رانيا إعادة النشر 3
رانيا إعادة النشر3
شعرت بأنفاسه الباردة على وجهها، ورائحته القوية تملأ حواسها مما أصابها بالدوار.
انحنى قليلاً وهمس بجوار أذنها، بصوت لم يسمعه غيرها، صوت كان كحكم الإعدام.
_في تار جديم بين عيلتنا، ولازم نخلصه، والتار ده… تمنه هيكون أنتِ.
❈-❈-❈
وقف مالك في حديقة المنزل الشاسعة، تحت سماء بدأت تتلون بألوان الغروب الدافئة
كانت عيناه تنظران إلى الأجواء من حوله، إلى الأشجار العتيقة التي شهدت طفولته، وإلى الزهور التي كانت والدته تعتني بها بحب، لكنه لم يكن يرى شيئًا من هذا حقًا.
كان يرى فقط الفراغ الذي استقر في روحه.
كيف؟
سأل نفسه بمرارة.
كيف فكرت لوهلة أن باستطاعتي العودة والبقاء هنا؟
لم يعد هنا ما يبقى لأجله لقد بنى حياته كلها على فكرة أنه السند والحامي، أنه المسؤول والآن، بنات عمه أمانته التي أقسم على حمايتها، أصبحن في كنف حضن آخر غير حضنه.
روح… كانت هي البوصلة التي توجه قراراته دون أن تدري، والآن تحطمت تلك البوصلة، وتركته تائهًا في بحر من الخيبة.
_چاعد لوحدك ليه يا مالك؟
التفت مالك على صوت جده الوقور.
كان وهدان يقترب منه بخطوات هادئة، مستندًا على عصاه الخشبية التي كانت رفيقته الدائمة
جلس بجواره على المقعد الحجري، ونظر إلى الأفق بنفس النظرة الشاردة التي كانت في عيني حفيده.
رد مالك بابتسامة باهتة، محاولة فاشلة لإخفاء العاصفة التي تدور بداخله.
_ مش چاعد لوحدي ولا حاچة يا چدي بس مستني مكالمة من ناچي، أصلي طلبت أتنقل لفرع ثاني ومستني رد المدير.
نظر إليه وهدان نظرة طويلة، نظرة تخترق كل الأقنعة والدفاعات.
_ولو مش مرتاح في الغربة يا ولدي ارچع مصر وخليك وسط ناسك وأهلك الأرض دي تساعك وتساعى غيرك.
_ما أنا جولتلك يا چدي إن شغلي ده مكتوب عليه الغربة طبيعته إكدة.
_يبجى بلاش منيه خالص اللي يتعبك ويخليك تدوج مرارة الغربة، ارميه ورا ضهرك الرزق على الله.
رد مالك بصوت خافت، كأنه يحدث نفسه، صوت مشبع بوجع لم يعد قادرًا على إخفائه.
_يظهر إن انكتب عليا أعيشها غصب عني جوه وبره ومفيش أمل أعاود منيها.
آلمه قلبه لى وهدان لرؤية حفيده القوي في هذه الحالة من الانكسار. لكنه كان يعلم أن الشفقة لن تفيده عليه أن يقتلع هذا الوهم من جذوره، قبل أن يدمر حفيده قال بلين وحكمة، وصوته كان كبلسم على جرح ملتهب.