المقدمه والبداية ج1
المقدمه والبداية ج 1
قال مالك بهدوء دون أني يعطي انتباهه لها
((دعيه يا نعمة.. لقد أنهيت الآن صنع العصيدة أخيرا))
أمعنت نعمة النظر في يزيد الذي كان يخفض بصرها حتى لا يواجهها وقد أدرك رغم صغر سنه بأنها لا توده ولا تحبذ تواجده هنا كما الباقيين.. ثم قالت لمالك
((أنا احفظه منذ صغره إنه يحب أن يتظاهر بالمرض ولفت الانتباه لأقل شيء يحدث له.. إنه يتدلل ويتصرف كطفل صغير لا كابن تسع سنوات))
صوب مالك نظراته الحادة لنعمة قائلا بهدوء
((توقفي يا نعمة.. ولا تفسدي شهيته قبل الأكل.. وجهه باهت.. وهو مريض))
تخصرت منال تلوك فاهها قبل أن تتمتم كمن تحدث نفسها ولكن بصوتٍ مسموع
((عند هذا الولد يزيد والد حي يرزق فلماذا لا يتدلل عليه هو بدلا من غيره!))
رفرفت سمية بعينيها تمنع عبارتها المتجمعة من الخروج.. لقد طفح الكيل وعليها بالفعل ألا تخطوا بقدمها لمطبخ الحاج يعقوب مجددا..
فالجميع هنا من أصحاب المنزل والعاملين فيه لا يطيقون تواجدها أبدًا فيه..
كانت تهم بأخذ يزيد من مالك إلا أنها سمعت نعمة تقول بنبرة هادئة
((سيد مالك بدأت مؤخرا تتردد كثيرًا على المطبخ.. وهذا لا يجوز.. أنا أتحدث من أجلك أنتَ))
كانت نظرات نعمة الصارمة متحدية لمالك الذي ضيق عينيه..
قالت سمية بصوتٍ متحشرج وهي تمد يدها لابنها
((يزيد تعال.. هيا تعال.. لنذهب الآن للبيت))
تطلع يزيد في ملامح وجه أمه التي نبأته بألا يجرؤ حتى بالاعتراض فهذا امر جدي ولا يتحمل تذمره..
إلا أنه اخفض وجهه الشاحب من إعيائه وتمتم بتبرم طفولي
((أمي.. أنا مريض وسأتناول من العصيدة أولا))
اتسعت عيناها من رفض ابنها لتقول بعيني صارمتين
أمي.. أنا مريض وسأتناول من العصيدة أولا))
اتسعت عيناها من رفض ابنها لتقول بعيني صارمتين وهي تقترب منه أكثر
((يزيد هيا تعال))
رجاها بصوته المتعب
((أمي.. لا أريد.. دعيني أضل أكثر قليلا))
رشق مالك كل من نعمة ومنال بغضب يستعر من خضراويه لما تسببا بقوله من كلام جعل سمية تقرر أخذ يزيد بعيدا..
كانت سمية التي تحمل يزيد تهم بالخروج من المطبخ من الباب المطل للبستان في الخارج تزمنا مع دخول نورين المطبخ هاتفة باسمها بصوتٍ مفعم بالبهجة..
فالتفتت سمية باستغراب تسألها
((ما بك يا نورين؟ هل انتهت زيارة النساء عند السيدة زاهية؟))
تقدمت نورين منها لهفة وابتسمت ممتنة وهي تقول بصوتٍ لطيف
((لا ولكن استأذنت الخروج.. لقد أعجبتهن الضيافة شكرا لكِ يا سمية.. أتعبتِ نفسك كثيرًا أثناء مساعدتي رغم أنه ليس من واجبك))
ابتسمت سمية ترد بنبرة جشيه
((لا تقولي هذا.. أقل من واجبي))
تدخلت منال قائلة بوقاحة
((طبعا أقل من واجبك.. فالحاج يعقوب خيره عليك وعلى الكل))
لم يكن مالك راضي عما تفعله سمية من تطوع بمساعدة نورين حتى لو كان بطيب خاطر فهي هنا ليست خادمة..
لكن الأنكى من ذلك أنه كان ساخطا على كل العاملين في منزلهم وهو يراهم يسيئون معاملتها بهذا الشكل رغم لطفها البالغ مع الجميع..
وبالرغم من الغضب الكامن بداخله اكتفى يردع منال قائلا بصوتٍ مقتضب
((توقفي عن كلماتك السامة هذه))
إلا أنها ردت مغمغمه بلامبالاة أو احترام لأبن سيد منزلها
((لم أخطئ بشيء مما قلته يا سيد مالك))
بدأت نورين تمرر يدها فوق شعر يزيد الناعم تداعبه وقد بدا الإعياء جليا عليه..
في حين أخذت نعمة نفسا طويلًا لم تزفره..
كانت تريد التدخل إلا أن وجود مالك هنا في المطبخ يعيق عملها هنا ويقلل من هيبتها..
لم تكن راضية أبدًا عن تواجده هنا وكانت تفكر بإخبار والدته سيدة هذا المنزل عن كثرة دخوله لهنا والتدخل في سلطتها في تدبير أمور المنزل والعاملين فيه..
أنهت نجوم صنع الشاي وتطلعت لرتيل التي كانت تقف مائلة ومتكأه على الرخام بينما تكتف ذراعيها..
ذهنها.. عينيها.. وكل ما فيها شارد لعالم أخر وكأنها ليست هنا ولم تشهد كل ما حدت قبل قليل..
هتفت نجوم باسمها عدة مرات قبل أن تنتبه رتيل متجهمة لها لتقول نجوم بلطف
((لقد أنهيت الشاي يا سيدة رتيل.. تفضلي))
قامت رتيل بتعديل الوشاح وهي تقول بفظاظة
((ضعيه هنا ريثما أضع السكر في داخلها وأحركه))
أومأت نجوم وابتعدت فأخذت رتيل صينية الشاي وفتحت إحدى العلب التي كانت تحوي ملح ووضعت أطنانا منها داخل إبريق الشاي..
عقدت منال حاجبيها وهي تناظر بصمت وذهول ما تفعل رتيل بدون أن تفهم غايتها قبل أن تسمعها تنادي نورين بصوتٍ جهوري قائلة
((نورين اذهبي وأرسلي الشاي لزوجي وأخيه في سطح المنزل))
استدارت لها تقول لرتيل بتعابير حازمة وقد اكتفت من استعبادها كما أن الخوف لا يزال يدب بداخلها من اسم مؤيد
((اذهبي أنتِ واجلبي لهما الشاي.. لم أنا؟))
شهقت رتيل وهي ترى نورين تتحداها بصلابة فهتفت فيها بحدة
((عندما أقول شيء عليك أن تنفذيه بلا أي نقاش.. وعليك طاعتي))
ردت نورين بثبات
((لا أريد))
توحشت ملامح رتيل وهي تزعق فيها بينما لا تزال تحمل صينية الشاي
((هل تقولين لي لا صراحة؟ هل هذه بوادر تمرد يا نورين؟))
لم تتراجع نورين رغم الخوف الطفيف الذي دب فيها لتقول
((زوجك أنتِ اذهبي واخدميه))
تدخلت منال وهي تزجر نورين هادرة
((قالت لك السيدة رتيل أن تذهبي بالشاي لهما فوق فافعلي بدون أي نقاش))
التفتت نورين تنظر لها قائلة
((لا أريد.. ولا اسمح لك في التحدث معي بهذا الشكل))
التفتت سمية تنظر لمالك الذي لوح لها برأسها أن تتدخل قبل أن تدخل النساء في عراك..
فأنزلت سمية ابنها الذي كانت تحمله وتقدمت منهن قائلة بينما تبعد يد منال التي تمسك ذراع نورين برفق
((منال حرري يدها سيقع الشاي الساخن الذي تمسكه السيدة رتيل عليها))
أعطت رتيل صينية الشاي لمنال تمسكه بيد واحد بينما تهتف بسمية
((لا تتدخلي وابتعدي.. أنا لا اسمح لك))
كانت أنظار سمية كلها موجهة على صينية الشاي التي تحملها منال بيد واحد متذبذبة الحركة لتقول
((سيدة رتيل أرجوكِ انتبهي سيسقط الشاي عليها))
نظرت رتيل لنورين تأمرها مجددا
((اصعدي بالشاي فوق ولا تثيري أي فضائح هنا))
تأجج غضب نورين من طريقة معاملة رتيل منها..
شعرت بأنها نالت كفايتها فصرخت وهي تقوم متهورة بدفع الصينية التي تمسكها منال قريبة منها ليتهاوى أرضا صارخة
((دعيه يسقط لترتاحي يا رتيل))
ابتعدت النساء كلهن شاهقان وقد تناثرت قطرات من الشاي المغلي عليهن..
إلا على سمية كان نصيبها أن سقط الشاي كله على يديها فأجفلتها شهقة ملتاعة لتخرج منها صرخة ألم من حرارة الشاي الساخن..
تصلب نورين ورتيل مكانهما بصدمة لما حدث لها.. وخرجت باقي شهقات النساء عاليا..
هلع مالك نحوها يسألها والذعر عليها يملأ عينيه
((سمية.. سمية هل أنتِ بخير؟))
خرجت الكلمات منها متشنجة بينما تغمض عينيها من شدة ألم ما تشعر به
((أوه.. يا إلهي.. يدي))
أمسكتها نعمة من مرفقها على الفور وجرته نحو صنبور المياه لينسكب الماء عليها بينما ترفع كميها..
هال ملك منظر جلد يدا سمية الحمراوين بفعل الشاي الساخن الذي انسكب فوقهما.. فهو الأدرى بمدى رقة وحساسية بشرتها..