ذكيه محمد ٤
ذكيه محمد ٤
عادت لمحطة الواقع بعد أن استقلت رحلة إلى الماضي الأليم، الذي كان نتيجته أحمد ذلك البرئ الذي تشفق عليه حتى الآن كلما تذكرت والديه، و لكنها بات عندها شيئاً رئيسياً بحياتها فهو ابنها الروحي بالفعل.
مسحت عبراتها التي أغرقت وجهها حتى أصبحت عينيها بلون ال[أثر]اء، و صوت شهقاتها يعلو ويعم الغرفة.
ظل محدقاً بها و هو أشبه بأبو الهول لم يتحرك قيد أنملة، و لولا أنفاسه البطيئة لقلنا أنه بالفعل تمثالاً حجرياً. و كيف له أن ينطق بعد سماعه لكل ذلك، أهذا شقيقه الذي كان يدعي الأخلاق الحميدة و الشخصية المثالية يفعل ذلك؟!
يا الله لقد كاد يصيبه الجنون وهو يستمع للحقائق التي تسردها عليه. حرك مقلتيه لتقبع على وجهها الدامي و تساءل بداخله كيف تحملت كل ذلك دون أن تشتكي أو تمل، فهي ليست مجبرة على أن تتحمل مسؤولية طفل ليس ابنها، كما أنها ليست مضطرة لأن تخفي ذلك السر عنهم، ذلك السر العظيم الذي قلب كافة الموازين.
ما هذا الجبل الذي تحمل كل تلك الصعاب؟! فهو لن يقول عليها غير ذلك فهذا اللقب مناسباً لها، فمن يمر بتلك الظروف منذ البداية حتى الآن بالفعل جبل و منحه الله قوة تحمل غير موجودة في أي مخلوق آخر.
ألهذا السبب عن[أثر]ا كان يقترب منها ترتجف و كأنها تعيش ذلك لأول مرة، و هو كالأبله لا يعلم أنها بالفعل المرة الأولى أن تجرب هذه المشاعر إلى جواره، شعر بنغزة قوية حينما تذكر اعترافها بأنها تحبه لا بل ومن الصغر، أي غفران سيطلبه منها الآن بع[أثر]ا ارتكبه في حقها، فهو أصبح مثلهم الجلاد الذي أ[أثر]ى روحها النقية و هي أبعد ما يكون عن ذلك.
أراد التحدث ولكن ما أثقل الحروف على لسانه فماذا سيقول، فلن يجدي أي شيء لإصلاح الأمر الآن.
نهض من مكانه و توجه ناحيتها بخطا متعثرة كطفل يتعلم المشي حديثاً، جلس على مقربة منها، و رفع ذراعه ليضعه على منكبها، إلا أنها انتفضت مبتعدة عنها قائلة بصراخ ينبع من قلب ذبيح ذُبح على يد الجميع و أولهم هو:- ما تقربليش أنت فاهم؟
نهضت قائلة ب[أثر]وع و حدة :- مش محتاجة لا عطفك ولا شفقتك، و يا ريت تكون عند كلمتك و تطلقني.
هتف بمهاودة :- اسمعي يا مريم…
قاطعته قائلة بوجع :- أسمع إيه؟ مفيش حاجة تتقال أصلاً يا أستاذ إسلام بعد اللي عملته…
جذبته من أذنه و سحبته للداخل قائلة بحنق :- تعال هنا يا روح أمك و قولي عملت إيه في البت؟