جوزي حط إيد بنتنا الصغيرة اللي عندها 7 سنين تحت إبرة ماكينة خياطة تقيلة، وداس برجله على دواسة الماكينة عشان نقطة حبر وقعت منها على فستان كان بيجهزه لشغله! وأنا بصرخ من الرعب وبحاول أنقذ بنتي، حماتي وقفت في طريقي ومنعتني أوصل لها، أما خطيبة جوزي الجديدة، اللي كانت داخلة بيتنا على إنها مهندسة ديكور، فكانت واقفة بتتفرج بابتسامة باردة وهي بتقول: «أيوه كده! خلي الإبرة تعلّمها الأدب وتخيط الخوف في عضمها!» لمدة ست سنين، عشت مع جوزي كريم الشناوي، واحد من أشهر أصحاب مصانع الملابس الجاهزة في القاهرة، في بيت كبير في التجمع الخامس، كله فخامة وديكورات غالية، لكن من جوا كان بالنسبة لي قفص دهبي مفيهوش أي رحمة. كنت فاكرة إن السكوت وتحمل الإهانة هما تمن الحفاظ على بيت مستقر لولادي، يوسف ولوجين، وإن مهما كان كريم قاسي، أكيد في يوم من الأيام هيحن عليهم ويفتكر إنهم عياله. كنت كل يوم بصحى وأنا بحسب كل كلمة هقولها، وكل حركة هعملها، عشان أتجنب عصبيته وأوامره اللي مبتخلصش. حماتي، سعاد هانم، كانت عايشة معانا في نفس البيت، وكانت شايفة إن من حقها تتحكم في كل تفصيلة في حياتي، من أكلي ولبسي لحد طريقة تربيتي لولادي. ولو اعترضت على أي حاجة، كانت تتهمني إني ست فاشلة ومش عارفة تحافظ على جوزها. وكنت فاكرة إن ده أقصى اللي ممكن أشوفه منهم. لكن كنت غلطانة، وغلطتي كانت هتكلّف بنتي الصغيرة أغلى حاجة في حياتها. في اليوم ده، كنت في المطبخ بجهز الغدا، ولوجين كانت قاعدة في أوضة الخياطة اللي كريم عاملها في آخر الدور الأرضي، بتلعب جنب الترابيزة بعيد عن الماكينات. كريم كان مستعجل يخلص فستان سهرة غالي جدًا، معمول مخصوص لعميلة مهمة، وكان طول اليوم بيزعق في العمال على التليفون ويهددهم بالطرد لو أي تفصيلة طلعت مش مظبوطة. وفجأة، لوجين مسكت قلم حبر كان مرمي على الترابيزة، ومن غير قصد، نقطة حبر وقعت على جزء من الفستان. البنت اتخضت، وحاولت تمسح البقعة بسرعة بمنديل، لكن الحبر انتشر أكتر. أول ما كريم شاف اللي حصل، وشه اتقلب، وعينيه احمرت من الغضب. صرخ فيها بصوت خلّى البنت تنتفض من مكانها: «إنتِ عملتي إيه يا غبية؟! إنتِ عارفة الفستان ده تمنه كام؟! » لوجين بدأت تعيط وهي بترتعش: «والله يا بابا ما كنت أقصد... أنا هصلحه، والنبي متزعلش مني!» لكنه مدّ إيده ومسكها من دراعها بعنف، #انجي_الخطيب وسحبها ناحية ماكينة الخياطة الصناعية الكبيرة، اللي إبرتها الحديد كانت بتتحرك بسرعة رهيبة، وقال لها: «هعلّمك إزاي تحافظي على الحاجة اللي مش بتاعتك! » في اللحظة دي، سمعت صرخة بنتي، فجريت ناحية أوضة الخياطة وأنا قلبي بيقع من الخوف. دخلت لقيته مثبّت رسغها الصغير تحت إبرة الماكينة، ورجله بتتحرك ناحية الدواسة! صرخت بكل قوتي: «كريم! إنت اتجننت؟! دي بنتك! سيب إيدها حالًا! » جريت عليه أحاول أبعد إيده عن بنتي، لكن حماتي ظهرت قدامي فجأة، ولفت دراعاتها حوالين وسطي وشدتني لورا بكل قوتها. صرخت فيها وأنا بحاول أفلت منها: «ابعدي عني يا سعاد! البنت هتروح من إيدنا!» لكنها ردت ببرود مرعب: «سيبي جوزك يربي بنته! طول عمرك إنتِ اللي مدلعاهم ومبوظاهم!» وفي اللحظة دي، ظهرت نادين، خطيبة كريم الجديدة، اللي كان بيقدّمها للناس على إنها مهندسة ديكور جاية تجدّد البيت وتختار أثاثه الجديد. لكن الحقيقة إنها كانت على علاقة بيه من شهور، وهو كان بيجهز يتخلص مني ويتجوزها. نادين وقفت عند باب الأوضة، شبكت دراعاتها قدام صدرها، وبصت للوجين وهي بتعيط، وبعدها قالت وهي بتضحك: «كويس! خلي الإبرة تعلّمها الأدب، يمكن بعد كده تعرف قيمة الحاجة اللي في إيدها!» في اللحظة دي، حسيت إن حاجة جوايا ماتت. كل الخوف اللي عشته ست سنين، وكل الذل اللي استحملته عشان ولادي، اتحول في ثانية واحدة لبرود غريب، كأن قلبي اتجمّد، وكأن الست اللي كانت بتترجاهم يرحموها اختفت تمامًا. بطلت أقاوم حماتي للحظة، ورفعت عيني وبصتلها بابتسامة خلتها تتلخبط. وبعدين ضحكت ضحكة قصيرة، باردة، عمرها ما سمعتها مني قبل كده. ولما خفّت قبضتها لحظة من المفاجأة، دست بكعبي على رجلها بكل قوتي، فصرخت وفكت إيديها عني. اندفعت ناحية الماكينة، لكن قبل ما أوصل لكريم، لمحت لوحة التحكم الذكية المثبتة في طرقة البيت، اللي كريم كان مركبها عشان يتحكم في أنظمة الأمان والطوارئ من مكان واحد. كنت عارفة إن فيها زر طوارئ رئيسي، متوصل بنظام الإنذار الأمني في الفيلا، وبجهة الاستجابة الأمنية اللي بتتعامل مع بلاغات الخطر. جريت بأقصى سرعة، وض. ربت بإيدي على زر الطوارئ الأحمر. وفجأة، صوت إنذار عالي دوّى في أرجاء الفيلا، وبعده اشتغلت السماعات الداخلية، وبدأ النظام يبث التسجيلات الصوتية المباشرة من أوضة الخياطة، بعد ما فعّلت خاصية الطوارئ اللي بتبعت البث لغرفة الأمن ومركز الاستجابة المرتبط بالنظام. صوت كريم وهو بيهدد بنتي، وصراخ لوجين، وضحكة نادين، وكلام حماتي القاسي، كل ده بقى مسموع بوضوح. كريم اتجمد مكانه، وبص حوالين نفسه برعب، وبعدين صرخ: «إيه اللي إنتِ عملتيه ده؟! اقفلي الزفت ده حالًا!» لكن أنا ما اتحركتش من مكاني، وفضلت ضاغطة على زر الاستغاثة، وعيني مثبتة عليه. نادين وشها اصفر، وحماتي بدأت تتراجع وهي بتقول بتوتر: «اقفلي الإنذار يا بنتي! إنتِ كده هتفضحينا!» بصتلها وقلت بصوت هادي بشكل خوّفها أكتر من صريخي: «أنا مش اللي فضحتكم يا سعاد... إنتوا اللي عملتوا كده بنفسكم.» وفي أقل من دقايق، صوت صفارات عربيات الشرطة بدأ يقرب من بوابة الفيلا. كريم ساب إيد لوجين فجأة، وسحبها بعيد عن الماكينة، وبصلي برجاء مذعور، كأنه لسه فاكر إنه أبوها وإن المفروض أحميه من عواقب اللي عمله. لكن خلاص، اللحظة دي فاتت. الباب الخارجي اتفتح، وطلع صوت خطوات سريعة في الطرقة، وبعدها دخل عدد من أفراد الشرطة، ومعاهم ضباط مدربين على التعامل مع الحالات الخطرة. الباب الخارجي اتفتح، وطلع صوت خطوات سريعة في الطرقة، وبعدها دخل عدد من أفراد الشرطة، ومعاهم ضباط مدربين على التعامل مع الحالات الخطرة. أول ما شافوا حالة الرعب اللي كانت فيها لوجين، والإبرة الصناعية، والفستان الملطخ بالحبر، بدأوا يسيطروا على المكان ويفصلوا كريم عننا. ضابط قرب من بنتي، نزل لمستواها وقال برفق: «متخافيش يا حبيبتي، إحنا هنا عشان نحميكي.» أما كريم، فكان بيحاول يبرر اللي حصل بصوت متقطع: «استنوا بس! الموضوع مش زي ما إنتوا فاهمين! دي بنتي وأنا كنت بأدبها! » نادين بدأت تتراجع ناحية الباب، لكن واحدة من أفراد الشرطة منعتها من المغادرة، وحماتي فضلت تصرخ وتتهمني إني السبب في كل اللي حصل. وفي النهاية، اتاخد كريم للتحقيق، واتحرر محضر بالواقعة، واتحولت أقوال الشهود والتسجيلات لفحص الجهات المختصة، بينما فضلت نادين وحماتي تحت التحقيق بسبب دور كل واحدة في منع إنقاذ الطفلة والتحريض على إيذائها. وأنا، أول ما شفت الطريق بقى مفتوح ليا، جريت على لوجين وحضنتها بقوة، وبعدها مدت إيدي وسحبت يوسف اللي كان واقف عند باب الطرقة بيعيط ومش فاهم إيه اللي بيحصل. حضنت الاتنين، وفضلت أبوس راسهم وأنا بحاول أهدّي رعشة جسم لوجين. لكن قبل ما كريم يخرج من باب الفيلا، لف راسه ناحيتي، وعينيه مليانة ذعر وإهانة، وقال بصوت مكسور: «أرجوكي يا منى... قولي لهم إني أب كويس! قولي لهم إني عمري ما أذيت عيالي!» رفعت عيني وبصيت له، وبعدها بصيت لبنتي اللي كانت مستخبية في حضني، وقلت للضابط بكل ثبات: «أنا مش هكدب عشان أحميه. أنا عايزة بنتي وابني يعيشوا في أمان، وعايزة القانون ياخد مجراه.» لكن اللي محدش فيهم كان يعرفه، إن تسجيلات نظام الأمان ما كانتش الوحيدة اللي اتبعتت وقتها... لأن قبل ما أجري على زر الطوارئ، كنت لمحت حاجة تانية على شاشة الكمبيوتر في أوضة الخياطة، حاجة تخص كريم ونادين، ولو ظهرت للنور، مش بس هتغيّر مصير القضية. .. دي هتكشف سر خطير كان مستخبي في بيتنا من سنين!#انجي_الخطيب أول ما الضابط أخد كريم ونادين وسعاد هانم على العربيات، الهدوء نزل على الفيلا زي الكابوس. البيوت الكبيرة لما تفرغ فجأة من الإزعاج، بيبقى صوت الفراغ فيها يرعب. كنت مسكّة في إيد يوسف ولوجين، البنت كانت لسه بتترعش في حضني وصوت شهقاتها الواطية بيقطع في قلبي. الضابط اللي فاضل في الصالة بصلنا برحمة وقال: «يا مدام منى، اتفضلي مع الأمبولانس يطمنوا على البنت، وبعدها المحضر جاهز في القسم عشان أقوالك. » هزيت رأسي بهدوء غريب. البرود اللي تملكني من لحظة ما وقفت قدام إبرة الماكينة كان لسه هو اللي ممشيني. قمت، وقفت على رجلي، وقبل ما أطلع من باب أوضة الخياطة، بصيت للكومبيوتر اللي كان شغال على المكتب. الشاشة كانت لسه مفتوحة على فايل "الأرشيف المستندات" اللي كريم ونادين كانوا شغالين عليه الصبح.مديت إيدي بسرعة، وسحبت الفلاشة السودة الصغيرة المتركبة في الكيسة، وحطيتها في جيبي.في المستشفى، الدكاترة طمنوني إن إيد لوجين سليمة، الجلد اتجرح جرح بسيط من الخضة والجري، لكن الإبرة ملمستش العظم. كريم كان قاعد على الكرسي قدامي، وشه شاحن، ودقنه اللي كان بيصرف عليها ألوفات عشان تطلع مظبوطة بقت مبهدلة، ونادين جنبه بتعيط هي وسعاد هانم وبيحاولوا يلبسوني القصة كلها.. إنها مجرد «عصبية أب بيمزح أو بيري» وإن أنا اللي افتعلت الأزمة عشان أطلب الطلاق وآخد مؤخري. وكيل النيابة بصلي وقال: «أقوالك يا مدام منى؟ التسجيلات الأمنيّة في الفيلا جابت الصوت، بس محامي المتهم معترض وبيقول إن الصوت مش واضح وفي لغط، وإن الأب ما كانش يقصد إيذاء جنائي.» كريم بصل برجاء، عينيه كانت بتقوللي: «ست سنين يا منى. . فكري في شكلنا قدام الناس، فكري في مصانعي!» ابتسمت نفس الابتسامة الباردة اللي خرجت مني في الفيلا. طلعت الفلاشة من شنطتي وحطيتها على مكتب وكيل النيابة.«الموضوع مش مجرد حبر وفستان يا فندم.. ولا مجرد أب قاسي.» كريم وشه اتخطف. نادين سكتت عن العياط فجأة وبصت للفلاشة برعب.كملت بصوت ثابت وصريح: «دي فلاشة عليها الملفات المالية الحقيقية لمصانع الشناوي للغزل والنسيج. الفلاشة دي فيها عقود تهريب قماش غير جمركي بمليارات، وورق بيثبت إن الشقة اللي نادين جاية على إنها دكتورة ديكور عشان تصممها، ما هي إلا واجهة لشركات وهمية كريم بيغسل فيها أموال مع ناس بره مصر. . ونادين مش مهندسة ولا حاجة، نادين شريكة في أوراق التزوير دي بأمر النيابة العامة اللي أدور عليها بالصدفة وأنا بدور في ملفات شغل كريم.» الصدمة نزلت على الأوضة زي الصاعقة. كريم وقف من طوله يصرخ: «كذابة! دي مجنونة! بتاخد حظرها مني وبتبلتس عليا!» بس وكيل النيابة أشر للعسكري يثبته، وأخد الفلاشة وطلب حرز الكومبيوتر ورجال المباحث الأجهزة الذكية فوراً.سعاد هانم وقعت على الكرسي وهي بتصوت: «يا فتيح يا عليم! يخرب بيتك يا منى! هتضيعي ابني ومصانعه؟ !» بصتلها وقولت بكل هدوء الدنيا: «ابنك ضيع نفسه يوم ما تخيل إن الفلوس والنفوذ يدوه الحق يدوس على لحمه ودمه.. ويوم ما افتكر إن أنا مجرد كرسي في البيت مالوش لسان.» خرجت من باب النيابة، والشمس كانت طالعة لأول مرة حاسة بدفئها بجد. ماسكة إيد يوسف في ناحية، ولوجين في الناحية التانية. البيت الدهبي اللي في التجمع اتفعل عليه التحفظ الجنائي، بس أنا ما كانش يلزمني منه ولا حيطة.الشرطة والنيابة جابوا لي حقي وحق ولادي بالقانون، وفي خلال أسابيع، القضايا طالت كريم ونادين في شبكة غسيل أموال وتزوير، غير قضية إيذاء طفلة والترويع. قعدت مع ولادي في شقة صغيرة على قدنا، دافية، مفهاش ماكينات خياطة تقيلة ولا صوت زعيق، بس فيها أمان.. الأمان اللي خيطته في قلوبهم بجد، مش الخوف اللي كان عايز يخيطه في عظامهم.الشهرين اللي بعد الحادثة عدّوا كأنهم سنين من راحة البال اللي كنت محرومة منها طول عمري. الشقة الصغيرة اللي أجرتها في حي شعبي هادي، رغم ضيقها مقارنة بفيلا التجمع، كانت مليانة ضحكة ودفء أول مرة ولادي يحسوه. لوجين رجعت تضحك وترسم في كشاكيلها من غير رعشة في إيدها، ويوسف بقى بينزل يلعب كورة في الشارع مع عيال الجيران وكأنه اتولد من جديد، مش مكتوم ورا أب بيتعصب على الهوا والهالك. لوجين رجعت تضحك وترسم في كشاكيلها من غير رعشة في إيدها، ويوسف بقى بينزل يلعب كورة في الشارع مع عيال الجيران وكأنه اتولد من جديد، مش مكتوم ورا أب بيتعصب على الهوا والهالك. بس معارك الحياة مابتخلصش بالسهولة دي، وكنت عارفة إن الجلسة الكبرى قدام محكمة الجنايات هي الحسم الأخير اللي هيريح قلبي للأبد. يوم الجلسة، قاعة المحكمة كانت مليانة صحفيين وناس عايزين يعرفوا تفاصيل انهيار إمبراطورية الشناوي للغزل والنسيج اللي اتقفلت بأمر النيابة. دخلت القاعة وإيدي في إيد ولادي، رافعة رأسي لفوق، لابسة عباية سوداء بسيطة من غير أي تكلف، بس فيها هيبة ست عرفت تاخد حقها وحق عيالها بقانون ربنا. كريم دخل القفص، كان شكله مكسور، شعره الأبيض كثر، وملامحه اتبدلت تماماً من كتر القهروهمود سجن الاستئناف. أول ما عينه جت في عيني، حاول يبتسم ابتسامة مكسورة تترجاني، ونادين اللي كانت محبوسة معاه في قضية غسيل الأموال والتزوير بصت في الأرض بخجل وذل ما بعده ذل، بينما سعاد هانم، اللي كانت خارج القفص بس على ذمة التحقيق في قضايا تانية، وقفت تصرخ وتزعق أول ما شافتنني: «إنتِ السبب يا خائنة! دمرتي بيت ابنك وعيلته عشان شوية فلوس! دمرتيه يا واطية!» القاضي خبط بضهر إيده على المنضدة بصوت مرعب خلّى القاعة كلها تسكت في ثانية، وأمر الحرس يخرجوا سعاد بره القاعة لو استمرت في الفوضى دي. القاضي بص للملفات قدامه، وبعدين وجه كلامه ليا بصوت هادي: «يا مدام منى، ليكي أقوال أخيرة قبل النطق بالحكم؟» وقفت قدام المنصة، وقلبي وإن كان فاكر ذكريات سنين القهر، بس صوتي طلع ثابت وقوي يملأ القاعة كلها: «يا فندم، أنا مش طالبة غير العدل. كريم ما كانش بيحاسبني على غلط، كان بيحاول يكسر ولادي عشان يرضي غروره، والست دي واللي معاهم كانوا مكملين في طغيانهم عشان يسرقوا عِرقنا وشغلنا. أنا مش عايزة منهم حاجة غير إنهم يبعدوا عن طريقي وطريق ولادي للأبد. » القاضي نطق بالحكم: السجن المشدد عشر سنين لكريم الشناوي بتهم الشروع في إيذاء طفلة وغسيل الأموال والتزوير، وخمس سنين لنادين، وغرامات مالية ضخمة تعويضاً عن الجريمة. صرخة كريم علت في القاعة وهو بينهار على الأرض: «لا يا منى! عشاني وعشان السنين اللي بينا سامحيني! » لكن الحرس كانوا شدوه لبره القفص من غير ما يلتفتوا له. خرجت من المحكمة والهواء البارد بيض. رب في وشي، حسيت إن القيود اللي كانت في رقبتي ست سنين اتقطعت للابد ومبقاش فيها راجع. بعد مرور سنة كاملة، كنت قاعدة في مشغل صغير فتحته بإيدي وبمساعدة قرضي البسيط اللي عملته، بشتغل في تفصيل وتصميم الهدوم اللي بحبها وبكسب رزقي بالحلال، ومعايا يوسف ولوجين اللي بقوا الأوائل في مدارسهم وفخر ليا ولكل الناس اللي حوالينا. بالليل، وأنا قاعدة بشرب الشاي في البلكونة الصغيرة ومعايا ولادي الاتنين، بصيت لسماء القاهرة الصافية وحمدت ربنا ألف مرة.. وحسيت إن الإبرة اللي كانت رايحة في يوم تخوف عيادي وتدمر حياتنا، بقت هي الشوكة اللي قطعت حبال الظلم كله، وفتحت لي باب النور والحياة من أول وجديد. في يوم وأنا في المشغل بتاعي الجديد، بظبط فستان عروسة رقيق طلبته مني بنت محترمة من بنات المنطقة، لقيت باب المحل بيتفتح بهدوء ودخلت واحدة من الستات الكبار اللي كانوا ساكنين جنبنا في فيلا التجمع، واحدة كانت زمان بتبصلي من فوق لتحت وتتفرج على لبسي وديكوراتي وهي رافعة حاجبها بغرور. أول ما دخلت المحل وشافتني واقفة قدام الماكينة بكل ثقة، لابسة مريلة الشغل ومنتصرة بابتسامتي وشغلي، اتفاجأت لدرجة إنها وقفت مكانها عاجزة عن الكلام وكأنها مش مصدقه عيونها. بصت لي وقالت بصوت مكسور ومرتبك وهي بتبص للمكان البسيط: «منى!... إنتِ إزاي؟ يعني بعد كل الفخامة والعز ده، قاعدة هنا في مكان شعبي وباشتغلي بايدك؟!». بصتلها بهدوء تام، ورجعت خصلة من شعري ورا وداني، وبعدين ابتسمت لها ابتسامة كلها كرامة وشموخ وقولت لها: «العز الحقيقي مش جدران غالية وراها قفص وظلم وذل، العز الحقيقي هو راحة البال، وإني أصحى كل يوم وأنا فخورة باللي بقيت عليه، وبإيدي اللي بتصنع رزقي وحياة عيالي بشرف من غير ما أحني رأسي لحد». الست سكتت تماماً، وبان على وشها الندم والإحراج، وطلبت مني بهدوء إنها تفصل عندي فستان زي ما بتفصل لكل زبايني، بس من غير أي غرور ولا تعالي زي زمان. بعد ما مشيت، بصيت للماكينة قدامي، ولمست الإبرة بتاعتها بصباعي برفق، بس المرة دي مكنش فيها أي خوف ولا رعب، كانت مجرد أداة خير وبركة فتحت لي باب النور الحقيقي، وخلتني أكتشف إن الست اللي كانت مفكرة نفسها ضعيفة ومالهاش سند، كان جواها قوة تقدر تهد جبال عشان تحمي ضناها، وعرفت وقتها إن الحياة الحقيقية بتبدأ بالظبط لما الواحد يتشجع يكسر قفص الخوف بنفسه، ويبني مصيره من أول وجديد بكرامة لا تقابلها كنوز الدنيا. سنين قليلة مرت، والمشغل الصغير بتاعي اتحول لواحدة من أحسن وأشيك الأماكن في المنطقة، مش عشان الديكورات الفخمة، بس عشان الأمانة والشغل