جوزي وماكنه الخياطه

جوزي وماكنه الخياطه

أول ما شافوني، يوسف جري عليا وحضنني جامد وقال: «شايفة يا ماما؟ حلمنا اتحقق، وبقيت قد قدك وقد كل اللي استحملتيه عشاننا.» عيوني دمعت، بس الدموع المرة دي كانت دمعة فرحة وراحة بال ما تنوصفش. مديت إيدي وحضنتهم الاتنين، حسيت إن حضنهم هو أوسع وأدفى قصر في الدنيا كلها.

كريم وسنينه السودة بقوا مجرد ذكرى بعيدة ودرس قاسٍ اتعلمنا منه إن الست المصرية لما بتقرر تحمي ولادها وتوقف على رجلها، مفيش قوة في الأرض تقدر تكسرها. بصيت للسما وابتسمت، وأنا متأكدة إن الإبرة اللي كانت في يوم كابوس، بقت هي الرمز الحقيقي للست اللي خيطت جروحها بيديها، وبنت من الإصرار والصبر قصر من الكرامة والنور مبيتنسيش أبداً.

في وسط ريحة القهوة المظبوطة اللي بحب أشربها كل الصبح وشمس القاهرة الهادية وهي داخلة من شباك المطبخ، كنت واقفة بجهز الفطار لولادي. المرة دي مكنش فيه خوف من صوت دقة جرس الباب ولا رعب من نظرة توبيخ من حد.

الباب خبط خبطة خفيفة، وفتحت لقيت يوسف شايل شنطة سفره الصغيرة، ورايح على أول يوم تدريب ليه في واحدة من أكبر شركات المقاولات والهندسة في مصر، بعد ما الشركاء هناك شافوا مشاريعه وتفوقه. بص لي بحب وباس إيدي وقال: «ادعي لي يا ماما، أكون دايماً رافع رأسك وقد تعب السنين دي كلها.

» ابتسمت له ودموع الفرحة لمعت في عيني، وعدلت له ياقات قميصه وقلت له: «إنت رفعت رأسي من يوم ما وقفت جنبي، روح يا حبيبي وربنا يفتحها عليك.» ورا يوسف، طلعت لوجين وهي ماسكة لوحتها الجديدة اللي هتعرضها في أول معرض رسمي ليها وهي لسه صغيرة، وجريت عليا حضنتني وقالت: «يا ماما، لو كنتِ استسلمتي زمان، مكنش زماني واقفة هنا وبحقق حلمي.

» حضنتهم الاتنين جامد، وحسيت إن كل دمعة نزلت وكل خوف عشته كان تمن رخيص قصاد اللحظة دي. في الوقت ده، سمعت صوت بره المحل، بصيت لقيت زبونة جديدة داخلة، بس مش أي زبونة.. دي واحدة من الستات اللي كانوا بيقابلوتي زمان في التجمع أيام ما كنت مع كريم، وبصت لي باستغراب واضطراب شديد وهي بتفتكر شكلي زمان وشكلي دلوقتي، بس المرة دي مكنش في عينيها أي غرور، كان فيه احترام حقيقي ونظرة إعجاب بامرأة قدرت تبني إمبراطورية كرامتها من العدم.

ابتسمت لها بكل ثقة واستقبلتها بحفاوة، وعرفت ساعتها إن الدنيا مش بس بتديك فرصة تانية، دي بتثبت لك إن الإرادة الحقيقية قادرة تخيط أي جرح وتخلي الصبر سكة للنور اللي مبيطفشيش أبداً.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *