جوزي وماكنه الخياطه

جوزي وماكنه الخياطه

بالليل، وأنا قاعدة بشرب الشاي في البلكونة الصغيرة ومعايا ولادي الاتنين، بصيت لسماء القاهرة الصافية وحمدت ربنا ألف مرة.. وحسيت إن الإبرة اللي كانت رايحة في يوم تخوف عيادي وتدمر حياتنا، بقت هي الشوكة اللي قطعت حبال الظلم كله، وفتحت لي باب النور والحياة من أول وجديد.

في يوم وأنا في المشغل بتاعي الجديد، بظبط فستان عروسة رقيق طلبته مني بنت محترمة من بنات المنطقة، لقيت باب المحل بيتفتح بهدوء ودخلت واحدة من الستات الكبار اللي كانوا ساكنين جنبنا في فيلا التجمع، واحدة كانت زمان بتبصلي من فوق لتحت وتتفرج على لبسي وديكوراتي وهي رافعة حاجبها بغرور.

أول ما دخلت المحل وشافتني واقفة قدام الماكينة بكل ثقة، لابسة مريلة الشغل ومنتصرة بابتسامتي وشغلي، اتفاجأت لدرجة إنها وقفت مكانها عاجزة عن الكلام وكأنها مش مصدقه‌ عيونها. بصت لي وقالت بصوت مكسور ومرتبك وهي بتبص للمكان البسيط: «منى!… إنتِ إزاي؟

يعني بعد كل الفخامة والعز ده، قاعدة هنا في مكان شعبي وباشتغلي بايدك؟!». بصتلها بهدوء تام، ورجعت خصلة من شعري ورا وداني، وبعدين ابتسمت لها ابتسامة كلها كرامة وشموخ وقولت لها: «العز الحقيقي مش جدران غالية وراها قفص وظلم وذل، العز الحقيقي هو راحة البال، وإني أصحى كل يوم وأنا فخورة باللي بقيت عليه، وبإيدي اللي بتصنع رزقي وحياة عيالي بشرف من غير ما أحني رأسي لحد».

الست سكتت تماماً، وبان على وشها الندم والإحراج، وطلبت مني بهدوء إنها تفصل عندي فستان زي ما بتفصل لكل زبايني، بس من غير أي غرور ولا تعالي زي زمان. بعد ما مشيت، بصيت للماكينة قدامي، ولمست الإبرة بتاعتها بصباعي برفق، بس المرة دي مكنش فيها أي خوف ولا رعب، كانت مجرد أداة خير وبركة فتحت لي باب النور الحقيقي، وخلتني أكتشف إن الست اللي كانت مفكرة نفسها ضعيفة ومالهاش سند، كان جواها قوة تقدر تهد جبال عشان تحمي ضناها، وعرفت وقتها إن الحياة الحقيقية بتبدأ بالظبط لما الواحد يتشجع يكسر قفص الخوف بنفسه، ويبني مصيره من أول وجديد بكرامة لا تقابلها كنوز الدنيا.

سنين قليلة مرت، والمشغل الصغير بتاعي اتحول لواحدة من أحسن وأشيك الأماكن في المنطقة، مش عشان الديكورات الفخمة، بس عشان الأمانة والشغل النظيف اللي طالع من قلب بيحب الحياة. في يوم خميس بالليل، كنت قاعدة في البلكونة ومعايا كوباية الشاي، وباصّة لتحت الشارع الهادي، لقيت يوسف راجع من الكلية وماسك في إيده شهادة التقدير الأولى على دفعته في هندسة، ولوجين قاعدة جنبه على الترابيزَة بترسم لوحة جديدة فازت بيها في مسابقة المدرسة، وإيدها بتتحرك بثقة وسعادة من غير أي رعشة.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *