك.
ـ
ــــــــــــــــ
و بعد عودتها إلي المنزل ولجت إلي غرفتها باكية جلست فوق السرير و أخرجت صندوق من درج الـ,ـكمود مليئ بالصور، أمسكت بصورة والدها الحنون قائلة و كأنها تحدثه:
-ليه سبتني يا بابا، شوفت حصلي أي من بعدك، حبشي قلبه حجر و قاسي و عمره ما كان حنين، أنت عمرك ما مديت إيدك عليا ابداً و لو زعقت فيا بتيجي تطبطب عليا و تاخدني في حضـ,ـنك، عمرك ما ك.سرت بخاطري، لكن أبنك ديماً كاسر بخاطري و عايش عشان يقهرني، لو الحياة هاتبقي ديماً كده ياريت خدني عندك عشان ارتاح بقي من العذاب و القرف اللي أنا عايشه فيه من وقت ما سبتني أنت و ماما.
وجدت يد حنونه تربت عليها و اليد الأخري تعطيها كوب عصير ليمون، صاحبة اليدين زوجة شقيقها قالت لها:
-استغفري ربنا يا ليلة، ربنا بإذن الله هايفرحك و هايعوضك بفرحة كبيرة بس أنتي قولي يارب و بلاش التشاؤوم و تفاولي علي نفسك بالمـ,ـوت، انتي لسه شابه صغيرة و الطريق قدامك طويل، بكرة تلاقي ابن الحلال اللي ياخدك في حضـ,ـنه و يطبطب عليكي و يعيشك في فرح و سعادة.
هزت الأخري رأسها و تجفف عبراتها في آن واحد:
-أنا كل اللي عايزاه أكمل تعليمي و اخد شهادتي و أشتغل و أبقي حرة نفسي و أطلع بره الحارة دي خالص، للأسف مفيش راجل عدل تقدري تأمنيه علي نفسك، كلهم صنف واحد ملهمش أمان.
– و مين سمعك يا ليلة كلنا كان نفسنا في كدة، بس الواقع حاجة تانية، الظروف ساعات بتحكم عليكي و تفرض عليكي عيشة و حياة غير اللي نفسك فيها خالص، كل اللي في أيدك دلوقت هو الصبر، و إن شاء الله حياتك هاتكون احسن.
نظرت إلي الفراغ داعية ربها:
-يارب.
ــــــــــــــــــــــــ
يتجمع أفراد عائلة معتصم حول المائدة لتناول طعام السحور، حيث تتراص أطباق مليئة بالطعام من الفول و الفلافل و البطاطا المقلية و الخضروات الورقية و البيض المسلوق و البذنجان و علب الزبادي، كل ما تشتهي الأنفس و تهواه المعدة.
خرجت عايدة من المطبخ تحمل دورق المياه الزجاجي و كوب فارغ، وضعتهم أمام زوجها الذي يلوك الطعام بفمه و شارد في الفراغ:
-أتفضل يا حبيبي.