الفصل السادس والستون بشرفة المنزل الجديد، وعلى كرسيه الوحيد كان جالسًا يدخن بشراهة وعدم توقف حتى أثار ضيق زوجته التي أتت أليه بكوب الشاي للمرة العاشرة منذ الصباح، بعد طلبه له: - مش كفاية بقى يا محروس، سجاير وشاي، سجاير وشاي، خف شوية يا حبيبي عشان صــ درك حتى. نفث بوجهها الدخان الكثيف ليرد على كلماتها بضيق: - وانتي مالك يا ختي ومال صحتي؟ ولا يكونش مزعلاكي المصاريف، بعد ما بقيتي بتصرفي وتبقششي من جيبك، عجبت لك يا زمن. قال الاَخيرة بضر.بة قوية من كفه على فخــ ذه، هزت هي رأسها بسأم تقول له: - حرام عليك، هو انت مبتشعبش من النكد يا راجل انت؟ يعني هو انا كنت بصرف على نفسي ولا الفسح والفساتين يا حسرة، دا الفلوس كلها رايحة على مصاريف البنات وتعليمهم ولا الأكل والشرب بتاعنا واللي يعوزا البيت، وانت ما شاء الله، كل اللي بتعوزوا بيجيلك بدليل السجاير اللي بتحر,ق فيها بالهبل دي، مش فاهمة انا عايز ايه تاني بالظبط عشان تحمده؟ برقت عينيه نحوها بنظرة عاصفة ليحتد بحديثه: - انتي كمان بتجبي عليا يا ست البرنسيسة؟ طبعًا عندك حق تعملي ما بدالك، بعد ما سيبتلك الجمل بما حمل وريحتك من خلقتي شهور، وانا في المصحة اتشال واتحط من قهرتي، وانت تصرفي وتدلعي مع بناتك، اعملي ما بدالك يا سمية، حقك. كبتت غيظها حتى لا تنفــ جر بوجهه صارخة، وفضلت الرد بصوتها الرزين: - طب انت فهمني يا محروس إيه اللي مزعلك دلوقتي؟ هي المصحة دي مش هي السبب برضوا في انك تبطل الزفت اللي كنت بتشربه وتأذي نفسك، يعني جات بألفايدة، يمكن تكون تعبت على ما خرج السم من جسـمك، بس كدة أحسن مية مرة من الاول، كمان بقى لو اتشطرت وسيبت السجاير يبقى رضا من عند ربنا ونحمده على فضله. برغم رقة كلماتها، إلا أنها لم تزيده إلا حنقًا وعنادًا، بفضل رأسه المتحجر، وغباءه الفطري الممتزج بأنانيته المفرطة دائمًا وأبدًا، لذلك لم يكن غريبًا أن يهتف باعتراضه: - لا يا ست سمية، انا مش قابل بالوضع دا كله، انا راجل حر نفسي، طول عمري كلمتي من مخي، اشتغل واصرف واروق دماغي، دماغي اللي هتنفــ جر دلوقتي من الصداع والقرف، عايزانى اصفى وارضى عنك، يبقى ارجع انا راجل البيت وكل قرش بيوصلك من المحروسة بت ال...... اللي مش معبرة ابوها باتصال حتى، تدهوني، انا الأولى بفلوس البت زهرة، أنا أبوها، لكن انت حيالله مرات ابوها، وبناتك يبقوا خواتها مني انا . طحنت على أسنانها حتى لا يخرج لسانها بسبة هو يستحقها بالفعل، ولكن أخلاقها وما تربت عليه من مبادئ قديمة لتوقير الزوج حتى لو كان مخطئ، تمنعها من الرد، لذلك فضلت الإنسحاب فنهضت من أمامه تقول بكلمات مقتضبة: - اللي زرعته الايام من حب زهرة مع اخوتها، اقوى من صلة الدم اللي بتتكلم عنها انت دلوقت، وانت اول من يقطعها بقسوتك، ربنا يقويك على شيطانك يا محروس، ربنا يقويك. بصقت كلماتها وخطت تغادر من أمامه، ليغمغم هو من خلفها بتهكم: - قال زرعته الايام قال هه، قولي زرعته الفلوس يا ختي اللي ملت عنيكي انتي وبناتك، وقوة قلب المحروسة على ابوها بنت ال...... . ❈-❈-❈ على مدخل الغرفة توقفت عن التقدم تتطلع إلى هيئته وهو مستلقي على سريره الطبي مغمض العينين، بعد إجراءه لعملية جراحية بركبته، خلف الأولى التي كانت لأخراج الرصاصة، وكأن الزمان يعيد نفسه، لكن بصورة أخرى، بعد أن دارت الدائرة، نفس هذا المشهد رأته سابقًا حينما ذهبت لزيارة كريم صديق ابنها قديمًا، فنالها من والدته كلمات كالسهام اخترقت قلبها من وقتها، وجعلتها تخرج مطئطئة الرأس بخزي مع وجع الضمير الذي ظل مرافقها رغم مرور السنوات ، لتأتي الاَن القاسمة بإصابته هو أيضًا بركبته أي بقدمه. - قاعدة واقفة عندك على باب الأوضة ليه يا ماما؟ سرحانة في إيه؟ تفوه بها كارم نحو والدته يجفلها عن شرودها، بعد أن شعر بها أثناء غفوته الصغيرة، استفاقت هي لتكمل بخطواتها وتلج إليه بالغرفة حتى اقتربت منه، لتقبله فوق رأسهِ متسائلة: - عامل إيه النهاردة يا حبيبي؟ يارب تكون كويس. تبسم ساخرًا يجيبها: - ومبقاش ليه كويس والحال عال العال، دا انا همو.ت من الانبساط حتى شوفي. قال الاَخيرة مع إبتسامة صفراء ليس لها أي معنى، زادت من حزن المرأة لتردف بتأثر لحالته: -معلش يا حبيبي، بكرة ترجع تقف على رجلك وترجع كل حاجة لطبيعتها من تاني صاح يرد عليها بسخط: - هي ايه اللي ترجع من تاني؟ رجلي اللي اتصابت في حتة صعبة في الركبة وحتى بعد العملية دي مش مضمون المشي عليها، ولا الست هانم اللي رفعت عليا قضية طلاق وزمانها كسبتها دلوقتي، ولا هيبتي اللي راحت مع اللي حصل، إيه اللي فاضل عشان ارجعه لطبيعته قولي. لم تؤثر فيها صيحته، بل زادتها تحدي في مواجهته بقولها: -كل اللي حصل كان بايديك يا كارم، عن.فك في أول مشكلة قابلتها في البداية هو نفسه كان السبب في اللي أدى للنهاية دي. اشتعلت عينيه نحوها، فاستطردت غير مبالية: -ايوة يا كارم، انا هقول اللي في قلبي حتى لو هتغضب، مش كل حاجة بتيجي بالقوة يا حبيبي، ومحدش فينا بياخد كل اللي هو عايزه، مهما وصل ولا كان يملك الدنيا وما فيها، إنت ربنا إداك جمال الشكل ودا خلقة ربنا، ورثت السلطة وقوة الشخصية من والدك، ورثت المال مني ومن والدك، دا غير اللي عملته انت بنفسك، لكن الحب دا بإيد ربنا، رزق تاني مش كل الناس بتتوفق فيه.... - ومين قالك إني عايز حب؟ صرخ بها مقاطعًا ليتابع هادرًا: - أنا عايزها هي نفسها، ليه كل ما اعوز واحدة من قلبي تروح لغيري، أنا عيبي إيه؟ أنا أحسن من الاتنين اللي فضولهم عليا، أنا ممتاز في كل حاجة لكن هما إيه؟ تحلت والدته بالحلم في سماعه حتى انتهى، ثم قالت : -بس الحكاية دي ملهاش دعوة بالكويس ولا الوحش يا كارم، دي حاجة من عند ربنا، ياريت يا حبيبي تنسى بقى وتعيش حياتك، إنت في بينك وبينها قضايا دلوقتي، يعني مينفعش تقرب لها ولا تكلمها، دا غير قضيتك مع فوزي البحيري، إنت لازم تاخد حذرك بقى وتفكر هتمعل أيه لنفسك، تنهد بصوت خشن، ليغمغم بتفكير عميق ووجه متجمد وكأنه يحدث نفسه: - مش عارف دلوقتي هعمل أيه؟ بس أكيد هلاقي حاجة اعملها. ❈-❈-❈ في مقر عمله كان يقطع مساحة الغرفة ذهابًا وإيابًا بقلق ينهشه، يلعن حظه الذي منعه من الذهاب معها في هذه الجلسة المصيرية، على الأقل كان رحم نفسه من عذاب الإنتظار، فما أبشعه من إحساس ينتابه منذ شهور وليس الاَن فقط، كالمجنون يفرك كفيه ببعضهما ويغمغم بالأدعية، يريدها بشدة، يريدها بقوة، يريدها زوجة وحبيبة وامرأة تملأ عالمه؛ الذي أظلم من وقت أن اصطدام برفضها له، تحت تأثير الأفكار السيئة وعقدها القديمة، حتى وهي مرتبطة برجل غيره لم يفقد الأمل، ظل ينتظرها وينتظر استفاقتها، والاَن وبعد أن تحقق جزء من المستحيل، تبقى فقط أن تعود إليها حريتها المعلقة بجلسة الاَن هي تحضرها وهو هنا في عمله ينتظر. - يا ألله. هتف بها بصوت عالي مع نفسه قبل ان يجفل على الصوت الرفيع من خلفه: - سلامتك يا فندم، هو انت فيك حاجة وجعاك؟ ضغط بأسنانه على شفته السفلى وهو يلتف إليها بغيظه يطالع فيروزيتيها التي كانت ترمقه بهما بمكر وعلى وجهها تدعي البرائة، فقال يخاطبها بتهديد: -ملكيش دعوة وروحي على مكتبك دلوقتي، واما اعوزك يا شاطرة، هبقى اندهلك رفرفت بأهدابها لتردف باضطراب تدعيه: - أسفة يا فندم لو أزعجتك، بس بصراحة انا خوفت لما سمعت صوتك من برا، لتكون تعبان ولا جراتلك حاجة لا سمح الله. - لأ وإنتي شطورة وبتخافي عليا قوي، اردف بها ساخرًا، ليهتف بعدها بصوت أشد: -إمشي يا بت. ضر.بت بأقدامها تحدجه بنظرة عاصفة قبل أن تلتف عائدة وتغادر من أمامه على الفور، فتمتم من خلفها هو: - عملالي فيها الموظفة الرقيقة، وهي مية من تحت تبن. ❈-❈-❈ وخارج الغرفة خرجت تزفر بصوت عالي اظهر حجم ضيقها، وعلى لسانها كانت تغمغم بالكلمات الحانقة: -بيطردني كأني حشرة شغالة عنده وانا داخلة أساسًا عشان أطمن عليه.... يا باي عليك وعلى تقل دمك.... انا مش عارفة الستات بتحبك على إيه؟..... قال وبيعيب على نيازي قال..... دا قمر نيازي بالنسبالك قمر. - إنتي بتكلمي نفسك يا لينا؟ سألتها كاميليا والتي كانت قد أتت منذ قليل، فتوقفت على باب الغرفة، تطالع فعلها باستغراب، إنتفضت على قولها الأخرى لتنهض عن مكتبها على الفور، وتدعي الأدب في مخاطبة رئيستها: - اهلًا حضرتك نورتي المكتب، تأمريني بحاجة يا فندم؟ ضحكت كاميليا متجاهلة الرد عليها، لتخطو نحو غرفة شريكها في العمل مرددة لها بمرح؛ - أنتي مصيبة، وعنده حق طارق في كل عمايله معاكي. قالتها ثم طرقت على غرفة الاَخر، حتى إذا ما وصلها إذنه بالدخول، دلفت وتركتها، ليتغير وجه لينا من الأبتسام إلى كرمشته بحنق مرددة: - قال عنده حق قال؟ دا مدير مفتري. وفي الداخل وفور أن ولجت إليه تلقفها على الفور يسألها بلهفة: -ها يا كاميليا إيه الأخبار؟ وعملتي إيه في جلستك، رضيت القاضية بطلاقك؟ تبسمت تجيبه بإشارة بيدها تدعوه للتروي حتى تجلس أولا، فصاح بها بنفاذ صبر: - ما تقولي بقى وريحي قلبي، إيه اللي حصل؟ ردت بابتسامة مستترة: - جرا إيه يا طارق مش قادر تستنى ثواني؟ هتف بنزق: - لأ مش قادر قولي بقى. تنهدت بارتياح يغمرها لتريح قلبه هو الاَخر: - الحمد لله يا سيدي، المحكمة نصفتني وادتني حريتي. - بجد؟ تفوه بها بعدم تصديق وهو يسقط بجسده على الكرسي المقابل لها، ليردد بعدها يبتغي التأكيد: -يعني الست القاضية حكمتلك بالطلاق وخلاص خلصتي؟ يعني مفيش كارم وبح على كدة؟ أطلقت ضحكتها بصوت عالي يدهشها إلحاحه، لتردد بالإجابة مرة أخرى كي تريحه: - والله خلصت خلاص، وزي ما انت بتقول كدة بالظبط، بح الأستاذ كارم. تنهد يعود برأسه للخلف يغمض عينيه ويتنفس الصعداء اَخيرًا، وكأنه عاد من سباق مجهد مع الخيل وليس البشر العادين. طالعت هيئته بتأثر بالغ، تعقب: - ياه يا طارق، هو لدرجادي المشوار دا كان تاعبك أوي كدة؟ هتف بها بانفعال حارق: -دا كان قاهرني مش تاعبني، لدرجة اني لحد الآن خايف لتكوني بتهزري والخبر دا مش حقيقي. شهقت تقول بمرح: - ليه يا عم؟ هو انا عيلة قدامك عشان العب بأعصابك كدة؟ إطمن يا سيدي. أومأ برأسه يقول متبسمًا: - الحمد لله، كدة يبقى انتي ملكيش حجة بقى، تكملي شهور العدة يا قلبي ونتجــ وز على طول منستناش يوم زيادة، ولا استني صحيح انتي ملكيش عدة على حسب ما اعرف. قالها وانتبه على فتور ابتسامتها وقد ظهر على وجهها التردد، فهتف يطرقع بأصابع يده أمامها: -إيه يا حلوة سرحتي في ايه؟ فوقي لنفسك يا ماما، إنتي المرة دي معندكيش إختيار غيري، دا عافية وفرض أمر واقع عشان تبقي عارفة. ضحكت على مزحته الاَخيرة، فقالت بتخوف: - بس انت عرفت باللي حصل لماما يا طارق، يعني ممكن انا كمان.... قاطعها بحدة غاضبًا: - وأفرضي يا ستي لا قدر ربنا اختبرك زيها، تفتكريني راجل دون يعني عشان اتخلى عنك؟ انتي ليه مصرة انك تزعليني منك يا كاميليا؟ هزهزت برأسها تقول بتعب: -والله ما عايزة أزعلك بس متزعلش مني يعني... إنت سايب ابنك بعيد عنك وفي بلد تانية يا طارق. قالت الاَخيرة بخجل قابله هو باستنكار يُفاجئها بقوله: - مش إبني يا كاميليا، مش ابني يا مجنونة. طالعته باستفهام، فاستطرد لها: -علاقتي بوالدته كانت في سنة رابعة جامعة في كندا هناك، كنت فاكر نفسي بحبها ولما خلفت الولد كتبته بإسمي وسيبت اهلي يربوه، عشان احنا كنا صغيرين ع التربية والمسؤلية، وكنت على استعداد اتجوزها لكن هي كانت بتأجل من غير سبب، بس المفاجأة بقى حصلت لما الولد اتصاب بمرض وراثي، اضطرني اعمل تحليل dna ، عشان اكتشف خيانة والدته ليا مع زميلها في الشغل، ساعتها كان أهلي اتعلقوا بالولد ومردويش يخلوني احرمهم منه، او اديه لوالدته اللي كانت سيباه أساسًا... قطع ليميل برأسهِ نحوها يردف بتشديد: - عرفتي بقى يا ستي موضوع الولد؟ اهو انتي لو كنتي صبرتي كنت هحكيلك لوحدي، مش انا اللي اسيب ابني بعيد عني يا ست كاميليا، بس دا لما يكون إبني. ❈-❈-❈ بمنتهى الجدية كان يمارس عمله الجديد الذي تسلمه حديثًا، رغم الصعوبة الشديدة التي واجهها في البداية لاستيعاب هذا الكم الهائل من المعلومات الحديثة عليه، هذا نتيجة لعمله منذ بداية تخرجه في مجالات أخرى بعيدة عن عمله الأساسي نظرًا لظروف المعيشة وانعدام الفرص أمامه، ولكن بالتدريب مع ذكائه الفطري رويدًا رويدًا أصبح ينجز وينهي في أقل الأوقات، فما أجمل من أن يتولى الفرد العمل في المجال المتخصص به او يحبه. انتبه فجأة على طرق باب غرفته، فهتف بصوته لمن يقف خلفه: -إدخل. قالها ورأسهِ منكفئة بتركيز على إحدى الملفات أمامه، لترتفع عينيه فجأة على الصوت الناعم رغم قوته: - ممكن أدخل يا فندم. تبسم قليلًا يطالع وجهها البهي ويتشرب مشهد ابتسامتها التي تسلب لب قلبه في مرة يراها بها، ليومئ لها برأسه قائلًا: - بيتك ومطرحك يا فندم، مستنية إيه؟ تقدمت لداخل الغرفة تدعي الخجل بخطواتها المتأنية أمام أنظاره المتابعة لها بتسلية، لتجلس أمامه قائلة بأدب: -متشكرة أوي يا فندم على زوق حضرتك. رد يدعي الرسمية هو الاَخر: -الله يحفظك يا هانم، نورتي مكتبي المتواضع. هنا ضحكت بصوت عالي معقبة على قوله: -بسم الله ما شاء الله، متواضع دا إيه يا عم الحج، دا أكبر من مكتب والدي وقت ما كان مستشار. ردد ضاحكًا هو الاَخر: - الله الله انتي جاية تقري على جوزك ولا إيه يا ست انتي؟ ردت بدفاعية: -أقر ازاي يعني وانا مكبرة من الأول، بس اقول الحق، إنت لازم تغير، المنصب حلو برضو ولايق عليك بصراحة. أومأ برأسهِ يقول لها: -هو حلو ومختلفناش، بس بصراحة الشغل كتير اوي ويهد الحيل، انا مش عارف إللي اسمه كارم كان نوعيته، انا لحد الاَن مبقدرش اَأدي نص اللي بيعمله، رغم ان طول عمري متعود ع الشقا. رددت تخاطبه بتحفيز: - شوية شوية يا قلبي وانت تبقى أحسن منه كمان، إنت لسة في البداية وعندك ميزة الإجتهاد، بس بقى لو كمان تقدر...... توقفت ليسألها باستفهام على الفور: - أقدر على إيه؟ تبسمت تجيبه بخبث: - متزعلش مني، بس انت ناقصك بس الرياضة وتنظيم الوقت وانت ساعتها تبقى ممتاز، ما هو كارم دا إيه، بني زي كل البني أدمين، بس هو حسب معرفت عن تربيته العسكرية، يعني كان ماشي بالمسطرة، ودي حاجة على قد ماهي صعبة بتبقى حلوة في نتايجها، بس طبعًا من غير ما نلغي مشاعرنا ودا الأهم. لعب حاجبيه بعبثية لينهض عن مقعده يردد خلفها: - طب وبمناسبة المشاعر بقى يا جميل، مشتاقتيش كدة ليوم من ايام شهر العسل اللي رجعنا منه عشان نتسحل السحلة المنيلة دي. ضحكت بصوت عالي فور أن شعرت به يقترب منها، لتنهض عن مقعدها هي الأخرى، تقابله بقولها: - خلي بالك يا استاذ، انت في مكان شغل، يعني أي غلطة محسوبة عليك. هددها بالاقتراب أكثر ممازحًا قبل أن يُغير ويتجه للجلوس على الكرسي المقابل لها، ثم قال متنهدًا: - بو هنتكلم جد، بصراحة مكنتش اتوقع اني يجي اليوم ووافق فيه إن اشتغل في مجموعة الريان، دا كان من رابع المستحيلات قدامي، حتى لما عرض عليا الشغل ده كنت ناوي ارفضه رغم إلحاحك انتي وزهرة. - طب وإيه اللي خلاك وافقت؟ سألته بفضول وكانت إجابته: -حسيت إني برفص نعمة ربنا لو رفضت فرصة زي دي عشان أفكار غبية في راسي، هو لو مكنش شايفني كفء مكنش هيطلبني في حاجة كبيرة زي دي، وانا لو مجتهدتش عشان اثبت نفسي في فرصة زي دي، ابقى فعلًا مستهلش الفرصة. صمتت قليلها تستوعب كلماته قبل أن ترد بإعجاب: -انا دلوقتي بس عرفت سر استمرار جاسر الريان، لأنه لما اختارك، شايفك بعين خبير، مش كقريب لمراته إللي بيحبها، رجل أعمال على حق. ❈-❈-❈ - سيادة المدير فاضي ولا اخدها من قاصرها واجي في وقت تاني؟ قالتها زهرة وهي تقتحم عليه غرفته هي الأخرى عقب عودتها من موعد الطبيبة النسائية، نهض لها على الفور يستقبلها مقبلًا وجنتيها قبل أن يتناول كفها ليساعدها على الجلوس على الاَريكة الجانبية بالغرفة مرددًا بسرور: -حتى لو مش فاضي يا ستي افضي نفسي، هو احنا نطول؟ بس انتي جيتي ازاي لوحدك يا مجنونة؟ ولميا هانم سبتك ازاي أساسًا؟ ضحكت تجيبه وهي تعتدل في جلستها بوضع الوسادة خلف ظهرها لتستريح عليها جيدًا من الخلف: -لا اطمن يا حبيبي، هي مسبتنيش ولا حاجة، دي وقفت بس تسلم على واحدة عميلة شافتها هنا صدفة في الشركة وطلعت صاحبتها باين ولا إيه، دي حتى عرفتنا على بعض وخلتني أسلم عليها، بس انا استئذنت منهم وكملت طريقي ع الأنساسير عدل، بصراحة معنديش القدرة للوقوف معاهم الدقايق دي. أومأ لها بهز رأسهِ لتردف بسأم: -بس بصراحة انا زهقت يا جاسر من رعايتها المبالغ فيها دي، كل الستات بتحمل على فكرة وبيتشغلوا وبيعملوا كل حاجة، محدش بيخاف الخوف ده. ردد معقبًا بسخرية: -ما هي مش كل الناس عندها ندرة في العدد زينا يا روح قلبي، دا انتي مبتشوفيش والدي لما بيقعد يوصيني كل ما يشوفني، نفسه البيت يتملي بالاطفال، وبيقولي الأمل فيك إنت ومراتك، انا متكل على الله وعليك فيها دي... توقف ضاحكًا ليتابع: - الراجل بيفكرني على طول بعبد المنعم مدبولي في ريا وسكينة. شهقت مرتعبة رغم ابتسامتها: - يا لهوي عليا وعلى سنيني، دا انا على كدة وبنهج من التعب يا جاسر، هو انا فيا حيل للخلفة تاني، انت بس ادعيلي انزل اللي تاعبني ده ومطلع عيني بالسلامة والف شكر على كدة، هو عم عامر متفائل أوي كدة ليه ؟ -يا ستي ما تسبيه يتفائل، ما احنا برضوا قدها وقدود . صاح بها جاسر يضحكها قبل أن ينهض من جوارها قائلًا: - تحبي اطلبلك عصير ولا حاجة تاكليها على ما تيجي الست الوالدة؟ -متطلبش حاجة يا جاسر، احنا مش هناخد من وقتك كتير أساسًا. قالتها زهرة ليسألها على الفور - اه صحيح انتي مقولتيش، هو انتوا جاين النهاردة عندي ليه؟ ردت وهي تميل لتتكئ على ذراع الاَريكة بمرفقها نحوه: -ما احنا روحنا لميعاد المتابعة مع الدكتورة يا روح قلبي، ولا انت ناسي تاريخ النهاردة؟ ضر.ب بكف يده على جبهته ليرد بتذكر: -اَه صحيح.... دا انا نسيت والله والشغل خدني، وإيه الأخبار بقى؟ قال الأخيرة وهو يعود للجلوس بجوارها مرة أخرى، ردت بدلال يشوبه العتب: - لا واحنا نقولك ليه بقى؟ مدام نسيت خليك يا حبيبي مشغول مع نفسك، واحنا كمان نقوم نروح. قالتها وهمت لتنهض مستندة بكف يدها على ذراع الاَريكة، فقمع بجذبه لكفها الأخرى الحركة التمثيلية من بدايتها بقوله لها: - اقعدي بقى يا ست انتي ببطنك المنفوخة دي، هو انتي هتعمليها بجد ولا إيه؟ استسلمت له لتردد بمكر تدعي الجدية: - ما انت لو مهتم كنت هتعرف لوحدك من غير ما حد يقولك. توسعت على ثغره إبتسامة مرحة مستمتعًا بمناكفتها اللذيذة على قلبه، ليرد اَخيرًا على مزاحها: -حلو اوي شغل الستات ده، إديني منه كتير بقى، عشان انا بصراحة بستمتع بالحاجات دي. برقت عينيها لتعقب على قوله بحماس: -بتحب شغل الستات يا جاسر، طب تحب اديك بقى حبة بلدي كمان ونفرش الملاية هنا، وبلاها بقى شغل بلا قرف. ضيق عينيه ليردف بادعاء الغضب وهو يلكزها بخفة على ذراعها قبل أن ينهض من جوارها: -انتي باين الغزالة رايقة معاكي، وانا راجل غلبان وعندي شغل متكوم يا ست يا كسلانة انتي، ولا وكمان عايزة تفرشيلي الملاية، دا على أساس إني مدير سكة ومبهتمش بشغلي، إيه الستات دي؟ اردف بالكلمات وهو يلملم أشياءه الخاصة من فوق سطح المكتب مع أغلاق الحاسوب وبعض الملفات التي كان يتناولها ليضعها في الخزنة الأليكترونية المخصصة لها، قطبت مندهشة تسأله: - طب انت بتقفل الملفات ليه؟ التف يجيبها بمرح: -ما انا هخدك ونروح بيتنا عشان نفرش الملاية براحتنا مش انتي قولتيها بنفسك، بلا شغل بلاقرف. ضحكت بصوتها العالي تردد: - قول كدة بقى، أن انت واخدها حجة عشان تزوغ من شغلك، بس يا خسارة يعيني انا مضطرة ازعلك واقولك أننا مش مروحين البيت . توقف عما يفعله ليتكتف بذراعيه ليسألها بتعجب يشوبه الإنزعاج: - ليه بقى؟ وعلى فين العزم ان شاء الله كدة؟ ضحكت بتسلية فانفعاله السريع بحمائيته، دائمًا ما يثير داخلها دغدغة من البهجة، فردت لتزيد من غيظه: - انا خارجة مع طنت لميا رايحين مشوار كدة يعني. - مشوار إيه يعني يا زهرة؟ فهميني بقى وانجزي. صاح بها من محله، فاستسلمت لتجيه متجنبة غضبه: - رايحين خطوبة بنت عمتي يا جاسر على إمام، حتى دي نسيتها يا راجل؟ أغمض عينيه يطرق بأطراف أنامله على جبهته عدة لحظات قبل ان يقول متفكهًا: - لا انا كدة اشوفلي حل بقى مع الذاكرة، دي بقت نيلة خالص. ضحكت لتعود بعدها تخاطبه بشفقة: - سلامتك يا حبيبي ولا يهمك، اكيد بس زحمة الشغل هي اللي واخدة عقلك، لكن هو خالي مش بيساعدك يا جاسر؟ أكيد طبعًا هو مش زي المدعوق اللي اسمه كارم. - مين قالك كدة بقى؟ تفوه بها ثم عاد ليجلس على الطاولة التي أمامها ليتابع: - على فكرة يا زهرة، خالد ما شاء الله عليه بيتقدم بسرعة رهيبة في الفترة القليلة دي، انا ضاغط نفسي شوية كدة بس على ما يستوعب ويندمج، وانا بقولك اهو خالد هيبقى احسن من كارم وهيبقى دراعي اليمين في المرحلة الجاية، ودا مش عشانك لا والله، انا بتكلم بعين خبير، خالد كان محتاج بس الفرصة. ردت معقبة على كلماته: -وانت حققت حلمه بالفرصة، ربنا ما يحرمني منك يا جاسر. اعترض رافضًا قولها: - يا زهرة افهمي بقى، بقولك مش عشانك، انا شوفت شغل خالد وعارف امكانياته، يعني مش واسطة هي.. أومأت رأسها بتفهم ليردف لها: - طب مدام فهمتي يبقى قومي معايا عشان اوصلك انتي والست الوالدة وبالمرة اروح معاكم عند خطوبة إمام. سألته بعدم تصديق: - معقولة يا جاسر، يعني انت هتروح معايا بجد؟ أومأ بوجه جاد وهو يساعدها على النهوض: - طبعا يا ست زهرة، إمام دا يبقى الراجل بتاعي وعشرة سنين في الحراسة بكل أمانة، يعني ان ماكنتتش افرح انا بيه في يوم زي ده، مين بقى اللي يعملها؟ هللت بفرحة: - ايوة كدة، ربنا يخليك يا روح قلبي، اصل بصراحة كدة كنت عايزة أفاتحك من الأول ع المشوار ده، بس كنت مكسوفة اقولك. - رمقها باستغراب ليردف لها: - وتتكسفي ليه بقى يا ست زهرة؟ دا الحارس بتاعي ودا حفل خطوبته على بنت عمتك، أيه الكسوف في كدة؟ صمتت قليلًا وقبل أن يهم بفتح باب غرفة المكتب، ردت تجيبه: - إنت اتغيرت قوي يا جاسر، واللي يشوفك دلوقتي ، ما يصدقش أبدًا هيئتك القديمة بتكشيرتك اللي كانت تخوف، ولا حواجبك اللي كانت مقلوبة دايمًا، إنت بقيت واحد تاني يا حبيبي.. صمت يطالعها بتفكير قبل أن يقول بنتهد: - وليه متقوليش إن دا وشي الحقيقي، اصل بصراحة يعني على ما أظن، انا عمري ما كنت ظالم ولا اتعديت على حد، أو حتى جيت على موظف عندي، كل اللي الحكاية اني كنت دايمًا غضبان ومخنوق وشكل الحياة كلها متفرقش معايا، فشئ طبيعي يعني إني ابقى مكشر بحواجب مقلوبة، ويتغير كل ده، حتى وشي يبقى بشوش، بعد ما لقيت راحتي مع حبيبة قلبي. أسعدتها الكلمات فلم تجد أمامها سوى أن تقبله من كتفه المحازي لها تردد له بامتنان: - ربنا يجعل أيامك كلها فرح وراحة يارب. بادلها بقبلة على وجنتها وبقوله: - وانتي ربنا يخليكي ليا وميحرمني منك أبدًا. ❈-❈-❈ في شقة شعبان كان الحفل كما قرره الخطيبان عائلي ومحدود بعدد أفراد العائلتين والجيران والأصدقاء، غادة التي تزينت برقة أظهرت وجهها الحقيقي ذو الملامح الجميلة المحددة، أما إمام والذي تخلي عن حلة العمل السوداء، ليرتدي حلة شبابية جديدة، رغم عرض جسده الضخم بهيئته كحارس شخصي، ولكنه اليوم كان أقرب ما يكون إلى هيئته المعروف بها في وسطه وبين افراد حارته، برنس الحتة، كما يُلقبونه نظرًا لمكانته وهيبة اكتسبها باحترامه لنفسه ولقوة جسده التي لا يستعملها سوى في الخير، حتى يعيد الحقوق لأصحابها، أو تأديب من يجرأ ويفتري بالظلم على غيره. فرحته اليوم كانت طاغية على مشاعره بكل المقايس، بعد أن هدى الله إليه غادة، وانزاحت عن عينيها الغاشية التي كانت تفقدها المقدرة على الرؤية الجيدة للأمور وعدلت عن هذا الطريق المؤذي، لتتغير وتصبح بقدرة قادر أجمل مما كان يتخيل. - إيه بتبصلي كدة ليه؟ فوق يا حبيبي كدة واصحالي. سألته بابتسامة ما أجملها لتخرجه من شروده، فتبسم يقترب برأسه منها ليهمس متفكهًا بغزل: -لا انتي النهاردة متسألنيش خالص، وسبينى كدة مع نفسي اسرح على كيفي، حد يبقى جمبه القمر وميسرحش برضوا؟ ردت بابتهاج قلبها مع كل كلمة غزل تخرج منه إليها: - بتعرف تثبني كويس قوي، ودا خطر على فكرة، عشان عيلة وبشبط في الكلام الحلو، يعني هتتعب قوي معايا لو سهيت في مرة وكسلت، انا بقولك اهو . توسعت إبتسامة خبيثة على وجهها حتى أظهرت أسنانه البيضاء، ثم قال يوجه كلماته بمغزى: - لا اطمني قوي من الناحية دي، انا شغلتي الكلام الحلو، خصوصًا لما يكون طالع من قلبي للقمر اللي يستاهله.. اخجلها حتى خبئت بكفيها على وجهها لتضحك بسعادة مندمجة في حديث الهمسات معه. ومن ناحية قريبة كانت إحسان جالسة بجوار رقية وسمية وبناتها، يبدو على وجهها الضيق بشكل فاضح، حتى اضطر رقية على مشاكستها: - يا ختي وانتي قالبة وشك كدة ليه؟ جرا إيه يا ولية دي خطوبة بنتك. التفت إليها بوجه مكفهر تدعي عدم الفهم، رغم سماعها الجيد للكلمات: - نعم يا خالتي، هو انتي كنتي بتكلميني؟ ردت رقية بلؤم على قولها: -سلامتك يا روح خالتك، انا بس كنت عايزة انبهك يا ختي ع الأصول، أم العريس واخته اللي سيباهم يرقصوا ويهيصوا مع الجيران وحبايبهم لوحدهم، مش انت اولى برضوا تبقي معاهم في اللحظة دي، حتى يا ختي عشان بنتك، أو ع الأقل تحسسيهم بترحيبك. التفت إحسان نحو المذكورين تطالع رقصاتهم والفرحة التي تعلو وجهوهم بالغيظ، فضغطت تخرج الكلمات بصعوبة: -إنتي قلتي بنفسك انهم بيرقصوا ويهيصوا، يعني مش محتاجين ترحيب أساسًا، دول بيتعاملوا معايا وكأنهم أصحاب بيت سيبك منهم يا خالتي ومتشغليش نفسك انتي. قالتها والتفت عن رقيقة التي كانت تمتم بكلمات الأستغراب والتعجب من فعلها، لتنتبه على وجه دلوف زهرة ومعها زوجها ووالدته لمياء، متوجهين نحو العروسين بالتهنئة والتقاط الصور التذكارية بكل سعادة معهم، لتفاجأ بعد ذلك بمجئ كاميليا ومعها طارق ليفعلا نفس الفعل معهما بشكل أظهر قرب علاقة قريبة بين الإثنين، للتمصمص بشفتيها تغمغم بحقد: - يعني سابت ابن اللوا عشان تلبد في اللي أحسن منه.. أوقفت ترمي بنظرة نحو ابنتها وعريسها الهُمام لتكمل حديث نفسها: - وبت الجزمة دي مسكت في الحارس واكن الدنيا مجابتش غيره .... مصمصت مرة أخرى لتختم بقولها: - أرزاق. الفصل السابع والستون داخل قفصه المُحكم بالسياج الحديدية كان يستمع ويتابع مبهورًا لمرافعة هذا المحامي الغريب، والذي أتى له منذ عدة شهور كنجدة من السماء، ليُخصله من العديد من القضايا بفضل دهائه الغير عادي في تشتيت المحكمة وإدخال العديد من الشهود الذين يشهدون فقط لصالحه، وإن لم يوجد، فهو يشكك في الشهادة الحقيقة للآخرين، لقد أصبحت الجلسات إليه كحلقة تلفزونية ممتعة وتستحق المتابعة الجيدة حتى تنتهي، ولماذ لا يفعل وقد تمكن الرجل من تخفيف الحكم في قضيته مع جاسر الريان بفضل تلاعبه المتقن إلى أقل عدد من الشهور وقد احتسبت منها المدة التي قضاها في سجنه أثناء المحاكمة، وها هو الآن يأتي بشهود اَخرين في قضيته مع التافه محروس، فقلبت الأوضاع بالأقوال الجديدة التي شككت في صحة اعترافات الصبي الذي كان السبب في سجن المحروس وبعد ذلك وبمساعدة من جاسر كان السبب في برائته أيضًا باعترافه، والذي اصبح لا قيمة له بما يراه الاَن بقول الشهود الجدد، والتي شككت حتى في عقلية الولد، كما أنه ادخل أشخاص جدد ليعترفوا على الشاب وعلى أنفسهم أيضًا انهم مشتركين معه في الإتجار واللعبة التي لعبها على محروس، وبراءة العم فهمي صنارة من هذا الفعل الشنيع. ابتسامة بلهاء كانت تعلو قسماته وهو يتابع دارمية الرجل الذي أخذته الجلالة في الدفاع عنه وعن الظلم الذي تعرض له والإتهام الباطل له بأنه تاجر مخــ درات، لم يراها في حياته بل أنه تفاجأ بها كغيره، بعد أن لفقت له القضية كما يذكر الرجل. رفقي نحاس هذا هو الشئ الوحيد الذي يعلمه عنه وهو إسمه، والذي اصبح مصدر فخر له بين اقرنائه في المحبس، وذلك لمكانة الرجل وشهرته الذائعة الصيت في هذا المجال، بالإضافة إلى الإشاعات التي تتواتر على أسماعها بشأن الأجر الخيالي الذي يتلقاه في كل قضية يتولاها، وهو لم يدفع منهم شئ، منذ أن هبط عليه وتولى جميع قضياه، إلا أنه كلما يسأله عن أجره او من هذا الذي تطوع وأتى به إليه، يفاجئه الرجل بقوله: - إنتظر حتى ننتهي من كل شئ، وستعلم كل ما تريد معرفته وقتها. ومهما ألح عليه لا يعطيه قول مفيد، فلا يملك سوى الأنتظار، بالظبط كما ينتظر الاَن لقرار القاضي الحاسم بعد انتهاء المرافعة وشهادة الشهود، ينتظر هذه الأوقات القليلة مع نظرة مطمئنة يرسلها إليه الرجل، قبل أن يلتهي عنه بمكالمة تليفونية ليخرج بهاتفه إلى خارج قاعة المحكمة، فلا يدخل إلا بعد عودة انعقاد الجلسة بعودة المستشارين والقاضي الذي عقدها، ليردف ببعض الكلمات الثقيلة على إستيعاب عقله المتواضع، ثم يبدأ في إصدار أحكامه على عدد من الافراد معه في القفص، حتى إذا وصل لإسمه ذكر بعض الكلمات باللغة الفصحى لم يعرف منها هو شيئًا، لكنه رأى التهليل والمباركات على وجوه صبيانه وابتسامة واثقة رمقها بها هذا الرجل المدعو رفقي، جعلته يشعر ببعض الإطمئتان رغم عدم فهمه لشئ، ليظل على فضوله حتى انتهت جلسة الحكم، ف أتأه هذا الرجل المغتر مع عدد من صبيانه الذين التفوا حوله للتهنئة والمباركة، تجاهلهم جميعًا ليسأل الرجل على الفور: -مقولتليش يا سيدنا، هو انا اخدت إيه بالظبط؟ العيال بتباركلي وانا مسمعتش البراءة دي خالص! تبسم يجيبه الرجل بمكر: -القاضي احتار يديك إيه بعد وزعنا القضية على كذا اتجاه، إنت خدت سنة مع وقف التنفيذ يا فهمي ههه. ضحك فهمي يبادل الرجل المرح، ليسأله مرة أخرى بإلحاح: -يعني كدة براءة يا سيدنا، ولا برضوا السنة دي هتفضل معلقة في قفايا ولا إيه يعني انا مش فاهم؟ كظم رفقي غيظه من غباء الآخر، فقال على عجالة وهو يتحرك للذهاب من امامه: -تقدر تحسبها براءة، المهم انك هتطلع من السجن، وابقى راعي لنفسك بقى عشان ما توقعش تاني ويتجمع عليك القديم والجديد، يالا بقى سلام. - طبعا امال ايه نراعي نفسنا، هي دي شغلانة. تفوه بالكلمات فهمي وهو يتابع الرجل الذي كان يغادر من أمامه نحو باب القاعة المكتظة بالاعداد الضخمة من البشر، مع الصخب الدائر بأصواتهم، فالتف إلى احد صبيانه يتابع حديث نفسه المبتهجة قبل ان يلتقطه حارس القفص ليخرج به: -ولله وهترجع امجادك يا فهمي، ونخرج للبشر اللي مستنيانا ، حلاوته. ❈-❈-❈ بجوار تختها الطبي المستلقي عليه جسدها الهزيل بعد عودتها من جلسة العلاج الكيميائي الصعبة، كانت كاميليا جالسة وتدلك بأناملها على كفها تنقل إليها الدعم والمؤازرة، وهي تبتسم إليها بحب وامتنان، لا تصدق ان برغم كل ما فعلته من خطأ، لم تتركها ابنتها او تتخلى عنها كما فعلت هي سابقَا. -جرا إيه يا جماعة، بلاش الحزن دا بقى وفرفشي كدة يا طنت نبيلة، خلي البت دي تفك خلقتها المقلوبة كدة بدل ما اطفش منها، انا راجل فرفوش ومحبش النكد . هتف بالكلمات طارق لتشيعه المرأة بنظرة مرحة مع قولها: -تسيب مين يا ولا؟ هو انت تقدر توارب حتى عنها، طب اعملها كدة وخليني اشوف . هلل يجيبها بتراجع على الفور وهو يجلس على الكرسي بجوار كاميليا: -لا لا تشوفي إيه؟ قلبك ابيض يا ستي، هو انا اقدر افكر حتى في غيرها، دي حبيتي وربنا ما يحرمني منها دي. قال الأخيرة وهو يتناول كف يدها ويقبلها، اشرق وجه نبيلة بالضحكات رغم الشحوب، وهي تشاهد تجعد وجه ابنتها بالضيق لمشاكسة خطيبها الدائمة لها بجراته المعهودة، لتهتف بوجهه: -يعني هي خلاص ضاقت عليك يا طارق مش لاقي مكان تقعد فيه غير الكرسي اللي انا قاعدة عليه؟ الأوضة فيها اتنين تاني غير الكنبة. عقب هو على قولها ببساطة: -اه يا حبيبتي في، بس انا هلاقي راحتي فين؟ انا بقعد في المكان اللي برتاح فيه. - والله. قالتها وهمت لتلتف بجذعها فمنعها ضيق المساحة، لتكمل بغيظ: -وهي الحشرة دي فيها راحة برضوا يا طارق؟ مال بجسده يلف ذراعه حول كتفيها ليرد بغبطة: -اوي، تعرفي المسرحية القديمة دي بتاعة الأبيض والأسود لما الممثل دا اللي اسمه أمين الهنيدي لما يكون بيقولها كدة بالفم المليان: - انا مبسوط كدة، انا مستريح كدة. على قوله لم تقوي كاميليا على منع ابتسامتها، ازدادت ضحكات نبيلة لتردف إليهما: -طب ولما هو كدة يا عم انت، ما تتــ جوزوا بقى، مستنين إيه. شهق طارق بصوت كوميدى جعل كاميليا تنفجر في الضحك المكتوم ليهتف بمسكنة: - انتي بتقولي لمين يا ست انتي الكلام ده؟ انا لو عليا اتــ جوز امبارح مش النهاردة، بنتك المفترية اللي لازقة جمبي دي هي السبب، هي اللي حاطة العقدة في المنشار، انا سألت واتأكدت ان ملهاش عدة وينفع نتــ جوز على طول، إنما هي بقى مأجلة ليه؟ أسأليها كدة يا حماتي والنبي، شوفي كدة هتقولك إيه؟ سمعت منه نبيلة لتتوجه سائلة نحو ابنتها: -إيه يا كاميليا؟ إيه اللي مخليكي مأجلة حبيبتي؟ ظلت على وضعها المذكورة لعدة لحظات تحاول وقف الضحك حتى تتمكن من الإجابة، ووجها اصبح قطعة حمراء، لتردف اخيرًا بصعوبة: -عدة احترازية. -إيه؟ تفوهت بها نبيلة سائلة ليشير لها طارق بطريقة كوميدية جعلت كاميليا ترد بدفاعية رغم الضحك المكتوم: -عدة احترازية يا جماعة الله، انا اصريت عليها قاصدة عشان ع الأقل نعمل فترة خطوبة، خلاص الوقت راح يعني؟ دول كام شهر قليلين مش مستاهله ردد خلفها ساخرًا: -كام شهر ومش مستهله! خدتي بالك يا حماتي، بتقولك مش مستاهله بكل بساطة، عشان لما اقولك عنها انها مفترية تصدقيني. -صدقتك يا حبيبي، وعذراك من زمان والله. قالتها نبيلة برقة لتدعمه، ليرسم على وجهه البراءة والمسكنة، فلا تستطيع الأخرى التوقف عن ضحكاتها وهو يناكفها باستمتاع يدخل في قلب المرأة البهجة، حتى تحول كل ذلك مع استدراكها لوضعها، فقالت بجدية خلت من العبث: -حاولي يا حبيبتي تقربي الميعاد، عايزة اللحق افرح بيكي، لميعادي يسبق قبل ميعادك. انتفضت كاميليا بارتياع لتهتف بعدم احتمال: -إيه اللي انتي بتقوليه دا يا ماما؟ حرام عليكي ماتوقفيش قلبي من الخوف، انتي هتعيشي وتشيلي ولادي وولاد اخواتي كمان، بلاش التشاؤم دا، لأنه غلط على فكرة. أكمل على قولها طارق: -فعلًا يا حماتي، انا اعرف ان الإرادة في الحياة عليها اكبر جزء في محاربة المرض وهزيمته، انتي تقدري أكيد، ما هو مش معقول يعني اللي جمبي دي، تكون جايبة قوتها وإصرارها دا من الهوا كدة. استجابت لمزاحه نبيلة لتعود ابتسامتها مع القول: -كاميليا دي خدت أحلى الصفات مني وسابت اوحشها، ربنا يحرسها، والدها كمان كان لو فضل كبير في زرع الطيبة والجدعنة في شخصيتها، على رغم كل هدوئه ده لكنه ابدًا ما كان ضعيف. قالتها بنبرة تفيض بالندم، ليخرجها طارق بقوله: -طب معلش يعني يا جماعة في دا السؤال، بس انتوا يعني ليه مصممين إنكم متقولوش لحد؟ ومخلين الأمر وكأنه سر ما بينكم؟ أطرقت كاميليا برأسها صامتة وتكفلت بالرد نبيلة: -السر فيا انا يا طارق، عشان انا اللي رافضة ان حد يعرف، مش عايزة اشوف الشفقة في عيون حد، او اشوف الشماتة في عيون اللي هيقولوا كدة بالفم المليان، دي خدت جزاءها، رغم اني هديهم الحق وقتها على فكرة، زي ما انا عارفة ومتأكدة كمان إن والد كاميليا عمره ما هيسبني لو عرف عشان اصله الطيب وكرم أخلاقه، بس انا برضوا مش هرضهالوا. أوقفت لتختم بتنهيدة طويلة خرجت من العمق، وخيم الصمت على ثلاثتهم بتأثر، قبل ان يقطعه طارق، بقوله: -بس انتي مهما اختفيتي ولا خبيتي نفسك عن الناس، أكيد هتحضري فرحنا، مش كدة برضوا. مرة أخرى نجح في نزعها من الكاَبة لتندمج معه في مرحه، وقالت بعيون تلألات بالقلوب الحمراء: -دا هيبقى أحلى يوم في حياتي، واوعى تفتكر إني هحضر كدة بلبس عادي ولا أي كلام، لا يا حبيبي، دا انا لازم البس وابقى قمر، عشان اغلب البنت دي اللي قاعدة جمبك، او ع الأقل يقولوا إن العروسة طالعة لامها. - يا ولد. هتف بها طارق بإعجاب شديد ليتابع: -اقسم بالله انتي قمر من غير مكياج يا شيخة، دا إيه اللذاذة دي. سمعت منه لتحرك اكتافها بدلال مع ابتسامة رائعة، ارتدت على ابنتها بالفرح، وعلق طارق: -وكمان دلوعة يا ناس دا أنتي عسل.... توقف ليقترب منها هامسًا: - بقولك إيه، ما تعلمي البت اللي جمبي دي ينوبك ثواب يا شيخة. قالت كاميليا من خلفه متصنعة الغضب: -سمعاك على فكرة التف إليها يغيظها بنظرته، فردت نبيلة بمكر: - ومين قالك بقى إن البت دي مش دلوعة يا حبيبي؟ دي بلوة مسيحة. -ماما. هتفت بها كاميليا بنظرة محذرة، لم تعيرها نبيلة اهتمامًا لتكمل لهذا الذي كان يستمع إليها بشغف: -هي بس تلاقيها مكسوفة منك، عشان كدة مصدرالك الوش الخشب، إنما استني انت كدة على ما تتجــ وزها، وانت تشوف الهنا كله. - يا ماما. صاحت بها لتوقفها، بوجه تلون بالخجل الشديد، فالتف برأسهِ إليها الاَخر يناظرها بأعين تفيض بالعبث وهو يقول: -ما تسيبي الحجة تقول وتتكلم، دي بتقول حكم .والله حكم. ضحكت على قوله نبيلة ورد فعل ابنتها التي فاض بها منهما فهتفت حانقة وهي تتناول هاتفها لتجيب عن الاتصال الذي ورد إليها نجدة: - انا غلطانة اني لمتكم على بعض... تبادل طارق ونبيلة نظرات خبيثة وهم يتابعون حديثها المقتضب في الهاتف بعد أن نهضت من جوارهم، لتنهي المكالمة سريعًا وتقول بلهفة: - طارق احنا لازم نمشي بسرعة، زهرة بتولد . ❈-❈-❈ يتحامل ويقسو بقوة على الجهاز الذي يُدرب عليه قدمه المصابة لكي يستطيع السير عليها بشكلٍ طبيعي كالسابق فلا يقدر، لقد مر شهر منذ أن توقف عن العلاج العادي بعد العمليات الجراحية، وهو الآن يواظب في التمرينات بشكل دوري، وبإرادة ترفض الإستسلام، حتى لو كان هذا شئ غير مضمون كما اخبره أكثر من طبيب تفحص حالته، يرفض هذا النقص الذي يشعر به حينما يسير على أقدامهِ وهذا العرج الحديث، لذلك هو يجعل خطوات السير على أقدامه دون السيارة في أضيق الحدود، لن يتواني أو يتوقف عن المحاولة حتى العودة إلى السابق. - ربنا يقويك. عقد حاجبيه بعد سماعها من نبرة الصوت المعروفة إليه، فالتف برأسه إليها ليصدق تخمينه وهو يراها واقفة بابتسامتها الناعمة دائمًا، وترتدي ملابس الرياضة، فرد بخشونة رافعًا حاجبًا واحدًا: - ويقويكي يا ستي ألف شكر. قالها ليعود لوضعه السابق، ليتفاجأ بها تلتف لتقف أمامه وتقول: - انا كنت في بتمرن جوا لما شوفتك وانت داخل على صالة الرجالة، مقدرتش أمنع نفسي إني ادخل واكلمك عشان اطمن. -هذا يعني انها رأته وهو يعرج بقدمه. غمغم بها داخله لتفور الد,ماء برأسهِ، فحاول التماسك، ليكتفي بالإيماء برأسهِ إليها، ف تابعت هي: -بس انا شايفاك ما شاء الله يا كارم، ربنا يتم شفاك على خير. فعل نفس الأمر يومئ بعينيه دون صوت، ف اقتربت تسأله بجرأة: - انا أسفة في السؤال يا كارم ومش عايزاك تزعل مني، هو انت انفصالك عن كاميليا؟ كان قبل الإصابة ولا بعدها؟ توقف عما يفعله ليرمقها بأعين مشتعلة لم تؤثر فيها، وتابعت بعدم اكتراث: -بصراحة لو كانت الإصابة هي سبب إنفصالكم، تبقى صاحبتك قليلة الأصل ومتستهلش النعمة اللي كانت في إيديها، وعلى إيه بقى؟...... ما هي لقت البديل أصلًا. قالت الأخيرة وهي تشيح بوجهها عنه بلؤم تداري خوفها من غضبه والذي حدث على الفور بصيحته: -عايزة إيه يا ميرفت؟ انتفضت لتلتف إليه فتواجه هذا الوجه المظلم والنظرة القادرة على إحراق من أمامها، فعبس وجهها هي أيضًا، لتقول بلهجة حاقدة: -انا بس عايزة افكرك إن جاسر الريان معندهوش عزيز، غير صاحبه واللي يجي من ناحية مراته وبس، يعني بذمتك، إنت لو ليك عنده ذرة كرامة، كان قبل بالوضع ده، وانت كنت إيده اليمين واللي شايل المجموعة على اكتافك؟ انا بجد حزينة عليك وع اللي حصلك، إنت ابن أصول وعيلتك مشهورة في البلد كلها، أنا حزينة بجد عليك يا كارم، عشان حقيقي مكنتش أتصور إن دا يحصلك في يوم من الأيام أو إنك تلاقي الخيانة بالشكل المزدوج ده. قالت كلماتها وتحركت لتغادر من أمامه على الفور، حتى تزيد من إحتراقه وغضبه، ليتوقف هو عن كل شى ويشرد بعينيه في نقطة ما في الفراغ، وقد إستطاعت بدهائها النبش في هذه النقطة الحساسة إليه، لتذكره حتى لا ينسى أبدًا، أو يندم فيما يود فعله! ❈-❈-❈ في المشفى الذي امتلأ بعدد الأفراد من العائلتين، خطى الإثنان بداخل الرواق الطويل المؤدي في طريقه نحو القسم المقصود، أوقف طارق إحدى الممرضات وما ان هم بسؤالها، حتى هتفت به كاميليا لتنبهيه: -غادة وخطيبها اهم هناك يا طارق. قالتها لتسرع نحو المذكورين الذين كانا في اَخر الرواق من الناحية الأخرى، تبعها طارق حتى تقابلا أربعتهم في نصف المسافة: -إيه الأخبار؟ سألت كاميليا بعد المصافحة والترحيب، وكان رد غادة: -الحمد لله، ربنا قوم زهرة بالسلامة وجابت نونو زي القمر. -يا مشاء الله. تمتم بها طارق مع كاميليا التي تابعت سؤالها الاَخر بلهفة: -طب هي عاملة إيه دلوقتي؟ اجابتها الأخرى بابتسامة مشرقة: - كويسة والحمد لله، بس هما شوية التعب دول اللي بعد الولادة، لكن هو انتوا كنتوا غايبين فين؟ دي احنا من الصبح معاها هنا. تحمحم طارق يجيب وهو يخفي ارتباكه: -لا ما احنا كنا في مناقصة مهمة برا العاصمة. ومعرفناش غير بعد ما انتهت. تدخل إمام بقوله المرح: - ولا يهمك يا باشا، القسم أساسًا كانت مليان النهاردة، بالحبايب، ربنا يوعدكم انتو كمان . -يارب يا إمام يارب. رددها طارق بتمني من القلب وهو يتبادل النظر مع محبوبته قبل أن يسأل بلهفة -طب هما فين دلوقتي؟ عايزين نلحق ونبارك اشار لهم إمام على الناحية المؤدية للغرفة، قبل ان يعود لخطيبته ليقول بحب هو الاَخر: - وعقبالنا إحنا كمان يا غدودتي. استجابت له بابتسامة خجلة تبدلت فور أن أكمل لها: -ويجازي اللي في بالي. لكزته بقبضتها على ساعده الضخم تنهره محذرة: - ما تقولش عليها كدة يا إمام عشان مزعلش منك . ناظرها بمكر ليسألها: -طب وانتي عرفتي انا بتكلم على مين؟ صاحت بها تجيبه بفطنة: - اَه يا حبيبي، قصدك على أمي، عشان هي اللي مطلعة عينك في طلباتها الزيادة. أومأ لها مضيقًا عينيه يلوح بسبابتيه بطريقة مضحكة: -أديكي قولتيها بنفسك اهو، طلباتها الزيادة، الزيادة أوي، يعني انا لو كشفت راسي دلوقتي ودعيت عليها من قلبي، يبقى عندي حق. تبسمت رغم الضيق الذي يعتريها من الداخل لتأكدها من صدق قوله، مع افعال والدتها المبالغ فيها معه، والتي تقصد من خلفها تطفيشه مع تحديها لها بالتمسك به، ف تداركت لتخاطبه بدلال: -معلش بقى إمام، اتحملها عشان خاطري، ولا انا مليش خاطر عندك. قالتها لترى تأثير كلماتها عليه، وهو يطالعها بابتسامة مبتهجة مع قوله: -عشان خاطرك اتحمل، ولو حكمت أشيلها هي كمان بوزنها التقيل يا ستي. لكزته مرة أخرى لتردف بحزم وابتسامة مستترة: -مينفعش تكمل جملة بنية صافية، لازم تختمها بغلاسة. مالك انت بوزنها؟ تطلع إلى ساعده الذي تلقي قبضتها ليقول بزهو ومناكفة: -انتي كنتي بتزغزغيني صح، أكيد يعني دي مش ضر.بة. اومأت برأسها تضحك غير قادرة على مجارته كالعادة. ❈-❈-❈ في الغرفة الكبيرة التي خف الازدحام بها، طرقت كاميليا على بابها الخشبي بخفة قبل أن تدلف بحرج مرددة التحية، لتركض سريعًا نحو صديقتها بلهفة للاطمئنان عليها، وتبعها طارق بكلماته المرحة: - مساء الفل، جاسر باشا منور هتف بها بصوته العالي فور أن رأه جالسًا بالقرب من زوجته، ليلج لداخل الغرفة بخطوات مسرعة في الذهاب نحوه، وقف له الاَخر يتقبل عناقه والتهنئة بسعادة لم يستوعبها حتى الاَن: -الف مبروك يا حبيبي يتربى فى عزك يارب. -الله يبارك فيكي يا صاحبي، عقبالك -يارب يا غالي يسمع منك يارب، صاح بصوت عالي قبل ان يلتفت للأم موجهًا المباركة أيضًا: -حمد لله ع السلامة يا زهرة. -الله يسلمك يا طارق، عقبال فرحكم انتو وكاميليا. رددتها له بوهن، ليجيب برفع كفيه بحركة مسرحية أثارت الابتسامة على وجه الجميع، قبل أن ينفرد مع صديقه بحديثٍ أخوي في جانب وحدهم، وتندمج هي في الحديث مع صديقتها ورقية بجانبها، وقالت تخاطب الأخرى بعتب - كدة برضوا يا كاميليا، كل الناس في الساعة دي تبقى حواليا إلا انتِ برضو؟ قبلتها اعلى رأسها مرددة بأسف: -سامحيني يا حبيتي، بس انا والله ما كنت هنا في العاصمة أساسًا. طالعاتها عاقدة حاجبيها باستفهام لقطته الأخرى بسرعة، ف اقتربت بجوار رأسها لتهمس: -مش عايزة أعلي صوتي عشان خالتي رقية، انا كنت عند ماما أساسًا. توقفت لترفع رأسها وتقول بصوت واضح هذه المرة: -بس انا بصراحة زعلانة اوي، كان نفسي اشوفك يا زهرة واعرف عملتي إيه ساعتها؟ لم تكد تكملها لتفاجئ بقول رقية المتلهف: - يا ختيي ع اللي عملته، دا انتي فاتك نص عمرك النهاردة قالتها وكان رد زهرة ان رفعت كفيها لتُخبئ وجهها من الحرج، مغمغمة بحنق: -يا لهوي عليا، انا عارفة انها مصدقت. ضحكت كاميليا وهي تتابع قول رقية التي لم تكترث لغضب حفيدتها: - يا ختي صريخها كان واصل لاَخر المستشفى، البت اللي طول عمرها هادية، لو تشوفيها النهاردة وهي ماسكة وبتشد في جوزها بغيظ وكأنها عايزة تاكله.... قاطعتها على الفور زهرة من تحت كفها: -والنعمة يا رقية، لو ما بطلتي لازعل منك بجد. مشهدها أثار الفضول لدى لكاميليا لتعلم ببقية الحديث فسألتها بلهفة: -لهو انتي دخلتي معاها اوضة الولادة. أجابتها على الفور لتقص عليها ما حدث: -اه يا ختي امال إيه؟ ما هو جوزها مستحملش البهدلة بعد ما عضته في إيده، وفضلت انا معاها لحد اما شيلت الولد على إيدي . شهقت كاميليا بمرح مرددة بمشاعر تفور بداخلها لهذا الإحساس الجميل: - الله يا رقية، دا انا كدة زعلى حيتحول لقهرة حقيقي عشان مقدرتش أبقى معاكم واشوف الحاجات دي، بس هو فين الطفل وفين بقية البشر؟ انا سمعت ان الجميع كان معاكم النهاردة، فين عامر ولميا، ولا سمية أو والدك ولا خالد صح ونوااال؟ ردت زهرة بوجه عابس: - الولد لسة بيطمنوا عليه في الحضانة وعامر ولميا معاه هناك، وسمية بقى روحت مع بابا اول اما اطمنت عليا، اما خالي فطلع مع مراته يروحها هي كمان عشان ترتاح، ما انت عارفة ظروفها بقى بعد الحمل هي كمان. ❈-❈-❈ في الغرفة الممتلئة بالأطفال المواليد، كان واقفًا بتأثر افقده النطق وهو يتطلع في الطفل الذي يحمله ببن يديه بعد أن اطمئن عليه الطبيب الذي فحصه جيدًا، ولم يتبقى سوى بعض الإجراءات القليلة حتى يعود به إلى والديه، ولكنه ومنذ خروجه لم يستطع تركه، حتى أنه لا يسمح بأحد بحمله ولا حتى يسمع لإلحاح زوجته، التي كانت تخاطبه بضعف رغم لهفتها هي الأخرى، تقديرًا لحالته: -يا عامر كفاية بقى حرام عليك، انا نفسي كمان اشيله. انتبه عليها اَخيرًا، ليرفع رأسه عن التحديق بالطفل، فيرى وجه زوجته المغرق بالدموع، فسألها يدعي عدم الفهم: -بتعيطي ليه لميا؟ اجابتها وقد اكتسحها القهر: -عشان انت اناني، ومن ساعة ما شيلت الولد مش راضي تدهوني. اومأ بمهادنة على الفور قائلًا: -خلاص بلاش عياط، هدهولك يا قلبي، بس اصبري شوية بس على ما اشبع منه. دبت بأقدامها على الأرض بغيظ: -تاني برضوا يا عامر، طب اديني فرصة اشوف ملامحه حتى. طالعها بإشفاق اشعرها ببدء استجابته ولكنه صدمها بقوله: -وانا مانعك يا روحي تعالي شوفيه. زفرت بضيق وهي تجده مصرًا على أنايته، فدنى إلى مستوى طولها، ليقرب وجه الطفل إليها، فترضخ مذعنة لحسن اخلاقه، بعد أن سمح لها بالرؤية أساسًا، وتطلعت في الطفل حتى تتعرف على ملامحه جيدًا بعد الرؤية الخاطفة في أول الأمر، فقال عامر: -واخدة بالك يا لميا، شكله جميل ازاي؟ ردت بصوت مبحوح يخرج بصعوبة من فرط مشاعرها: -اه يا حبيبي، دا جميل اوي كمان... يانهار ابيض دا عنده غمازة دقن زي والدته. قالت باستدراك وهي تخاطب زوجها، والذي رد بابتسامة لها: -اه فعلا... بس كمان أخد حواجب أبوه، شايفة مقلوبة ازاي يا لميا؟ قالها بضيق جعلها تضحك، لتردف باكتشافها الاَخر: -وعيونها ملونة يا عامر، دي اكيد عيوني. ناظرها عامر بانفعال يقول لها: -فينها عيونك دي؟ هي باينة أساسًا، دا بيغمضها وهي ضيقة أساسًا. قارعته زوجته بتحدي: -اه ضيقة بس انا شوفت لونها كويس أوي. فين شوفتيها؟ دا انا بقالي ساعة ببص ومشوفتش حاجة. قالها عامر بإصرار، لتهتف زوجته بإصرار أشد: - عشان انا عندي قوة ملاحظة اقوى منك يا عامر. هم ليجادلها ولكن منعه صراخ الممرضة التي كانت واقفة بجوارهم منذ فترة: - يا بهوات الله لا يسيئكم حد فيكم يعبرني بقى؟ سألها عامر مجفلًا: - عايزة إيه يا بنتي؟ وانتي بتصرخي أساسًا كدة ليه؟ تنهدت الفتاة تجيبه بتعب: - عشان بقالي ساعة واقفة عايزة اعرف منكم إسم المولود ومحدش فيكم منتبهلي، دا حتى لما روحت لوالدته ووالده قالوا منعرفش. تبسم عامر بانتشاء لوفاء ابنه وزوجته بوعدهما بترك التسمية لهما، لترد لمياء التي أصابها الزهو هي الأخرى وتجيب الفتاة . - اكتبي يا بنتي عندك، مجد جاسر عامر الريان. سألتها الفتاة لتتأكد: -بتقولي مجد يا هانم؟ أجابها عامر بغبطة تغمره: -ما قالتلك يا بنتي مجد، لأن دا الأول، وبقية السلالة تيجي بعده ان شاءالله. ❈-❈-❈ -بتعُضيني في كف إيدي يا زهرة؟ هونت عليكي برضوا؟ همس بها جاسر وهو جالس بجوار رأسها على مقعده، مستغلًا غفوة رقية وخلاء الغرفة بعد مغادرة كاميليا وطارق، لتجيبه بابتسامة متسلية: - وجعتك؟ -أوي، دا انت سنانك لسة معلمة في إيدي، حتى شوفي كدة، قالها بعد أن رفع الجانب المتأذي أمام عينيها، قربتها إلى فمها تقبلها وتقول برقة: - سلامتك. -الله يسلمك قالها بابتسامة عريضة وقد أرضاه فعلها، لتكمل هي: - بس انت مدام عارف نفسك مش هتتحمل، مكنتش دخلت معايا يا جاسر. همس يجيبها بصوت أجش: - ما انا مهنش عليا اسيبك وقتها، بس بصراحة مكنتش اعرف انها حاجة صعبة أوي كدة، وبرضوا مكنتش اتخيل انك هتبقي شرسة معايا انا بالذات. ضحكت بخجل تداري وجهها قبل أن تنتبه على دفع الباب مرة واحدة ليلج منه خالد، ف ابتعد جاسر عنها بحركة سريعة، لفتت انتباه المذكور، ليقول بمكر: -إيه يا جماعة هو انا جيت في وقت غير مناسب ولا إيه؟ غمغم جاسر بالكلمات الحانقة،وهو يشيح بوجهه للناحية الأخرى، ف تبسمت زهرة بخجلها المعتاد، ليصدر الرد من رقية: -مش تتنحنح يا واد الأول وانت داخل، عشان ياخدوا تنبيه. قالتها لتنتفض زهرة بالرد: -ستي إيه اللي انتي بتقوليه ده؟ -إيه يا عيون ستك، مش بقول الصح عشان ميحصلش حرج. قالتها رقية بخبث وهي تتنقل بعينيها من حفيدتها لجاسر الذي انخطف لون وجهه، ليزيد عليهما خالد بمشاكشته: -واضح إن الست الولدة كانت مفتحة عيونها معاكم هتف به جاسر: -متابعة إيه بالظبط؟ دي كانت نايمة. ردت على الفور رقية: -لا دا ماهو كان الأول، قبل ما اصحى على الوشوشة بتاعتكم حتى بأمارة العضة. شهقت زهرة وضر.ب جاسر بكفه على صفحة وجهه بقلة حيلة، ليهتف خالد بنية غير سوية: -عضة إيه يا مٌا؟ ❈-❈-❈ بعد قليل عاد عامر بالطفل مع زوجته ليجد نقاشيًا حاميًا بالغرفة، وصوت ابنه المتعصب يغطي على صوت خالد ورقية في الجدال: -إيه يا جماعة فيه إيه مالكم؟ سأل ٧امر ف سكت ثلاثتهم فخرج صوت زهرة لتُخاطب عامر بلهفة: -انت جيبت الولد؟ هاته خليني اشوفه دا وحشني أوي. تبسم عامر وخطا بسرعة ليعطيها الطفل، وتتلقفه هي بحنان واعين زوجها تتابعهما، فسألت لمياء: -هو انا ليه اتهيألي انكم كنتوا بتتخانقوا؟ ردت رقية منفعلة: - ربنا ما يجيب خناق ان شاءالله، بس انتي احضرينا وقولي رأيك، هي البت لما تولد بتروح فين؟ مش بتروح عند اهلها برضوا عشان تنفسها امها او اختها او حتى مراة ابوها لو كانت هي البديل. هزهزت رأسها لمياء تسألها بغباء: -بنت مين؟ وتتنفس ازاي يعني؟ صاحت رقية: -زهرة يا ستي. - مالها زهرة؟ سألتها لمياء ببلاهة، لتردد رقية. - يييييييه. عقدت لمياء حاجبيها باستغراب من رد رقية وكلماتها الغير مفهومة، ليهتف لها جاسر مصححًا: - عايزة تفهمك يا ماما، انها عايزة تاخد زهرة معاهم بيتهم، المدة اللي جاية دي كلها لحد اما تقوم بالسلامة، يعني ع الأقل شهر او أربعين يوم . شهقت لمياء برعب ليتوهج لون الخضرة بعينيها، وأتي الرد من عامر : -إيه اللي انتي بتقوليه دا يا رقية؟ ازاي يعني؟ تدخل خالد: -امي بتتكلم ع الأصول يا عامر باشا، احنا ناس بلدي ونفهم في الحاجات دي، دي بقالها مدة يا راجل بتجهز للحدث. اضافت رقية: - ايوة امال ايه؟ دا انا خليت سمية تروح البيت على طول عشان تجهزلها الفرخة اللي هتتقاوت بيها. -ويعني احنا مش هنعرف نجهز لها فرخة يا رقية؟ هتف بها عامر بحدة ليتبع قوله برفق: - اصول بقى ولا مش أصول، انا مصدقت لقيت الولد يا رقية، يرضيكي يبات بعيد عني من دلوقتى، ولمدة شهر كمان او أربعين يوم؟ عبس وجه رقية يحزنها إحراجه ويغضبها عدم تنفيد ما كانت تخطط له، فتدخل جاسر يهادنها برفق: - ويا ستي، تعالي انتي معانا واقعدي معاها براحتك، ولو ع الفراخ اللي جهزتها سمية هاتيها واكلي زهرة منها براحتك برضو. ارتخت ملامحها وقد بدا انها رضت بالحل الوسط، فهتف عامر ضاحكًا يخاطب زهرة: - طب وانتو بترغوا كدة وسايبين الأمة وابنها، رأيك ايه انتي بقى يا ست زهرة: اجابته بابتسامة رقيقة ترضي جميع الأطراف: - اللي ترسوا عليه مع بعضكم انا موافقة عليه . ❈-❈-❈ خرجت تلتف يمينًا ويسارًا، بعد أنهت محاضراتها، تبحثُ بعيناها عن السيارة المميزة، حتى إذا لمحتها من قريب وسط السيارت المصطفة أمام الحرم الجامعي، وقائدها بأناقته التي تخطف الأنفاس، ووسامة جعلته محط انظار جميع المارة من الفتيات، وقد زادته النظارة السوداء غموضًا، خطت بسرعة لتفتح بابها بسرعة وتنضم بداخلها معه، لتلقي التحية وهي تقول بحماس: -مساء الفل، اتأخرت عليك؟ رفع نظارته عن عينيه يجيبها بابتسامة ساحرة: -مساء الجمال، هو بصراحة انتي اتأخرتي بس انا زعلي كله راح بمجرد ما شوفت وشك اللي زي القمر ده. تبسمت بسعادة لغزله، فتابع لها: - ها تحبي نروح فين بقى يا ست رباب؟ اجابته بنظرة حالمة: - اختار انت، على أي حتة تختارها انا موافقة يا كارم! الفصل الثامن والستون - خرج من السجن؟ ازاي يعني؟ هتف بالسؤال نحو محدثه في الهاتف بعدم تصديق، ليظلم وجهه بعد ذلك وهو يستمع إلى التفاصيل تباعًا، ثم يهدر بالرجل غاضبًا: -إزاي يعني عرف ينفد من كذا قضية؟ دا كفاية قضية محروس والتهمة لابساه لابساه؟ لا وكمان رفقي نحاس هو اللي يدافع عنه، ودا عرف يجيب أجره منين أساسًا؟ صمت قليلًا يستمع لقول الرجل عبر الأثير، ثم هتف موبخًا: -كان لازم تقولي في ساعتها وانا اشوف الموضوع ده تم ازاي؟ وعشان اللحق اتصرف وقتها وان شالله حتى أغير كل فريق المحامين بتوعي..... تمام يا سيدي اقفل بقى من عندك. أغلق مع الرجل ثم نهض عن مكتبه، نحو الشرفة الزحاجية في حائط المكتبة، ينظر منها لخارج المبنى، علٌه يهدئ هذا النيران التي تسري بداخله، أن يفقد حيلته مع فرد مجرم كهذا، قام بأذيته وأذية أقرب قطعة من قلبه، بل كان هاجس لها من قبل التعرف عليه وبعد أن تزوجته أيضًا، تنهد من عمق صدره يمسح بأنامله على طرف ذقنه بتفكير متعمق، فلابد من إيجاد الطريقة الأمثل لإعادة هذا المجرم إلى محبسه، حتى ينال عقابه المستحق، ولا بد في البداية أن يجده. التفت رأسه على طرق خفيف على باب الغرفة قبل ان يلج منه خالد بعد أن أرسل له منذ دقائق: -صباح الخير. تفوه بالتحية وهو يتقدم بعملية حتى جلس على الكرسي المقابل للمكتب، يضع عدد من الملفات التي كانت بين يديه على سطحه وهو يردف بالقول متحمسًا: -أنا جيبتلك كل أوراق المناقصة اللي قولت عليها وكمان كلمت البنك عشان الصفقة الجديدة والتفقت معاهم على..... -بس بس يا خالد. هتف بها جاسر قبل أن يخطو هو الاَخر ويجلس محله خلف المكتب، طالعه خالد باستفهام حتى وجده يخاطبه بصوته الأجش: -سيبك من كل أخبار الشغل دلوقتي، أنا عايزك في حاجة تانية خاصة متتحملش التأجيل. ردد خالد خلفه سائلًا بدهشة: -حاجة ايه دي اللي متتحملش التأجيل؟ طالعه جاسر بنظرة غامضة قبل أن يسأله: -إنت كنت عارف إن فهمي صنارة أخد براءة من كل القضايا اللي عليه، ومخدتش حكم غير في قضية زهرة وكمان مخفف. -إيه؟ هتف بها خالد متفاجًأ، قبل أن يُكمل: -لا طبعًا معرفش وهعرف ازاي؟ انا مش متابع القضية، دا غير إني كمان كنت مشغول أوي الفترة اللي فاتت، بالفرح وتجهيزه، دا غير شهر العسل وشغلي معاك بعدها، بس هو ازاي يعني براءة؟ دا انا اعرف ان الولد شاهد على نفسه وعلى صنارة، دا غير البلاوي اللي طلعوها من شقته والناس كلها في الحتة شافت بعنيها . زفر جاسر يطرق بكف يده على سطح المكتب بع,نف يقول بغيظ: -وانا كمان كنت مشغول عن المتابعة مع المحامين، خصوصًا في الأيام الأخيرة من حمل زهرة، وبعد الولادة وحفلة السبوع دي اللي أصرت عليها والدتي، والمحامي اللي مكلفه بالقضية بيقولي انه خرج بلعبة من رفقي نحاس. قطب خالد سائلًا باستفسار: -رفقي نحاس مين؟..... إنتي قصدك على المحامي المشهور ولا انا سمعت غلط؟ -لا مسمعتش غلط يا خالد، هو نفسه المحامي الكبير بتاع القضايا المشهورة، لكن اللي هيجنني، هو الحيوان ده عرف يجيب أجره منين؟ ولا هو الواد ده بيشتغل على كبير يعني ولا أيه بس؟ تغضن وجه خالد بالغضب يردد: -بصراحة معرفش، انا معرفش تجارته دي واصلة لفين، عندنا في الحتة نعرف من زمان إن مشيه مش مظبوط وانه بيتاجر في البرشام، مفيش اكتر من كدة، بس انا برجح إنه يمكن يكون مسنود من حد كبير . أكمل على قوله جاسر: -وأكيد الكبير ده واحد وســ خ زيه، من تجار الصنف... بس على مين؟ أنا مش هسيبه غير لما اطلع عليه القديم والجديد، ولازم اخليه يتعاقب على كل البلاوي اللي عملها. أومأ له خالد برأسه يقول بحماس: -وانا من جهتي هروح اطل على بيتنا القديم، واشوفه رجع نشاطه في الحتة ولا لأ. ❈-❈-❈ ومن داخل النادي المشهور، هتفت ميري فور أن وصلت لتجلس وتنضم مع صديقتها تحت المظلة الشمسية على الطاولة المخصوصة لهم: -شوفتي قلة الأصل يا ميرفت، حتى خالتي، خالتي اللي كانت بتعزني زي بنتها اللي مجبتهاش، تعمل فيا انا كدة؟ ناظرتها ميرفت باستفهام جعل الأخرى تتناول الهاتف لتأتي بالصورة المقصودة وترفعها أمامها ففهمت على الفور، لتقول لها مدعية الإشفاق: -ما هو دا المتوقع يا ميري، ولا انتي تفتكري يعني إنها هتحبك أكتر من ابنها ودلوقتي مراته كمان، بعد ما جابت لهم الطفل اللي بيتمنوه من زمان، مشكلتك انك طيبة قوي يا ميري، ومعرفتيش تحققي نص اللي عملتوه البنت دي في الشهور القليلة من جوازها بابنهم. قالت الاَخيرة، بخبث قاصدة به قهر المذكورة والتي هتف بتصديق: -ويعني كنت هحققه ازاي يعني؟ وصاحبنا ده مكنش مديني فرصة حتى اقرب منه؟ -عشان ظالم وبيكيل بمكيالين. قالتها ميرفت لتزيد من غضب الأخرى، وهي تحدق بصورة عامر الذي كان يضحك بملئ فمه وامرأته لمياء لا تقل عنه سعادة في صورة عائلية مع جاسر وزوجته والدي الطفل بمناسبة حفل الأسبوع الذي أقيم للمولود، بحنكة شديدة كانت تشاهد بقناع الا مبالاة، لتخفي حقدها الدفين مما تراه، وتعوض ما ينقصها بالكلمات الشامتة في ألأخرى، مستغلة غباءها: -بقت بني أدمة تانية، بعد ما نضفها جاسر الريان بجوازه منها، وعلمتها لميا الزوق الراقي في اللبس كمان، مكنتش اتخيل أنها تنساكي وتتقبلها بالسرعة دي؟ دا إيه دا يا شيخة، طب تفتكر اختها اللي وصيتها عليكي قبل ما تمو,ت. تنهدت ميري بأعين ترقرقت بها الدموع، وقد نجحت ميرفت بكيدها: -محدش بيفتكر دلوقتي يا فيفي، دي مصدقت اني اتورطت في جوازي من مارو عشان تخلص مني، ومن وصية ماما، انا لا يمكن اسامحها ع اللي بتعمله، ولا يمكن هحن لها أبدًا. تبسمت ميرفت داخلها بانتشاء، مستمعتة بهذه الحالة التي أصبحت عليها ميريهان، فقالت بمحبة زائفة: -عندك حق طبعَا يا حبيبتي، بس انتي ليه تشيلي ولا تقهري في نفسك، ما تحملي انتي كمان، وجيبي بيبي يفرح والدك ويورث الفلوس الكبيرة لوالد جوزك تاجر الســ لاح الشهير.. -ياي. تفوهت بها ميريهان بقرف، لتردف باشمئزاز: -يعني انا اكون عايز اخلص من العيلة البيئة واتطلق من ابنهم، وانتي عايزاني اخلف منهم، مكنتش اعرف انك بتحبيني اوي كدة ميرفت. قالت الأخيرة بتهكم، اثار ضحك الأخرى لتقول لها: -لدرجادي انتي مخنوقة من مارو؟ أمال كان عاجبك ازاي بس قبل الجواز؟ زفرت بقوة ميريهان قبل أن تجيبها: -لحد دلوقتي مش قادرة تفهميني يا فيفي، يا حبيبتي قبل الجواز كان وقتنا محدود، نضحك، نرقص، نقضي وقت جميل، لكن بعد الجواز بقى ولما شوفت عيلته، مش عايزة اقولك ع الإنشكاح إللي بحس بيه، لما يجي عندنا حد من عيلته، او نروحلهم احنا، واشوف بقى تصرفاتهم البيئة والمتخلفة... توقف لتكمل بنبرة باكية: -انا مقهورة قوي يا ميرفت، من ساعة ما شوفت صور البنت دي اللي خدت مكاني في عيلة الريان، لأ وكمان تبتت رجلها وبقت وكأنها فرد منهم، وانا.... ابقى مرات واحد والده بيبع ســ لاح. ❈-❈-❈ أنهت إطعام ابنها وخرجت من غرفتها الجديدة في الطابق الأرضي تحمله على يديها، حيث الجلسة التي ضمت جدتها رقية وزوجة ابنها نوال ومعهما لمياء وعامر الذي كان جالسًا بالقرب يباشر إحدى أعماله على حاسبه، وهو يرتشف من فنجان قهوته، والذي ما أن رأى زهرة انتفض تارك كل شئ على صوت رقية التي هتفت على حفيدتها معترضة: -خرجتي ليه يابت بالواد؟ مش خايفة لتبردي؟ -وفيها إيه بس يا سيتي؟ الجو هنا دافي أساسًا. قالتها بحرج قبل أن يتناول منها عامر الطفل يضيف هو الاَخر: -لا وكمان شايلاه بنفسك، مش تندهيني طيب عشان اساعدك، دا إيه التسيب ده؟ حبيب جدو . قال الأخيرة مهللًا بمرح نحو الطفل، اعتلى وجه زهرة ابتسامة مشرقة لفرحة الرجل، وخطت لتنضم إلى مجموعة النساء لتُجفلها لمياء بندائها على زوجها: -شيل الولد كويس يا عامر. اومأ لها بمهادنة، لتردف له باعتراض: -طب انا عايزة افهم، هتشغل ع اللاَب وانت شايل الولد ازاي بس؟. رد عامر يعدل من وضع الطفل على حجره، بعد ان عاد لجلسته أمام الحاسوب: -ملكيش دعوة، انا هعرف اخد بالي منه. حدجته بغيظ ثم تمتمت بتحذير: -طب خلي بالك بقى ليميل منك كدة ولا كدة. أومأ برأسه مرة أخرى مكشرًا بوجهه بطريقة فكاهية اثارت الضحكات والإبتسامات منهن، حتى هي لم تقوى على كبح ابتسامة مستترة، فخاطبتها نوال بتأثر: -شكله فرحان أوي ب مجد الصغير، ربنا يحرسه ويبارك فيه. تنهدت لمياء لتقول لها: -الله يبارك فيكي يا حبيبتي انتي كمان ويقومك بالسلامة، أكيد رقية هتفرح بيه، بس معتقدتش انها هتبقى مجنونة أوي كدة بيه زي صاحبنا ده. قارعتها رقية بعفويتها: -دا على أساس ان انتي اللي عاقلة أوي؟ اشحال إن ما كنتي بيتخانقي معاه يوماتي على شيلة العيل . ردت لمياء تكبح ابتسامتها: -يعني بتعيبي علينا يا رقية، طيب لما نشوف احنا العقل بتاعك ده مع الطفل اللي جاي. شهقت رقية قائلة: -ليه يا حبيبتي؟ لهو انتي فاكراني هسمح لحد تاني يشيله معايا عشان اديلوا فرصة إنه يتخانق اساسًا كمان؟ صدحت ضحكاتهن جميعًا على قول رقية لتردد لمياء خلفها: -طب والله جدعة، ياريت اقدر اعملها مع عامر عشان اريح مخي بقى. هتف عليها المذكور من محله وهو يقبل الطفل على وجنته: -دا بعينك. قالها وزادت ضحكاتهن حتى خرجت إليهن سمية من المطبخ الكبير وخلفها ابنتها فتمتمت بمودة: -ربنا يدوم عليكم الضحك يارب قالتها ثم انضمت إليهن مع ابنتها لتردف: -احنا حطينا الحاجة كلها في التلاجة وانا فهمت البت الطباخة جوا ازي تسخنهم. عقبت لمياء بعدم استيعاب: -طب والله انا ما فاهمة، إيه لزوم التعب بتاعكم ده؟ ما الخير الكتير يا جماعة، فرقت إيه يعني الفرخة اللي بنشتريها احنا من الفرخة اللي بتجيبوها انتم؟ ردت رقية بزهو: -فرقت يا غالية إن انا اللي مربياهم، فراخ بلدي، عشان يرموا العضم، مش الحاجات البراني دي اللي بتتربى في المزارع، وما حد عارف هما بيعلفوها إيه؟. توسعت عيناها لمياء بدهشة فتدخلت زهرة تقول بلطف: -قصدها يا حماتي، إن دي عوايد نشأت عليها ومينفعش تتخلي عنها. أومأت لها لمياء بتفهم، فقالت نوال لرقية: -طب اعملي حسابك عليا أنا كمان وجهزي للحدث التاريخي من دلوقتي، انا ناوية أقعد عندك بعد ما اخلف عشان اَكل من فراخك اللي بتعمليها بالسمنة البلدي يا رقية. -طبعًا يا بت دا لازم، لهو انتي فاكرة امك هتعرف تهتم بيكي اللي تأكلك الاكل اللي هيتخنك قدي، أكيد لا. قالتها رقية بثقة وتفكه أضحكت الجميع وزادت من شعور الإعجاب لدى لمياء، التي اصبحت تندمج بالحديث الطريف معهن، حتى عاد جاسر من عمله مصطحبًا خالد معه، والذي هتف متفكهًا فور وصوله: -يا هلا يا هلا، طب مش تقولوا يا جدعان إن المدام عندكم، يعني العيلة كلها هنا. قالها واقترب ليرحب ممازحًا بزوجته ليتخذ مقعده بعد ذلك بجوار زهرة ووالدته، أما جاسر والذي قَبل رأس امرأته لتهديه ابتسامة رائعة منها، قبل أن يذهب نحو ابنه الذي يحمله والده على حجره، ليُقبله أيضًا ويداعبه فور أن وصل إليه، قبل أن يخاطب والده باستياء: -تاني برضوا يا والدي شايل الولد، هو احنا جايبين المربية دي وظيفها إيه بالظبط؟ رد عامر بحزم: -وهو شيل الولد شغلانة يا ولد انت، دا احب ما على قلبي جدو ده. تبسم جاسر بابتهاج يغمر قلبه رغم التعب الذي كان باديًا على وجهه ف لفت انتباه زوجته إليه، وأبيه أيضًا فور أن توقف عن تقببل الطفل، فسأله بقلق: - مالك يا جاسر؟ هو انت تعبان؟ سأله باندهاش: - ليه بتقول كدة يا والدي؟ قال عامر بفراسة: -عشان شكلك المتغير يا حبيبي، ولا انت مش واخد بالك من نفسك، دا انا بعرفك من ملامحك المشدودة ولا حواجبك دي اللي بتتعقد أكتر ما هي متعقدة. تبسم جاسر لطرافة الحديث مع والده، ونفى برأسهِ ليقول مطنئنًا: - لا ماتقلقش نفسك انت يا باشا، دي شوية مشاكل بس في الشغل نتيجة الغياب في الكام يوم اللي فاتوا. - ياراجل. قالها عامر بعدم تصديق ليردف قائلًا: -ع العموم تمام، ربنا يبعد عنك المشاكل والتعب يا سيدي. أممم خلفه جاسر وارتفعت عيناه إلى الجهة الأخرى نحو زوجته بنظراتها المتسائلة، ليومئ لها بابتسامة جعلها تبدوا طبيعية حتى يطمئنها هي الأخرى، قبل أن يتجه بأنظاره نحو صفية والتي كانت منشغلة بالحديث الدائر بين خالد ومزاحه مع زوجته ووالدته، فتوقف قليلًا بتفكير قبل أن يهتف عليها بإسمها: -صفية. التفت إليه مجفلة ليفاجأها بقوله: -ممكن معلش تيجي ورايا المكتب عشان عايزك دقيقتين. قالها واستدار على الفور ذاهبًا، ليجعلها تغمغم مستغربة نحو زهرة: -هو عايزني في إيه؟ مطت شفتيها زهرة واهتز كتفيها بعدم معرفة، فتدخل خالد والذي بدا أنه فهم مقصد جاسر ليقول لها: -ما تروحي تشوفي عايز إيه؟ هو هياكلك، حركي رجلك يا بت اخلصي. على صيحته الأخيرة، أذعنت صفية لتلحق بجاسر سريعًا. وبداخل الغرفة الواسعة والمزودة بمكتبة ضخمة لمجموعة متنوعة من الكتب العربية والمترجمة، طرقت بخفة على بابها ثم تقدمت بعد ان سمح لها بالدخول: -ادخلي يا صفية، إنتي لسة هتستأذني. ولجت إليه بخطوات مترددة وحرج، عيناها ذهبت على الفور نحو المكتب الذي وجدته فارغ، وجاءها الصوت من خلفها: -أنا هنا ياصفية، تعالي. وجدته على الاَريكة الجانبية فتقدمت حتى جلست بحرج على الكرسي المقابل له، فبادرها على الفور قائلًا: -صفية بلاش توتر وكسوف عشان عايزاك في حاجة مهمة، وياريت الكلام يبقى سر دلوقتي ولما تخرجي من عندي تخترعي أي حاجة غير اللي هقوله. أومأت رأسها بتوتر تقول له: -تمام حاضر، بس هو فيه أيه يعني انا بدأت اخاف. تنهد جاسر يحاول السيطرة على أنفعاله حتى لا يخيف الفتاة، ثم خاطبها بحرص: -كنت عايز أسألك يا صفية، هو انتي لسة بتروحي بيتكم القديم او الحتة نفسها؟ ردت بلهفة: -ايوة طبعًا، مش كل صحابي اللي اتربيت معاهم هناك . -تمااام. تفوه بها بتفهم، ثم تابع بسؤاله الاَخر: -طب انا كنت عايز أسألك عن الراجل اللي اسمه فهمي صنارة، تعرفي بقى إن كان رجع لنشاطه الإجرامي ولا بيع الب..... -استنى يا عم جاسر . قالتها صفية مقاطعة له لتتبع بسؤالها: -انت مين قالك ان فهمي صنارة خرج من السجن؟ -ليه هو انتي متعرفيش انه خرج من السجن من اكتر من اسبوع؟ قالها جاسر باستغرابٍ ازداد بعد ذلك مع قولها: -لا طبعًا معرفش،لأني كل يوم بروح الحتة ومع ذلك ولا مرة شوفته فيها، دا غير ان صحباتي نفسهم، مفيش واحدة فيهم قالتلي خرج. ذهل جاسر من إجابتها الغريبة، ف افتر فاهه يناظرها صامتًا لعدة لحظات، ثم تمتم بفمه: -يا سلام . ❈-❈-❈ -أنا لحبيبي وحبيبي إلي يا عصفورة بيضا، لا بقى تسألي لا يعتب حدا ولا يزعل حدا أنا لحبيبي وحبيبي إلي وحبيبي إلي أنا لحبيبي وحبيبي إلي يا عصفورة بيضا، لا بقى تسألي لا يعتب حدا ولا يزعل حدا أنا لحبيبي وحبيبي إلي على نغمات الاغنية الخالدة للرائعة فيروز كانا يرددان كلماتها خلف المذياع في السيارة التي كان يقودها طارق بيد والأيد الأخرى ممسكة بيدها، ينقل أنظاره من الطريق وإليها، وهي جالسة بجواره في الكرسي الأمامي، مستندة برأسها للخلف، وشفتيها تتمتم بالأبيات مستلذة طعم الكلمات بفمها وسحر الالحان على أسماعها: -حبيبي ندهني قالي الشتا راح رجعت اليمامة، زهر التفاح، حبيبي حبيبي ندهني قالي الشتا راح (حبيبي) رجعت اليمامة، زهر التفاح وأنا على بابي الندي والصباح بعيونك ربيعي نور وحلي أنا لحبيبي وحبيبي إلي لا يعتب حدا ولا يزعل حدا أنا لحبيبي وحبيبي إلي -حبايبي جوز العصافير، خلو بالكم والنبي من الطريق، مش عايزين نعمل حادثة، وخلو المشاعر الفياضة دي لبعدين.... مع نفسكم هتفت بها لينا والتي كانت جالسة في الكنبة الخلفية، زفر طارق ليتمتم ببعض الكلمات الحانقة منها، لتغمض كاميليا عينيها بيأس مع ابتسامة مستترة، لتوقعها الحديث القادم، والذي بدأه خطيبها: هو انتي مبتزهقيش يا لينا؟ كام مرة انبهك يا زفتة واقولك، خلي عندك دم يا بني اَدمة وبطلي تقطعي علينا كدة قفش، بتطيري المود الجميل مني، الله يخرب بيتك. ضحكت كاميليا، وجاء رد الأخرى بكل بساطة: -أديك قولت بنفسك، بتطيري المود، افرض بقى في الحالة اللي انت عايشها دي وبتبص للسنيورة بتاعتك برومانسية، يدخل فينا سواق غشيم مثلًا بعربيته، هتفيدك بإيه الحالة ساعتها؟ ردد طارق على الفور بقلة حيلة: -اعوذ بالله، يا ساتر منك ومن لسانك يا شيخة، اعمل فيكي إيه بس؟ أعمل فيكي إيه؟ كاميليا والتي أجفلها الرد تطلعت لانعكاس صورة الأخرى في المراَة، وهي جالسة بتحفز، فالتفت إليها برأسها تسألها بذهول: -أنا اللي عايزة اعرفه بس، انتي ازاي بتقدري تعمليها دي؟ في الشغل بتبقي الموظفة الكيوت، وكل اللي كل على لسانك في التعامل معانا، حاضر يا فندم، تؤمر بحاجة يا فندم، برا الشغل بقى، تقعدي كدة زي ما انا شايفاكي دلوقتي، العجوز الشمطاء. -العجوز الشمطاء! رددتها لينا باستنكار، ثم تابعت: -انتي قولتيها بنفسك، في الشغل! يعني لازم اعمل كنترول واعرف اسيطر على مشاعري، لكن برا الشغل، أعبر بقى براحتي. هتف لها طارق معقبًا: -عبري يا ختى على كيفك واجلطيني، سيبك منها يا كاميليا البت دي، مفيش فايدة منها . لوت ثغرها لينا ترمقه بفيروزتيها مكشرة بوجهها، ف التفت عنها كاميليا تقول بيأس مبتسمة: -مش معقولة، بجد مصيبة ❈-❈-❈ أنا شاكرة قوي جميلك معايا يا رفقي..... طبعًا كل اللي طلبته اتحط في حسابك، حتى اسأل السكرتير بتاعك...... طبعًا أكيد إنت تستاهل، دا كفاية انك خرجتني من القضايا اللي عليا من غير ما تظهر في الصورة، واَخيرًا كمان الولد دا اللي دافعت عنه، بشكرك تاني انك مصرحتش بإسمي قدامه، ولا قدام أي حد...... انا عاملاه مساعدة مش أكتر، يعني يعتبر عمل خيري، عشان إنسان مظلوم اتلفق,تلوا قضايا ظلم من واحد ظالم عشان يخرج والد مراته من السجن..... ربنا يجازيه بقى، المهم انا بجدد شكري قبل ما اقفل معاك . أغلقت المكالمة لتلقي الهاتف على الاَريكة بجوارها، ثم التفت لهذا الرجل الذي كان واقفًا خلفها مع عدد من حراسها الشخصين، يطالعها بابتسامة لم تعجبها وأعين متسائلة، لا تخلو من وقاحة النظرات. رمقته بازدراء لتجلس واضعة قدمُ فوق الأخرى، وصرفت الرجال من جواره بإشارة من كف يدها ، قبل أن تتحرك شفتيها لتُخاطبه بتعالي: -إنت بقى فهمي اللي كان جاسر الريان حاطك في مخه، تبسم بزواية فمه فظهر جزء من أسنانه المصبوغة بالصدأ، ليثير اشمئزازها وهي تسمع لأجابته: -إنتي قولتي بنفسك يا هانم، هو اللي حاططني في دماغه، عشان كدة بقى لفقلي التهم الكتيرة دي وكان عايز يوديني في داهية منه لله. أطلقت ضحكة عالية ساخرة لتُعقب على رده: -إنت هتعملهم عليا يا صنارة؟ وليكونش صدقت الكلمتين اللي قولتهم للمحامي من شوية، انا عارفة السبب الأساسي لكره جاسر ليك.... توقفت لتردف بغمزة بطرف عينها: -وهو طبعًا عشان عينك على مراته، اللي انت حاططها في دماغك من زمان ونفسك تتجوزها. تسمر بوقفته مذهولًا من علم هذه المرأة الغريبة بهذه الأشياء التي لا يعلمها سوى عدد قليل في محيطه، مسح بسبابته وإبهامه على طرف فكه ليُخاطبها بشك: -واضح كدة إن حضرتك عارفة الحكاية من أولها، وبكدة بقى انا اقدر افهم من دماغي، إن وقفتك معايا بالمحامي الأبهة يدافع عني ويخرجني، فدا عشان غرض في دماغك؟ أومأت برأسها تجيبه كموافقة بابتسامتها، فتابع استنتاج عقله الخبيث: -والغرض اللي في دماغك ده مش شريف، هذه المرة ردت بإعجاب: -تعجبني دماغك. أكمل يذهلها بسؤاله: -إنت عايزة تضر,بي جاسر الريان بيا؟ التمعت عينيها ببريق غريب، ف ردت بوجه جامد بعد أن وصل للنقطة التي تبتغيها منذ البداية: -واضح ان دماغك حلوة وبينك كدة مش هتخليني اندم على أي مليم دفعتولك. اشتدت ملامحه هو الاَخر واحتدت عينيه ليفاجأها بصفع رقبــ ته بكف يده وهو يردد لها: -على رقبــ تي جميلك ده، انا معرفش اللي بينك وبين جاسر الريان، بس مدام مصلحتنا واحدة ضده، ف انا تحت أمرك في كل اللي تطلبيه، ومدام ظاهر كدة ان دماغك الماظ بعد الترتيبات اللي عملتيها معايا بعد خروجي من السجن، ف انا بسلمك اهو الراية، عشان تخططي وانا انفذ. قال الأخيرة وهو يشير بكف يده على صدره ليختم بقوله: -أنا من إيدك دي لإيدك دي يا ست الكل. تبسمت بانتشاء وقد أسعدها هذا التناغم السريع بينها وبين هذا الفهمي، فتفوهت اَخيرًا وهي تُشير بيدها على إحدى المقاعد أمامها: -حلو أوي، تعالي بقى اقعد هنا عشان افهمك بالظبط انا مخططة لإيه! ❈-❈-❈ توقف بسيارته أمام البناية بعد أن أوصل لينا لمنزلها، همت للترجل هي الأخرى فجذبها من مرفقها يوقفها فجأة: -استني هنا رايحة فين؟ نزعت ذراعها لتنهره بحزم زائف: -إوعي كدة متقربليش ولا تلمسني خالص -ليه يا حبيبتي بتتكهربي؟ قالها فجأة، فحاولت هي بصعوبة السيطرة على ضحكاتها، لتردف بلهجة راجية: -يا عم كفاية بقى هزار وخليني انزل، قعدتنا في العربية كدة وحشة، ولا منظرنا قدام الجيران. عبس بوجهه ليومئ لها برأسهِ بتفهم، في محاولة للتصرف بجدية، ولكنه وفور ان همت بالتحرك، لاحقها بعرضه: -طب هو انا ينفع انزل معاكي اسلم على والدك؟ تبسمت له قائلة بترحيب: -أكيد طبعًا يا طارق، البيت مفتوحلك في أي وقت . انتابه الحماس ليترجل سريعًا قبلها، ولكنه استدرك وفترت حماسته، ليتراجع عما انتواه، استقامت بجسدها فور خروجها من السيارة، لتسأله: -وقفت ليه مش ناوي تنزل؟ اجابها بحرج: -لا خلاص بقى، ٠خليها وقت تاني. -ليه يا طارق؟ مش قولت نازل؟ سألته با ستغراب، ورد يجيبها بانفعال: -يا بنتي اليوم كله معاكي في الشغل، منظري هيبقى إيه قدام والدك، لما اهل عليكم من غير مناسبة. - يا طارق متبقاش حساس كدة. قالتها في محاولة لأقناعه، فهتف عليها بحزم: -إمشي يا كاميليا الله لا يسيئك، أمشي بلا حساس بلا نيلة . أطاعته بابتسامة مستترة لتذعن وتذهب على الفور نحو وجهتها لمدخل البناية، ليتمتم خلفها: -وربنا بقى يصبرني المدة اللي فاضلة دي ع الفرح، يارب ولجت لداخل الشقة لتجد ميدو في استقبالها يضحك بغمازتيه لتُقبله باشتياق مرددة: -عامل ايه القمر بغمزاتك؟ عامل إيه يا ولا؟ رد ميدو بمرح: -الحمد لله يا ست كاميليا، عمو طارق بقى عامل إيه؟ دنت لتجيبه وهو تقبله مرة أخرى: -عمو طارق كويس وبيوصلك البو,سة دي. استقامت لتسأله: -المهم بقى، والدك ولا وخواتك فين؟ اجابها وهو يتناول دفاتره من حقيبة المدرسة: -بابا خرج وقالي انه رايح لواحد صاحبه، وخواتك، كل واحد في اوضته، وانا بقى خارج عشان درس السنتر، سلام . رددت خلفه ضاحكة. -سلام . تابعته حتى خرج من الشقة، ف استدارت للذهاب نحو غرفتها، ولكنها فضلت الذهاب إلى شقيقتها اولًا، لتطمئن عليها، فهذه الفترة أصبحت بالكاد تراها بينهم في المنزل، ولا تعلم إن كان السر بانشغالها هي بالعمل واتصالات طارق الدائمة لها، أم هو استغراق الأخرى في استذكار دروسها في الجامعة. همت للطرق على باب الغرفة ولكنها وجدته مفتوح قليلًا بمواربة، وشقيقتها تظهر لها جالسة على طرف التخت، تتحدث في الهاتف بصوت بالكاد يسمع مع أحدهم، استنتجت من عقلها أنها مكالمة من إحدى صديقاتها، فهمت بفعل بشئ لم تفعله منذ مدة طويلة، لتدفع بيدها الباب فجأة بغرض تخويفها: -تتتتتا. أجفلت رباب من فعلتها شاهقة برعب حتى سقط الهاتف من على أذنها، فضحكت كاميليا مرددة: -خضيتك صح؟ توقفت لتزيد الضحكات بصوتها العالي مقهقه بهستيرية على رؤية شقيقتها ولون وجهها المخطوف، مما اثار غيظ الأخرى، لتتناول من على الأرض الهاتف سريعًا وتغلق بعن,ف المكالمة ثم صرخت بها: - ما كفاية بقى ضحك، في إيه؟ توقفت كاميليا على اللهجة الحادة التي تخاطبها به شقيقتها وهذا العبوس والغضب الشديد على وجهها، فقال باعتذار: -اسفة يا رباب لو مقلبي زعلك، بس دي مش اول مرة احنا نعمل كدة في بعض. ردت بحدة غير مبالية: -اه بس احنا بقالنا فترة طويلة بطلنا المقالب من فترة طويلة، تقريبًا من ساعة ما كبرت انا وعقلت. ردت غير مستوعبة الكلمات: -يعني انتي كبرتي وعقلتي، واختك العبيطة مش عارفة انها كبرت؟ سمعت رباب لتُشيح بوجهها للناحية الأخرى، تزفر بغيظ، فخاطبتها كاميليا برقة، رغم ما تشعر من تغير بشقيقتها: -انا يا رباب كنت جاية اطمن عليكي، عشان بقالي مدة مبشوفكيش معانا في قعدتنا مع بابا، انتي دايمًا حابسة نفسك الأوضة.... -عشان بذاكر، ولا انتو مش عارفين اني في اَخر سنة في الجامعة؟ اومأت لها كاميليا قائلة: -ربنا يقويكي يا حبيبتي. لهجتها الرقيقة معها جعلت ربنا تخفف من لهجتها لتردف لها ببعض اللطف: - ع العموم انا اَسفة لو زعقت فيكي، بس انا اتخضيت بصراحة. تبسمت كاميليا تقول لها: -يا حبيبيتي وانا مش زعلانة، المهم بقى كنتي بتكلمي مين؟ اردفت الأخيرة وهي تجلس بجوارها على التخت، فردت شقيقتها، تجيبها ببرائة: -أكيد كنت بكلم واحدة صاحبتي ، امال هيكون مين يعني؟ ❈-❈-❈ أمام المراَء الصغيرة والمعلقة على الحائط توقفت تلقي بنظرة اَخيرة على زينة وجهها وشكل الحجاب على الفستان الجديد، بعد أن أخبرها بقرب مجيئه ودخول البناية التي بها شقة والديها، مصمصت خلفها إحسان تقول بتهكم: -واقفة على رجلك قدام المراية تتزوقي وتتسبسبي في انتظار البار نديلوا، واللي مجاش في الدنيا من حلاوته ولا جماله. سمعت غادة والتفت ترد ببرود وابتسامة كادت ان تجلب لوالدتها الجلطة: -طب ما هو فعلًا مجاش في الدنيا واحد في حلاوته ولاجماله، ده مش برنس الحتة وبس، لااا دا برنس قلبي من جوا، قاعد كدة ومستربع، ربنا يخلهولي يارب. -ربنا ياخدك. هتفت بها إحسان بغل وهي تستدير عنها وتغادر من أمامها، بعد أن افحمتها ابنتها بردها المستفز كالعادة منذ أن ارتبطت بهذا الملعون الذي سحبها من محيطها وكأنه يشكلها كما يريد، لتُصبح فتاة أخرى لا تعلمها، وليست ابنتها التي أنجبتها وتربت على يديها. و عند غادة، والتي شعرت براحة لنجاحها هذه المرة بصرف والدتها عنها سريعًا قبل أن يأتي إمام ويستمع لحديثها وكلماتها السيئة في ظهره، وهي لا ينقصها، يكفيها المعاملة الجافة في حضوره، لتجعل شعور بالقلق يكتنفها في كل جلسة له معهما، مع الخوف الشديد أن يمٌل ويتركها من أفعال والدتها المقصودة، بعد أن وجدت أمانها اخيرًا معه. صدح صوت الجرس فخطت سريعًا لتستقبله بلهفة ظهرت على إشراقة وجهها بهذه الابتسامة التي زينته بفرحتها وكأنها طفلة صغيرة، لتنعاد عليه ببهجة غمرت قلبه ناحيتها ف يتفوه فمه بدون تفكير: -اللهم صلي ع النبي، وكأن القمر هو اللي فتح في وشي طاقة الهنا يا خواتي. ضحكت بمرح لتقول له: -طب استني ادخل الأول وبعدها غازل براحتك، ولا هتفضل واقف كدة على باب الشقة، ادخل ياعم ماتلمش علينا الجيران. قالتها لتفسح له الطريق، فدلف معها ليفاجأ بوقوف إحسان بتجهمها المعتاد، وحاجبها الرفيع مرفوعًا بشر، غمغم بصوت خفيض: -اعوذ بالله، هي الخلقة دي ما بتتعدلش أبدًا؟ لكزته غادة بمرفقها ترمقه بنظرة خاطفة محذرة، ف استدرك هو سريعًا بذكائه يهلل بتصنع: -حماتي ازيك يا ست الكل يا قمر. اومأت تجيب التحية على مضض، فتجاهل ليكمل: -عاملة إيه يا غالية؟ دا امي موصياني ابعتلك السلام مخصوص. بنظرة كاشفة ردت بعدم تصديق. -فعلًا!... طب ابقى سلملي عليها وقولها إن إحسان قوية، قوية قوي. لم يغفل عن مغزى كلماتها، ومع ذلك تابع مدعي عدم الفهم رافعًا أمام عينيها أكياس الفاكهة: -ربنا يديكي الصحة يارب، خدي كدة شوفي جايبلك إيه، اتنين كليو جوافة يستاهلوا بقك، وعليهم اتنين موز منقط، عشان يسهل الدنيا معاكي لو حصلك إمساك من أكل الجوافة، خدي يا غادة. هتف بالاخيرة نحو خطيبته متعمدًا ليلتف برأسه عن إحسان التي تصلبت بأعين يتطاير منها الشرر وهي تراه يعطي ابنتها من اليد الأخرى، علبة كبيرة مغلفة، وهو يقول لها: -وانتي بقى يا قمر، جايبلك الجاتوه اللي بتحبيه وتشكيلة تانية لأحلى الحلويات اللي يستاهلوا جمالك. اطبقت عليهم غادة بفرحة تهديه ابتسامة ممتنة بسعادة قائلة: - تسلملي يا حبيبي، ربنا ما يحرمني منك ولا من أي ماجيبك... ادخل بقى، ولا انت هتفضل واقف كدة في المدخل؟ هم ليتحرك ولكنه توقف فجأة يسألها بجدية: -طب من البداية كدة أبوكي قاعد ولا لأ، عشان لو مش موجود يبقى اخدها كدة من قاصرها وامشي، مش عايز اتفاجأ زي المرة اللي فاتت واعرف في نص القعدة انه مش موجود، انا راجل اعرف الأصول والعيبة. ردت غادة وهي تجذبه من ساعده ليسير معها: -لا يا سيدي اطمن هو موجود، بس نايم وانا حالا هروح اصحيه. استسلم أمام لسحبها، يغمغم داخله: -الحمد لله، اينعم هو قعدته زي قلته، بس ع الأقل مقيد في الشهادة راجل . إحسان والتي تابعت ذهابهم بغيظ يأكلها، تمتمت من تحت أسنانها، هي جايبلها الجاتوه والحلويات، وانا الجوافة والموز المنقط عشان يسهلي، دا انت اللي هتنقطني يا بعيد ببرودك ده. الفصل التاسع والستون خرجت من سكنها الجديد بهذا المنزل الذي قصدت ان يكون بعيدًا عن المدن المعروفة، ليُصبح في منطقة هادئة وتقريبًا خالية من السكان نظرًا لعدم اكتمال البناء بمعظم مبانيها، بحثت بعينيها عنه في الحديقة، لتجده كالعادة يتضاحك بسماجة مع حراسها الشخصين، وقد استرخي وكأن المكان أصبح مكانه. -أكل ومرعى وقلة صنعة. غمغمت بها حانقة قبل أن تهتف وتناديه: -إنت يااا..... إنت يا زفت.. انتبه ع الأخيرة ف ترك الرجال وتقدم حتى اصبح أمامها، ليجيب بابتسامة قميئة متلهفة وعيناه تمشط ما ترتديه من ملابس قصيرة كعادتها: -عيوني يا ست الكل.... أؤمري... نهرته مشمئزة: -بتبص على إيه يا حيوان؟ إنت نسيت نفسك ولا إيه؟ ولا قعدتك في البيت هنا أكل وشرب ونوم ببلاش، خليتك تفتكر انك صاحب بيت أو متميز عن أي خدام هنا. كلماتها الحادة اذهبت عن مزاج رأسه المرح الذي كان يشعر به منذ دقائق، مع استمتاعه بهذه الرفاهية منذ خروجه من محبسه، ليعود إلى أرض الواقع، فخرج صوته بلهجة غاضبة: -جرا يا ست هانم؟ ولزومو إيه التقطيم بس؟ هو انا هنا بخطري يعني؟ اديني أكتر من شهر قاعد مستني تقوليلي ياللا ع التنفيد للي اتفقنا عليه، وانتي اللي ركناني. ردت بجدية: -لا يا حبيبي اطمن مفيش ركنة تاني، عامر الريان سافر مع مراته عشان يستكمل رحلة علاجه من تاني، يعني خليك على استعداد على أي دقيقة هتلاقيني بقولك يالا. تمتم فهمي بحماس أطل على ملامح وجهه الإجرامية بقوة -بجد يا هانم؟ يعني خلاص ساعة الصفر قربت؟ بشبه ابتسامة ساخرة أجابته قبل ان تستدير عنه: -بجد يا خويا، جهز نفسك بقى. نظر في اثرها وهي تغادر، فرفع صوته بسؤال أثار فضوله: -ألا هو حضرتك بتعرفي الحاجات دي منين بالظبط؟ مين يعني اللي ببلغك؟ التفت برأسها تجيبه وهي مستمرة في سيرها: -اللي بيبلغني، هو نفسه اللي هيساعدك هناك، متستعجلش على رزقك. ❈-❈-❈ ما أصعبه من إحساس. ذلك الذي يمتلك قلبك فيجعلك تستسلم صاغرًا لفعل المراهقين في مراقبة محبيهم، برغم المعرفة القليلة بهم حتى لو كان هذا ضد طبيعتك المتحفظة، والتي تلجمك عن الحركة أو التقرب، مستشعرًا الحرج مع ضعف موقفك، في شئ ليس لديك به حيلة أو ذنب، ليستمر هذا التردد لفترة ليست قليلة من الزمن، منتظرًا فرصة تأتيك او صدفة تتلقفها لفتح حديث يمهد الطريق أمامك ليُعطيك ولو قليلًا من الأمل، هذا الأمل الذي ظللت تحلم به حتى تفاجأت بالصدمة التي غيرت معها خططك، بل ومنظور حياتك. هذا ما كان يشعر به وهو يقترب بخطواته نحو المكتب المقصود بعد أن طلب لقاءها مخصوص. -صباح الخير. تفوه بالتحية فور أن ولج إليها بداخل غرفة مكتبها، ليجدها انتفضت فجأة تقف أمامه تجيب التحية وفي لهجتها وضح التحفز: -صباح النور يا فندم، اتفضل حضرتك المكتب نور. تجاهل هيئتها وهذه النظرة العدائية التي ترمقه بها، وتقدم يصافحها بمودة قابلتها هي بتردد: -عاملة إيه يا كاميليا؟ بادلته المصافحة بتماسك، لتجيبه برسمية: -كويسة والحمد لله، اتفضل حضرتك . قالتها مشيرة على الكرسي المقابل، سمع منها وجلس ليناظرها ببعض الحرج الذي جعلها تبادر للسؤال على الفور: -أفندم يا حضرة الظابط، كنت عايزني في إيه؟ -كدة على طول؟ قالها بصوت خفيض ثم أستطرد: -انا عارف انك مستغربة مجيتي هنا عندك المكتب، بس انا اتصلت بيكي عشان اديكي فكرة قبل ما اَجي، وقولتلك إن الموضوع ميخصش مشاكلك بكارم. ردت بحدة: -أمال يخص إيه؟ انا مفيش ما بيني وما بينك أي صفة يجعل المقابلة شخصية، إلا إذا كانت المقابلة لحاجة رسمية لقدر الله، ودي مستبعدتش عنها كارم برضوا. -قصدك إنه يكون لفقلك جريمة يعني؟ سألها ليرى اشتعال عينيها وانفاسها التي بدأت تتلاحق لترد بانفعال: -وهو عملها صح؟ والله ما استبعد؟ تنهد بثقل يجيبها: -لا يا كاميليا معملهاش، كارم مش غبي عشان يورط نفسه معاكي بعد القضايا والتعهدات اللي انتي اخدتيها عليه... وانا عاذر عصبيتك ناحيتي عشان قريب جوزك وبنفس المجال اللي شكله بقى يمثلك هاجس. عقدت حاجبيها تطالعه باستفهام، قابله بالإجابة على الفور: -انا جاي بخصوص رباب. -إيه؟ هتف بها منتفضة من محلها، ورد هو يخاطبها بحزم: -ارجوكي اقعدي بقى واديني فرصة اكلمك ع اللي جاي عشانه، انا مش قاصد حاجة وحشة عليها. سألته بعن,ف غير اَبهة بصيحته: -أمال يعني قاصد إيه؟ وانت تجيب سيرة اختي اساسًا ليه بقى؟ رد بجملة مبهمة: -يمكن كان غرضي شريف! ضاقت عينيها وازداد إندهاشها لتسأله بعدم إستيعاب وهي تسقط بجســ دها على الكرسي: -إنت بتقول إيه؟ ومين قالك أن احنا ممكن نوافق بأي فرد من عيلتكم؟ بعد اللي شوفته انا من قريبك. طالعها بحدة صامتًا للحظات قبل ان يقول: - هتصدقيني لو قولتلك أن الفكرة دي هي اللي خلتني اصبر ومتقدمش من يوم ما شوفتها في الفرح اللي مكملش رغم إعجابي بيها من أول لحظة، بس للأسف اكتشفت اني غبي... توقف برهة ليكمل بحدة: -كاميليا هانم انا بقالي شهور وانا بقف بعربيتي قريب من بيتكم عشان اشوف اختك وهي رايحة الجامعة او راجعة منها، في انتظار الدنيا تهدى والمشاكل اللي بينك وبين كارم تخف قبل ما اخد خطوة رسمية، بس اللي حصل حضرتك. هو اني غيرت من مدة ورحت لها الجامعة على اساس اني امهد لنفسي معاها، بس للأسف اكتشفت أن اخت حضرتك في علاقة مع واحد تاني بيستناها قصاد الجامعة ويفسحها... -أنا مسمحلكش تغلط في اختي... قالتها بمقاطعة حادة، ليصعقها برده السريع: -والواحد ده يبقى كارم طليقك. بصدمة وانكار، تمتمت رغم هذا الدوار الذي اكتنفها على الفور: -أنت كداب، مش منطقي ابدًا اللي انت بتقوله ده. قالتها لتجده يخرج هاتفه ليضعه أمامه على سطح المكتب بعد ان ثبته على شئ ما، وهو يقول: -إتفضلي حضرتك وشوفي بنفسك لو مش مصدقاني. نظرت إلى ما يشير نحوه، لتجد شقيقتها بصحبة كارم في نفس المطعم الإيطالي والذي دخلته هي قبل ذلك معه، وعلى نفس الطاولة، تبتسم له بسعادة ونظرة عشق لا تخيبها عين الرائي. لترتفع رأس كاميليا نحو المدعو أمين بإنكار ترفض التنازل عنه، رغم خروج صوتها بنبرة منهارة: -برضو كداب، اكيد الصورة فيها حاجة غلط. ❈-❈-❈ -ارفع الولد قدام الشاشة كويس، انا عايز اشوفه وهو يشوفني كمان. هتف بها عامر عبر شاشة الحاسوب، وهذا الاتصال الدولي المرئي، هو وزوجته، إلى جاسر الذي كان يمسك ضاحكًا بصغيره مجد ومشاركة زهرة التي هتفت ترد: - طب نعمل إيه أكتر من كدة يا عمي؟ ندخله في الشاشة يعني؟ رد عامر بعصبية تثير الضحك: -والله لو ينفع كنت خدته معايا في الشنطة وسافرت بيه، بدال ما انا تعبان كدة. تدخلت معه لمياء تقول بنبرة باكية: -والله عندك حق يا عامر، الولد وحشني أوي يا ولاد. رد جاسر بتأثر هو الاَخر: - وبعدين بقى يا جدعان؟ ما انا لو فاضي كنا سافرنا مع بعض عيلة، دا غير كمان ان تغير الجو غلط ع الولد . -طب اعمل ايه انا بقى؟ وانا هتجنن كدة من المسافات دي اللي فاصلة بيني وبين الولد؟ صاح بها عامر لتجيبه زهرة بتحفيز: -شدي حيلك انت يا عمي عشان تقصر مسافة العلاج، وترجع ل مجد حبيبك، دا حتى هو نفسه باينك واحشه، حتى بص كدة. قالت الاَخيرة وهي ترفع رأس الطفل أمامه، ليصيح أدهم من جديد: -يا حبيب قلبي، يا قلب جدو انت، بصيلي يا مجد، شوف جدو وهو بيكلمك يا ولد. ❈-❈-❈ بأعين زائغة اقتحمت المنزل، تتخبط في خطواتها بدون تميز، حتى الآن لا تعلم كيف وصلت إلى هنا بعد لقاءها بهذا المدعو امين ورؤية الصور، تذكر انها خرجت من مقر عملها مذعورة، تستقل سيارتها دون استئذان او حتى الرد على طارق الذي لم يكف عن الإتصال بها، مازال عقلها لا يستوعب وصوت الإنكار بداخلها لا يكف عن الترديد، لابد ان هناك خطب ما خلف هذه الصور او ربما تكون قديمة اثناء فترة خطوبتها هي، من المؤكد انها مجرد صدف بحتة لا أكثر، هذا هو الصح ولا يمكن ان يتعدى الامر أكثر من ذلك، هذا الرجل يهول، من المؤكد أنه يهول. وصلت الغرفة لتدفع بابها بعن,ف جعل الأخرى تنتفض وهي واقفة أمام خزانة ملابسها تنتقي لها شئ ما والهاتف على أذنها، فصرخت غاضبة بها: -تاني برضوا يا كاميليا، هي بقت شغلانة ولا إيه؟ سمعت منها ولم تأبه بصرختها فتقدمت نحوها تجفلها بخطف الهاتف من يدها، صاحت بها رباب تحاول استعادته: -دا إيه قلة الزوق دي؟ هاتي يا كاميليا وبلاش هزارك السخيف ده. حدجتها بنظرة مخيفة محذرة قبل أن تقع انظارها على رقم محدثها بالهاتف لتتوسع عينيها بشدة وقد علمت بهوية المتصل، لتعود بنظرة متسائلة بعدم تصديق نحو شقيقتها التي هدأت مقاومتها وقد انكشف امرها. رفعت كاميليا الهاتف على أذنها تقول لمحدثها من الجهة الأخرى: -الو.... بتكلم اختي ليه يا كارم؟ لم يجيبها المذكور فقد اكتفى بالأبتسام من موقعه منتشًا ليزيد من احتراقها، فصرخت به مرددة مرة أخرى: - رد عليا بتكلم اختي ليه يا جبااان؟ على وضعه اللتزم الصمت ليُجفلها بإنهاء المكالمة، حتى يترك الأمر للشقيقتان وقد تحقق ما اراده. ومن ناحيتها وفور اكتشافها لغلق الهاتف، صاحت مغمغمة بالسباب، ثم التفت نحو شقيقتها التي كانت متكتفة الذراعين، تناظرها بحدة ووجه مشتد الملامح، فهتفت بها كاميليا سائلة باستنكار: -بتكلمي كارم يا رباب؟ بتكلميه وتخرجي معاه بعد كل عملوا معايا وحكتلك عليه؟ -ايه بقى هو اللي عملوا معاكي؟ قالتها بهدوء أذهالها، لتكمل وهي تخطو حتى جلست على تختها: -كان مكتوب كتابكم، اختلفتوا مع بعض وفضحتيه انتي لما سيبتيلو الفرح، وبعدها انفصلتي عنه، طلع هو بعاهة في رجله، وانتي لقيتي البديل اللي كان مستنيكي، ايه بقى اللى مزعلك لما اكلمه؟ -إيه اللي مزعلني؟ رددتها بصدمة تكاد ان تشطر رأسها لنصفين، لتهتف بعدم استيعاب: -هو انتي بتتكلمي بجد؟ أكيد انتي بتهزري يا رباب، أكيد بتهزري؟ رمقتها بنظرة مستهجنة لتجيبها: -واهزر ليه بقى؟ هو انا لازم امشي على رأيك كدة عمياني عشان ابقى صح، والطرف التاني يا قلبي، ما هو عنده حق بردوا يقول على نفسه بريء، واتظلم كمان. صرخت كاميليا بجنون: - اتظلم! وبيقول كمان على نفسه اتظلم، دا كان عايز يخليني جارية تحت رجله، دا كان على وشك انه يغتصــ بني... قاطعتها رباب قائلة بعن,ف: -كنتي مراته يا كاميليا بكتب الكتاب اللي كان ما بينكم، دا غير انك روحتي معاه البيت بمزاجك.. توقفت لترى رد فعل كلماتها على وجه كاميليا الذي تلون للأحمرار بشدة من فرط انفعالها ومقلتيها يكدن أن يخرجن من محجريهم بذهول يعصف بها، ف استطردت بكل اقتناع: -كارم مجبركيش تروحي بيته، انتي روحتي معاه عشان واثقة فيه، لكن انتي برضوا اللي استفزتيه وخرجتي شياطينه، بمفاضلتك دايما بينه وبين طارق اللي كنت بتحبيه كمان، وسيباه مركون ع الرف في انتظار انفصالك. صرخت كاميليا نحوها وهي على وشك الإنهيار: -هو قالك كدة؟ قالك ان محاولة اغتصــ ابه ليه وتعمد انه كان يكسرني ويذلني، كان بس رد فعل منه عشان اختك الوحشة اللي بتلعب بالرجالة؟ انتي تصدقي فيا انا كدة يا رباب؟ طب بلاش انا، خلينا في السبب الأساسي اللي كشفلي حقيقته القذرة وخلاني عرفته على أصله، يا ترى بقى، الباشا حكالك قصته القديمة مع ندى واللي عمله في جوزها... ردت سريعًا تُجفلها: --قالي، وقالي كمان على خيانة صديق عمره ليه، لما لعب على بنت عمته من وراه وخلاها تحبه، وهو عارف ان كارم كان بيحبها، يبقى يستاهل اللي يجراله -يجراله دا إيه؟ يخرب بيتك. صرخت وقد فقدت الذرة الباقية من تعقلها لتطبق بكفيها على ذراعي شقيقتها وتنهضها عن محلها عنوة تواصل انهيارها: -لحق امتى يعملك غسيل دماغ؟ لحق امتى يفهمك ان الباطل بتاعه هو الحق، والعن,ف واذية الناس بالشكل ده، دفاع عن النفس؟ قدر ازاي يقسي قلبك على اقرب ما ليكي وخلاكي بالحجود ده. -بس بقى.. هتفت بها رباب تنزع كفي كاميليا عنها لتهدر بعن,ف وكأنها واحدة أخرى: -انا مش عيلة صغيرة عشان معرفش افكر واجيب الحقيقة لوحدي، انا برضوا عندي دماغ زيك يا كاميليا، مش انتي بس اللي شاطرة يا حبيبتي، انتي اللي غلطتي لما وافقتي بكارم وانتي بتحبي واحد غيره، عايزة رد فعله يبقى ايه معاكي وانتي بتكرري نفس الحكاية القديمة معاه؟ وفي الاخر برضوا، انتي اللي كسبتي وهو اللي خسر، مستخصرة عليه يعيش حياته من تاني ليه بقى؟ هنا كاميليا لم تشعر بنفسها وهي تعاود إمساكها من ساعديها لتهزهزها بعن,ف، معاودة الصراخ بها: -يعيش مع ميين؟ عايزاه يعيش معاكى انتي حيوانه بعد ما سستمك على دماغه؟ انتي ازاي بقيتي كدة؟ ازاي تقبلي على نفسك تبقى مع واحد بالسواد ده، خلص من واحدة عشان يتلم على اختها من وراها، طب ده يتاَمن ده؟ ده يتاَمن؟ صرخت بدورها رباب وهي تنزع كفي شقيقتها عنها: - أوعي سيبيني، انتي عايزة تضر,بيني ولا إيه؟، -ايه اللي بيحصل هنا؟ جاءت خشنة هادرة من مدخل الباب، لتبتعدا الشقيقتان عن بعضهما على الفور، والتففن نحو صاحب الصوت أباهم، الذي كان يحدجهم بنظرات نا,رية مشتعلة، مسحت كاميليا سريعًا على خديها، لتخفي اثار الدموع من عينيها، وقالت بصوت حاولت جعله عادي: - ولا حاجة يا بابا، دا بس موضوع كدة ما بينا، خلى أعصابي فلتت عليها، أسفة لو خضيتك بصوتي العالي . سمع منها الرجل والتف نحو ابنته الصغرى يجفلها بسؤاله، فقد استمع لنصف الحديث من صالة منزله، فور عودته من الخارج: -انتي صحيح بتكلمي كارم طليق اختك يا رباب؟ تفاجأت في البداية المذكورة، ولكنها تمالكت سريعًا لتجيبه بجراة اجفلت الرجل وشقيقتها: -ايوة يا بابا، وفيها إيه يعني؟ مش معني ان اختى انفصلت عنه وقالت عليه كلام وحش، يبقى خلاص بقى، انا سمعته هو كمان واتأكدت من برائته. ظهرت الصدمة على وجه كاميليا، حتى انعقد لسانها عن الرد والذي تكفل به والدها: -يعني انتي كلمتي البني ادم ده من ورانا؟ بعد ما اتقطعت صلتنا بيه، ومبقاش ما بينا وما بينه غير المحاكم، عشان تيجي دلوقتي تبجحي في اختك وتقولي انها ظلمت واحد بريء، بقى دي جزاتها معاكي انتي واخواتك يا رباب؟ بعد كل اللي عملته عشانكم.... قاطعته المذكورة بحدة غير مبالية: -إيه هو بقي اللي عملته عشانا؟ لانها صرفت وساعدت معاك تبقي خلاص تتحكم فينا وتسوقنا على كيفها، ومحدش بقى يستجرأ يرفع راسه ولا يعلي صوته عليها، ليييه؟ هو حضرتك مكنتش بتصرف علينا خالص،ولا انت سايب المسؤلية للأمورة ام مرتب كبير تصرف هي من جيبها وانت رافع إيدك عننا خالص. -إنت بنت قليلة الأدب. صاح بها هادرة ليوقفها عن استرسالها وتبجحها المبالغ به، وفي شقيقتها، والتي تسمرت تطالعها بذهول لا تصدق أن من يتحدث الاَن هي رباب نفسها التي تعرفها بل وربتها على يديها، لا بل هي واحدة أخرى وليست شقيقتها التي تعلمها جيدا. ❈-❈-❈ ترك هاتفه واستقام بظهره ليعود للخلف بجلسته مسترخيًا على مقعد مكتبه في الشركة الجديدة والتي أسسها حديثًا، فور خروجه من المشفى وقد بدأ بإجراءاتها اثناء رحلة علاجه بها، يشعر بعودة الثقة لذاته من جديد، فكرة ارتباطه ب رباب اتضح مع الوقت انها أشد الأشياء فاعلية، ف الفتاة صغيرة لم تأخذ بيده أكثر من جلسة لأقناعها، مستغلًا انبهارها الدائم به، مع لمس هذا الجزء من عاطفتها، ود لو يشكر قريبه امين والذي جعله ينظر إليها كأنثى بعد أن ابدى هو إعجابه بها، ليرى أنها بالفعل رائعة الجمال، حتى وإن كانت ليست بفتنة شقيقتها الكبرى، ولا حتى تملك هذه الضحكة الرائعة كالتي سمعها قريبًا في الهاتف، والتي ارقت ليلته بعدها، ولكنها صغيرة وعقلها سهل التطويع، لقد كان تفكيره في بداية علاقته بها شئ تطور مع الوقت ليتوغل ويصبح شيئًا اَخر، يقارب التملك! ويساهم في تحقيق رغبته الأساسية، في الانتقام لكرامته. ❈-❈-❈ في غرفة الطفل كانت تطعمه اثناء حديثها في الهاتف مع نوال وجدتها التي عادت إلى منزلها منذ أيام، وهي تسألها الان عن صحة الطفل: -كويس والله يا ستي.... ولما هو وحشك يعني يا رقية سبتيه ليه؟....... هههه عارفة والله يا حبيبتي إن راحتك في بيتك بس انا البيت فضي عليا بعد ما مشيتوا كلكم....... حاضر هجيلكم قريب، انا اساسًا عايزة اخرج واغير جو.... حاضر يا حبيبتي. شهقت تقطع جملتها على اثر مفاجأة جاسر بأن باغتها بقبلة على وجنتها جعلتها تلتف بحرج نحو مربية طفلها التي كانت ترتب ملابس الصغير في خزانته، لترمق جاسر بنظرة محذرة كي ينتبه ولكنه شاكسها يلاعب حاجبيه حتى أنه طبع قبلة أخرى، كتمت ضحكتها لتنهي الإتصال على عجالة، وبعدها التفت للمربية: -اخرجي دلوقتي انتي يا عزيزة، ولما اعوزك هبقى اطلبك. -تحت أمرك يا هانم . قالتها المرأة بأدب قبل أن تخرج مذعنة للأمر، لتفاجأ بجاسر الذي جلس على الفور على طرف الكرسي يقول بمرح: -كويس انك خرجتيها عشان نبقى لوحدنا. -ياراجل. قالتها لتفاجأ به يقبلها على أعلى رأسها، ويسحب بأنفه رائحتها بعشق، ثم نزل بشفتيه يمررها على صدغها ووجنتها، ف خرج صوته المتحشرج بشوق: -وحشتيني يا زهرة وحشتيني اوي. تبسمت مستجيبه لهمساته، رغم ادعائها الحزم بقولها: -خلي بالك انا لسة شايلة الولد بإيدي، ثم إن المربية كمان ممكن تدخل علينا كدة من غير إستئذان والباب مفتوح. قرب وجهه ليصبح مقابل وجهها، ليقول بجدية وعيناها اشتعل بها الشوق بعن,ف نحوها: -خلي بالك احنا فترة طويلة اوي حتى مش عارفين نكلم بعض. ردت بجدية هي الأخرى رغم استغرابها: -طب ما هو دا الطبيعي، عشان ظروف الحمل والولادة ومشغالك انت كمان. -أممم زام بفمه مطبقًا شفتيه وعيناها ضيقها بادعاء التفكير، ثم قال: -طب خلي بالك بقى يا حلوة، احنا دلوقتي فضينا لبعض، اينعم انا مش قادر اخلص من المشاغل اللي اتكومت فوق راسي، بس انا برضوا مش هسيب حقي! -يعني إيه؟ سألته بتوجس وابتسامة مستترة، ليجيبها بصرامة لا تقبل النقاش: - يعني انا دلوقتي مضطر اخرج في اجتماع زفت مع وفد أجنبي زفت برضو، ارجع من الزفت الاقيكي صاحية يا زهرة، حتى لو ع الفجر، فاهمة ولا لأ؟ -حاضر فاهمة فاهمة . رددتها بمهادنة له، لتنطلق ضاحكة مع مزاحه معها، غافلين عمن وقف يتصنت بجوار الغرفة ويسمع حديثهم. ❈-❈-❈ -إنتي متأكدة من كلامك دا يا عزيزة؟..... يعني هو هيتأخر النهاردة، ...... تمام اوي إجهزي بقى ع اللي اتفقنا عليه، وخليكي ع الفون تستني الأمر مني .... صحصحي يا عزيزة مش عايزة غلطي، هبعتلك الراجل بتاعي تفتحيلوا الباب الخلفي زي ما اتفقنا وانتي عارفة الباقي، سامعة الكلام ولا هتبوظي الدنيا وتروح عليكي المية ألف اللي اتفقنا عليها؟ انتي عارفة اني محدش هيقدر يقربلي، انتي اللي هتخسري لو غلطتي....... تمام اوي، اقفلي بقى وخلي التليفون دايما في إيدك......سلام. انهت سريعًا لتهتف بصوتها على احد الحراس: - يا مصيلحي، إنت يا مصيلحي أتى الرجل يجيبها على الفور: -افندم يا ميرفت هانم اؤمري. نظرت إلى الرجل تخاطبه بحزم: - جهز كل رجالتك عشان افهمكم هتعملوا إيه، واندهلي فهمي صنارة، عشان اَخيرًا جه وقته! ❈-❈-❈ - وحصل إيه بعد كدة؟ سألها طارق عبر الهاتف وقد اوجعه الحالة كانت عليها، لتجيبه بصوت خرج بصعوبة، وهي تحاول التمالك بعد نوبة البكاء التي انتابتها فور اتصاله بها: - بابا حكم عليها متخرجش الجامعة وأخد منها التليفون، عشان متكلموش ولا تقابلوا تاني. رد طارق با ستنكار: -بس دا مش حل يا كاميليا، البنت لازم ترفضه من نفسها. هتفت إليه بقلة حيلة: -انا عارفه انه مش حل، بس نعمل إيه بقى؟ بابا دخل بالصدفة سمع الكلام، ولما واجهها ردت بعند وأسلوب شديد معاه، من غير ما تقدر غضبه، وكانها بتدافع عن قضية حياتها، انا مش عارفة البني أدم ده إمتى لحق يتوغل كدة في تفكيرها ويسيطر على عقلها؟ رد طارق من جهته بتأثر: -كارم حاد الذكاء يا كاميليا، وانتي عارفة كويس قوي إنه مبيضيعش وقت، هو اكيد استغل عمرها الصغير ومدام دخلها من ناحية الشفقة والمظلومية، يبقى عرف كويس يأثر عليها، دا شيطان في صورة إنسان، بس احنا لازم نفكر نشوف حل مع البنت، ونقرب منها الأيام اللي جاية دي. تنهدت طويلًا ثم ردت تقول بإصرار: - هو دا فعلًا اللي انا بفكر فيه، هحاول بقدر الإمكان ارجع ثقتها فيا، يارب اقدر اعرف اشيل السموم اللي دخلها براسها، المهم دلوقتي، ممكن تفضل معايا يا طارق، اصل انا تعبانة قوي ومع ذلك مش قادرة انام والتفكير هيفرتك دماغي. وصلها صوته الحنون: -ولا يهمك يا حبيبتي، انا هفضل معاكي ان شاالله للصبح، حمد لله بقى، ماليش دور في الاجتماع بتاع جاسر النهاردة، مصطفى عزام سد عني أوي في الحتة دي. ❈-❈-❈ أمام منزل عامر الريان والذي يضم عائلته الصغيرة الاَن في غيابه، كانت الأجواء هادئة، الحراس على وضعهم الطبيعي، كل فرد منهم في منطقة عمله، وحالة الأمن لا يشوبها شئ، حتى مرور هذه السيارة الغريبة السوداء في هذا الوقت المتأخر من الليل، بعدد من الرجال الملثمين بها، يخرج فردين منهم عبر نوافذها بأس,لحة نا,رية ثقيلة تنطلق دون انذار على رجلين من الحراس عشوائيًا ليسقطوا ارضًا أمام اقرانائهم، مع وقع المفاجأة هرول البقية يطاردون السيارة التي اختفت بسرعة البرق بعد أن أدت مهمتها، ولكن لم يتمكنا من اللحاق بها. وفي الداخل انتفضت زهرة على صوت الط,لقات النا,رية لتخرج من غرفتها سريعًا متسائلة نحو الخدم: -إيه اللي حصل؟ فيه إيه؟ خرجت إليها عزيزة: -مفيش يا هانم، دي عربية سودة ض,ربت ن,ار على الحراس وقعت منهم رجلين. رددت زهرة بفزع: - انتي بتقولي إيه؟ طب والرجلين حصل فيهم إيه، عاشو ولا ميتين؟ أجابتها المرأة الأربعينة: -الله أعلم يا هانم، بس انا شايفة اصحابهم بياخدوهم ع المستشفى في العربيات، سمعت منها زهرة لتردد صارخة بارتياع: - طب ابني فين؟ انا عايزة ابني، فين ابني؟ قالت الآخيرة وركضت نحو غرفته، لحقتها المرأة تردد: -ابنك كويس يا هانم، متقلقيش عليه. شهقت بارتياح فور أن رأت الصغير في تخته لتتناوله، وتحتضنه بقوة، لتعود بسؤالها للمرأة: -هو انتي مفيش حد معاكي من الخدامين؟ ردت المرأة: - الخدامين مشيوا يا هانم مع ميعاد انصرافهم على عشرة، والساعة دلوقتي داخلة على نص الليل ولا انتي مش واخدة بالك؟ اومأت لها زهرة بتفهم لتتحرك بالطفل وهي تسألها: -حد من الحراس بلغ جاسر أو الشرطة؟ - الله أعلم يا هانم، انا معاكي هنا ومخرجتش. اومأت لها زهرة مرة أخرى وهمت ان تغادر به، ولكن المرأة أوقفتها بقولها: -طب انتي يا هانم هتاخدي الولد معاكي ليه وهو نايم؟ ما انا قاعدة جمبه وبراعيه، مش دي وظيفتي برضوا ؟ اجابتها بتخوف وهي تتمسك بطفلها: - انا هخده يبات معايا الليلة، وانتي ارتاحي النهاردة قالتها وخرجت على الفور لتغمغم المرأة مع نفسها فور إغلاق الغرفة: - براحتك . ❈-❈-❈ ولجت لداخل غرفتها لتبحث عن الهاتف وبيدها طفلها الذي تتمسك به بقوة، وجدته على الكمود، تناولته على الفور بإيدي مرتجفة، لتضغط بالإتصال على رقمه، بعد ان وضعت الصغير على الفراش بجوارها انتظرت قليلًا حتى أتتها الإجابة بصوت لاهث: -ايوة يا زهرة، انا كنت هتصل دلوقتي بيكي، عاملة إيه انتي والولد بعد موضوع ضر,ب النوار، الرجالة مبلغيني حالَا باللي حصل. أجابته ببعض التماسك، حتى تطمئنه: - احنا كويسين يا حبيبي متقلقش، بس انت بتنهت ليه؟ وصلها رده مع بعض الاصوات المختلطة: - انا خارج من الفندق ومعايا إمام والحرس، عشان اشوف الموضوع ده والناس اللي اتصابت. -طب ما تبلغوا الشرطة الأول.... قالتها لتقطع صارخة: -الكهربا قطعت في الأوضة يا جاسر. صرخ من جهته عبر الاثير: -الكهربا قطعت ازاي يعني؟ هو ايه اللي بيحصل بالظبط؟ خلي بالك من نفسك يا زهرة انتي والولد.... انا جايلك حالًا بالحراس اللي معايا، وهتصل ع اللي فاضلين عندك يفتحوا عينهم...... قالها ليفاجأ بصرخة اخترقت أذنه وصوتها يردف بهذيان كالمجنونة مع هذه الكائنات التي تفاجأت بها تزحف عبر أرضية الغرفة بلمعتها التي كانت تبرق بقوة مع ضوء القمر: - تت.. تعابين، تعابين تعابين، في أوضتنا يا جاسر... تعابين. تردد بها بهستريا وقلبها على وشك التوقف وهي ترفع اقدامها عن الأرض حتي أصبحت تقف على ركبيتها فوق الفراش، والاَخر يصرخ بها للتماسك حتى يصل إليها أو تصل الشرطة، وقد وضح إليه جليًا الاَن ان ما يحدث هو ترتيب محكم، بخطة جهنمية، يتمنى لو يستطيع الطيران للحاق بها حتى يستطيع حمايتها من أي شر يحوم حولها، هي وصغيره. وبجواره إمام لا يقل عنه تحفزًا وهو يفرك بكفيه، التي تحرقه الاَن من أجل ضر.ب أحد ما. اما عن زهرة فقد انقطع معها الاتصال فجأة مع جذب الهاتف من فوق إذنها، من قبل أحد الأشخاص من خلفها التفت برأسها لتفاجأ بوجهه القبيح يظهر مخيفًا مع هذا الضوء الخفيف من النافذه، يبتسم بهذه السنة المكسورة من حادثها القديم معه. تخشبت بذعر شل اطرافها، لتشعر بتوقف دقات قلبها عن النبض لعدة لحظات كادت فيها أن تمو,ت بالفعل، شفتيها كانت تتحرك بالحرف بالأول له: -فففففففف تمتمتم يكمل لها بتسلية: -فهمييي، ايوا انا فهمي يا حبيبة عمو، ولا اقول يا عروستي أحسن؟ قالها فهمي واندفع باب الغرفة فجأة لتدلف منه المربية تهتف بحزم: - انت لسة واقف يا جدع انت؟ ما تخلص بقى. -عزيزة. همست بها متمتمة قبل ان تباغتها المرأة بالأقتراب منها لتتناول طفلها، على الفور استفاقت زهرة من حالة الزهول، لتصيح معترضة وهي تبُعد كفي المرأة عن مجد: -إبعدي إيدك عن ابني يا ست انتي.. ولكن وللأسف باغتها هذه المدعو فهمي أيضًا، بتطويقها من الخلف، ليسيطر على حركة يديها وذراعيها، وهو يهمس بأذنها: -سبيلها الواد، دا وظيفتها هي، أما انتي بقى يا عروستي، فاختصاصي أنا . قاومت بكل قوتها لنزع ذراعيه عنها لتنهض عن التحت وتلحق بطفلها الذي أخذته المرأة أمام عينيها وهي تردد: -ابني، ابني، ابني اوعي سبني يا حيوان . وهي تقاوم بكل قوتها استكانت فجأة وانظارها هبطت نحو اقدام المرأة التي خطت بين الأفاعي دون حساب أو خوف حتى غادرت الغرفة، إذن فيمنكها هي أيضًا تخطيهم، أو كما قالت لها الطبيبة قبل ذلك: -يمكننا هزيمة الخوف، بالتخطي، أن نتخطى كل عقدنا القديمة وكل ما يزعجنا، نمحو من عقولنا كل ما يمثل برأسنا هاجس يعود بنا للخلف. وهي اجتمعت عليها هواجسها الثلاث الاَن، في مقابل إنقاذ وليدها، قديمًا والدتها ضحت بنفسها من أجلها، وهي لن تكون أقل منها شجاعة. انتبهت من شرودها على لمسات هذا القبيح عليها، وانفاسه الحارة على رأسها، ليذكرها بما هي مقدمة عليه، فالتفت برأسها إليه لتجده يبتسم لها من جديد، وهو يتناول منديل أبيض من سترته: -ايوة كدة خليكي هادية، دا احنا ليلتنا بيضة. قالها وهو يهم بوضع المنديل ليكمم فمها وأنفها ولكنها سبقته برفع رأسها فجأة، لتض,ربه بمقدمتها على عظمة أنفه بطاقة من العن,ف استحضرتها بكل قوتها، فصرخ هو مجبرًا على فك ذراعيه عنها: -الله يخرب بيتك، انتي وجوزك على نفس المكان، دا انا خدت في علاجها شهور. نظر بباطن كفه ليرى الد,ماء اغرقت كفه وأنامله، نفس الأمر الذي حدث به سابقًا مع ض,ربة جاسر القوية له اثناء محبسه، فصرخ مرتعبًا: - دم، دم ، تاني دم، وديني لحصر قلب جوزك عليكي قالها وتحرك من أجل الفتك بها، ولكنها سبقته في الاعتدال بقفزة سريعة نحو الكمود لتخرج الس,لاح الناوري المرخص لزوجها، ونهضت ترفعه بوجهه. ارتعب في البداية فهمي، ولكنه عاد يذكر نفسه بأن من تقف أمامه، هي زهرة، زهرة التي تخاف منه حد المو,ت، فقال يهادنها بسخرية: -خلي بالك يا زهورة، السلا,ح يطول يا قلبي، ابعدي اللعبة دي عن إيدك، بدل ما تيجي تدوسي، فتيجي الطلقة فيكي. طالعته بعن’ف صارخة: -ابعد عني يا حيوان واخرج قدامي رافع إيدك عشان تنده ع الست الحرامية دي اللي اخدت الولد. -اخرج قدامك رافع إيدي، ما تذنبيني أحسن زي العيال . رددها ساخرًا قبل ان يتقدم يباغتها بهجومه عليها بغرض اخذ المسد,س يردد: - يا ماما قولتلك السل,اح يطول، هو انتي تعرفي تدوسي على نملة أصلًا عشان تقت,لي واحد زيي كمان؟ ارتدت تتفادى هجمته لتقول بقوة وهي تنزع زارار الأمان من السلا,ح قبل ان تنطلق بالطل,قات الن,ارية منه: -واقت,ل عشرة من عينتك عشان ابني... بقلم أمل نصر. رواية نعيمي وجحيمها.