النظيف اللي طالع من قلب بيحب الحياة. في يوم خميس بالليل، كنت قاعدة في البلكونة ومعايا كوباية الشاي، وباصّة لتحت الشارع الهادي، لقيت يوسف راجع من الكلية وماسك في إيده شهادة التقدير الأولى على دفعته في هندسة، ولوجين قاعدة جنبه على الترابيزَة بترسم لوحة جديدة فازت بيها في مسابقة المدرسة، وإيدها بتتحرك بثقة وسعادة من غير أي رعشة. أول ما شافوني، يوسف جري عليا وحضنني جامد وقال: «شايفة يا ماما؟ حلمنا اتحقق، وبقيت قد قدك وقد كل اللي استحملتيه عشاننا.» عيوني دمعت، بس الدموع المرة دي كانت دمعة فرحة وراحة بال ما تنوصفش. مديت إيدي وحضنتهم الاتنين، حسيت إن حضنهم هو أوسع وأدفى قصر في الدنيا كلها. كريم وسنينه السودة بقوا مجرد ذكرى بعيدة ودرس قاسٍ اتعلمنا منه إن الست المصرية لما بتقرر تحمي ولادها وتوقف على رجلها، مفيش قوة في الأرض تقدر تكسرها. بصيت للسما وابتسمت، وأنا متأكدة إن الإبرة اللي كانت في يوم كابوس، بقت هي الرمز الحقيقي للست اللي خيطت جروحها بيديها، وبنت من الإصرار والصبر قصر من الكرامة والنور مبيتنسيش أبداً. في وسط ريحة القهوة المظبوطة اللي بحب أشربها كل الصبح وشمس القاهرة الهادية وهي داخلة من شباك المطبخ، كنت واقفة بجهز الفطار لولادي. المرة دي مكنش فيه خوف من صوت دقة جرس الباب ولا رعب من نظرة توبيخ من حد. الباب خبط خبطة خفيفة، وفتحت لقيت يوسف شايل شنطة سفره الصغيرة، ورايح على أول يوم تدريب ليه في واحدة من أكبر شركات المقاولات والهندسة في مصر، بعد ما الشركاء هناك شافوا مشاريعه وتفوقه. بص لي بحب وباس إيدي وقال: «ادعي لي يا ماما، أكون دايماً رافع رأسك وقد تعب السنين دي كلها. » ابتسمت له ودموع الفرحة لمعت في عيني، وعدلت له ياقات قميصه وقلت له: «إنت رفعت رأسي من يوم ما وقفت جنبي، روح يا حبيبي وربنا يفتحها عليك.» ورا يوسف، طلعت لوجين وهي ماسكة لوحتها الجديدة اللي هتعرضها في أول معرض رسمي ليها وهي لسه صغيرة، وجريت عليا حضنتني وقالت: «يا ماما، لو كنتِ استسلمتي زمان، مكنش زماني واقفة هنا وبحقق حلمي. » حضنتهم الاتنين جامد، وحسيت إن كل دمعة نزلت وكل خوف عشته كان تمن رخيص قصاد اللحظة دي. في الوقت ده، سمعت صوت بره المحل، بصيت لقيت زبونة جديدة داخلة، بس مش أي زبونة.. دي واحدة من الستات اللي كانوا بيقابلوتي زمان في التجمع أيام ما كنت مع كريم، وبصت لي باستغراب واضطراب شديد وهي بتفتكر شكلي زمان وشكلي دلوقتي، بس المرة دي مكنش في عينيها أي غرور، كان فيه احترام حقيقي ونظرة إعجاب بامرأة قدرت تبني إمبراطورية كرامتها من العدم. ابتسمت لها بكل ثقة واستقبلتها بحفاوة، وعرفت ساعتها إن الدنيا مش بس بتديك فرصة تانية، دي بتثبت لك إن الإرادة الحقيقية قادرة تخيط أي جرح وتخلي الصبر سكة للنور اللي مبيطفشيش أبداً. تمت حكايات انجى الخطيب