جوزي وماكنه الخياطه

جوزي وماكنه الخياطه

لوجين رجعت تضحك وترسم في كشاكيلها من غير رعشة في إيدها، ويوسف بقى بينزل يلعب كورة في الشارع مع عيال الجيران وكأنه اتولد من جديد، مش مكتوم ورا أب بيتعصب على الهوا والهالك. بس معارك الحياة مابتخلصش بالسهولة دي، وكنت عارفة إن الجلسة الكبرى قدام محكمة الجنايات هي الحسم الأخير اللي هيريح قلبي للأبد.

يوم الجلسة، قاعة المحكمة كانت مليانة صحفيين وناس عايزين يعرفوا تفاصيل انهيار إمبراطورية الشناوي للغزل والنسيج اللي اتقفلت بأمر النيابة. دخلت القاعة وإيدي في إيد ولادي، رافعة رأسي لفوق، لابسة عباية سوداء بسيطة من غير أي تكلف، بس فيها هيبة ست عرفت تاخد حقها وحق عيالها بقانون ربنا.

كريم دخل القفص، كان شكله مكسور، شعره الأبيض كثر، وملامحه اتبدلت تماماً من كتر القهروهمود سجن الاستئناف. أول ما عينه جت في عيني، حاول يبتسم ابتسامة مكسورة تترجاني، ونادين اللي كانت محبوسة معاه في قضية غسيل الأموال والتزوير بصت في الأرض بخجل وذل ما بعده ذل، بينما سعاد هانم، اللي كانت خارج القفص بس على ذمة التحقيق في قضايا تانية، وقفت تصرخ وتزعق أول ما شافتنني: «إنتِ السبب يا خائنة!

دمرتي بيت ابنك وعيلته عشان شوية فلوس! دمرتيه يا واطية!» القاضي خبط بضهر إيده على المنضدة بصوت مرعب خلّى القاعة كلها تسكت في ثانية، وأمر الحرس يخرجوا سعاد بره القاعة لو استمرت في الفوضى دي.

القاضي بص للملفات قدامه، وبعدين وجه كلامه ليا بصوت هادي: «يا مدام منى، ليكي أقوال أخيرة قبل النطق بالحكم؟» وقفت قدام المنصة، وقلبي وإن كان فاكر ذكريات سنين القهر، بس صوتي طلع ثابت وقوي يملأ القاعة كلها: «يا فندم، أنا مش طالبة غير العدل.

كريم ما كانش بيحاسبني على غلط، كان بيحاول يكسر ولادي عشان يرضي غروره، والست دي واللي معاهم كانوا مكملين في طغيانهم عشان يسرقوا عِرقنا وشغلنا. أنا مش عايزة منهم حاجة غير إنهم يبعدوا عن طريقي وطريق ولادي للأبد.

» القاضي نطق بالحكم: السجن المشدد عشر سنين لكريم الشناوي بتهم الشروع في إيذاء طفلة وغسيل الأموال والتزوير، وخمس سنين لنادين، وغرامات مالية ضخمة تعويضاً عن الجريمة. صرخة كريم علت في القاعة وهو بينهار على الأرض: «لا يا منى! عشاني وعشان السنين اللي بينا سامحيني!

» لكن الحرس كانوا شدوه لبره القفص من غير ما يلتفتوا له. خرجت من المحكمة والهواء البارد بيض. رب في وشي، حسيت إن القيود اللي كانت في رقبتي ست سنين اتقطعت للابد ومبقاش فيها راجع. بعد مرور سنة كاملة، كنت قاعدة في مشغل صغير فتحته بإيدي وبمساعدة قرضي البسيط اللي عملته، بشتغل في تفصيل وتصميم الهدوم اللي بحبها وبكسب رزقي بالحلال، ومعايا يوسف ولوجين اللي بقوا الأوائل في مدارسهم وفخر ليا ولكل الناس اللي حوالينا.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *