خيوط العنكبوت ج ٥
خيوط العنكبوت ج ٥
جرت عادة البشر أنهم إذا كان لديهم شيء ثمين ونفيس، فأرادوا حفظه، فإنهم يختارون له أولاً أفضلَ الأوعية وأحسَنَها لاحتوائه، ثم يختارون له أفضل الأماكن وآمنَها لحفظه وصيانته، ويحتاطون له ما لا يحتاطون لغيره، وهذا واقع مُمارس من أنفسنا، ومُشاهد من غيرنا.
فما الظن ببيت نَسَبَه الله تعالى إلى نفسه الشريفة، وجَعَلَه مباركاً وهدى للعالمين، وخصَّه دون غيره بأن ضمَّنه من أحجار الجنة حجرين؛ الحجر الأسود ومقام إبراهيم، وجَعَلَه قِبلةً لعباده المؤمنين في صلاتهم، وجَعَلَه مقصداً لشعيرة من أعظم الشعائر، وهي شعيرة الحج.
لفحتها نسمات الهواء العليل ، أقشعر جـ سدها بالروحنيات التي طغت على المكان، شعور بالراحة والهدوء والسكينة والطمأنينة التي تسكن الروح وتطمئن النفس، أنشرح صـ درها عندما رأت البيت الحرام ، أحتاج جـ سدها قشعريرة طفيفة من رهبة تلك البقعة المباركة أحب أرض الله إلى الله .
أنسابت دموعها من عظمة الخالق سبحانه وظلت عينيها متعلقة بالكعبة الشريفة، نست نفسها وكل ما مرت به من معاناة ، لا تسمع ولا تنطق بكلمة ، فقط تنظر لجمالها الأخذ للعيون، تنهمر دموعها دون توقف لا تعلم بماذا تتفوه ، لسانها عاجز عن البوح، غمرتها السعادة والطمأنينة بقربها لذلك المكان.
أما عن سليم فلم تقل رهبته عن رهبة حياة ، فتلك هي المرة الأولى التي يأتي بها إلى البيت الحرام ويؤدي مناسك العمرة ، أنسابت دموع الخزي أنها لم يأتي قبل ذلك، شعور بالحزن على ما اقترفه والده من ذنب، ظل لسانه يردد بألحاح وأستغفار بأن ربه يقبل توبة والده ، ظل يناجيه ويلح عليه بالدعاء بأن يغفر لوالده كل ما اقترفه بحق الأبرياء الذين كانوا يُعالجون بالمشفى الخاص به تحت رحمته وأفعاله المشبوهة مع تلك المافيا.
كما أنه لم ينسى شقيقه من الدعاء له بالشفاء وأن يقر عينيه برؤية قطعة مصغرة منه وتشبه بملامحه الهادئه ، وتكمل به سعادة شقيقه.
❈-❈-❈
بالقاهرة ..
داخل المشفى بعدما استردت “نور” وعيها وعلمت بكل ما حدث لها، لم تجد سوا خديجه هي التي ترافقها ، أنسابت دموعها وهمست قائلة بانكسار:
– كل اللي حصلي أنا السبب فيه
تطلعت لها خديجة دون أن تتفوه بكلمة
أردفت نور قائلة بحزن دفين:
– أنا تمنيت الطفل ينزل لم عرفت أن ممكن يكون ورث الصرع من أسر، غصب عني ماكنتش هقدر أتحمل، لكن ما اتمنيتش أيدا أن استئصال الرحم ، زرفت الدموع وعادت تهتف بأسي:
– أنا كدبت على أسر ، وأوهمته أن الطفل مش منه
شهقت خديجة بصدمة وهتفت بحزن:
– أوعي تكوني شككتيه في أخوه
نكست برأسها أرضًا وهتفت قائلة بانفعال:
– سليم أذاني كتير وكنت حابه انتقم منه ، هو اللي تخلى عني قبل كده بعد ما علقني بيه ، قبل جو ازي من أسر اتمنيت يصلح غلطته ونتـ جوز هو رفضني، أتجـ وزت أسر بس عشان أكون جنب سليم ، هو اللي دمر حياتي كلها ، ماعرفتش أشوف أسر ولا أحبه في وجود سليم؛ وكمان هو السبب في وفاة جدو ، هو دمر حياتي وحبيت أدمره زي ما دمرني
هزت راسها بأسى وهتفت قائلة:
– منك لله ، كنت بحاول اداري عمايلك السودة عشان خاطر ولادي ما يعدوش بغض، شوفت منك كتير واتحملت تصرفاتك أكتر وكنت بقول معلش هي وحيده دلوقتي مالهاش حد، اعتبريها بنتك يا خديجه ، اقفي جنبها وفي ضهرها ، جيت على ابني كتير عشان خاطرك ، لكن يا خسارة كنت غلطانه، هو ده جزات المعروف يا نور ، مش هقول غير كفاية اللي انتي فيه
وتركت خديجة الغرفة بقلب مكلوم وعيناها تزرف الدموع بصمت يقتل روحها على ما أصاب أبنها ، تخشى بأن يكون قد صدقت زو حته في الكذب والافتراء على شقيقه الأكبر ، وضعت كفها مكان قلبها الذي ينبض بصخب وكأنه سيخرج من بين أضلعها تخشى القادم .
أما عن نور فظلت وحيدة ، حطام أنثى بعد ما جنت ما زرعته من حقد وكره ، وقررت ترك المشفى والعودة إلى فيلا جدها ، هذا ملجاءها الأخير الذي ستحتمي بجدرانه المتبقي من عمرها ..