المقدمه والبداية ج1

المقدمه والبداية ج 1

في سطح المنزل العالي والواسع والمزين ببعض النباتات والمزروعات المنزلية..
كان كل من مؤيد ومعاذ يقفان متكئان فوق سور السطح الذي يطل على مساحات خضراء شاسعة من أراضي وبساتين القرى..
مع غروب الشمس هبّت نسمات من الرياح عليهما.. تنفس مؤيد الصعداء قبل أن يقول
((منذ زمن لم نجلس هكذا يا معاذ.. لم اعد أحب العودة للقرية إلا عندما اعرف أنك هنا))
وجه معاذ نظراته لأخيه ليرد مبتسما
((ومالك ومصعب ألا تحب الجلوس معهم!))
خرجت قهقهة خشنة قصيرة من مؤيد ثم قال
((صدق أو لا.. لكن طوال وجودي هنا لا أتحدث معهما ولا أراهما إلا صدفة.. كلاهما غارق في عمله وأصدقائه وكلاهما من النوع الكتوم الهادئ.. أنتَ فقط من اعتبرك صديقي بجانبك كونك أخي))
تنهد معاذ بعمق واستدار يحمل شاف مياه ليرش القليل منه على أرض السطح لتبريدها بينما يهدر
((كبرنا يا مؤيد وكل واحد سرقته الحياة بعيدا عن الأخر وضعفت أواصر أخوتنا ولم تعد متينة كالسابق))
((معك حق))
جلس مؤيد حيث يضع الوسائد والإسفنجات وتبعه معاذ بينما يسأله بهدوء
((لماذا كنت تصيح في الصباح الباكر؟ لا يجوز يا أخي أن تضل على طبعك العصبي هذا))
تمدد مؤيد فوق إحدى الفراش يتمتع بانخفاض درجات الحرارة والنسمات الليلية ثم أجابه
((ليس كل الرجال المتزوجين والغارقين مع نكد النساء قادرين على التحكم بأعصابهم يا أخي.. ليس الجميع محظوظين وأرامل من أمثالك))
شبح ابتسامة متهكمة ارتسم على ثغر معاذ من كلام أخيه رغم أنه قد ضرب وترا حساسا فيه عند ذكر امرأته المتوفاة التي كانت بالنسبة له تؤام روحه..
لكنه لم يؤاخذ مؤيد فهو يعرف تصلُّب شعوره وضَيْق أُفُق إحساسه بالآخَرين!
اكتفى يلكز كتفه بخشونة هادرا
((غليظ أنتَ يا مؤيد.. أراهن بأنك أنتَ النكدي في البيت.. وهي لها الجنة بإذن الله جزاء لصبرها عليك))
أدار مؤيد رأسه نحو أخيه يقول باستياء
((تريد مني أن أرسلها لتزور أمها كل شهر.. تخيل!))
هدر معاذ بدهشة وتفكه
((كل شهر! هي الابنة الوحيدة لأمها.. ألا يجب عليها أن تذهب كل أسبوع؟))
رد مؤيد عليه بملامحه الجادة الخشنة وتعابيره المتأهبة
((معاذ توقف أنتَ الأخر.. لا تشعرني أن أمها وحيدة لا تعيش مع ابنيها في نفس المنزل.. إذا كانت تحب أمها لهذا الحد فلم يجبرها أحد أن تتزوج وتتركها))
انكمشت ملامح معاذ وقال بشيء من الامتعاض
((يا أخي أنتَ ظالم.. تحرم زوجتك من ابسط حقوقها وهي زيارة أمها بين كل حين وأخر!))
رد مؤيد بجفاء ونبرته يشوبها القسوة
((أحرمها! إنها تعيش في منزل ووضع مالي لم تكن لتحلم فيه في منزل عائلتها))
حافظ معاذ على سكون ملامحه بينما يخبره بتلقائية
((ومن قال لك ما قصدته هو المال والرفاهية.. هناك أشياء لا تشترى بالمال.. كالحب والرعاية والتواد والتواصل.. وهذا ما تفتقر وجودك في حياتك.. عملك لا يترتب عليه أن تضل في المدينة ولا يحتاج منك أن تؤجر شقة هناك لتظل معظم الأيام فيها هنا والله اعلم ماذا تفعل لوحدك فيها..))
تحفزت ملامح وجه مؤيد ليسارع بالاعتدال جالسا ثم خرج صوته بدون أن يشعر عاليا غاضبا بينما يقول بنبرة جادة
((لحظة.. لحظة.. لحظة يا أخي أنا لا اسمح لك أن تصوب اتهاماتك.. معَاذَ الله أن اقترب من الحرام))
ضاقت عينا معاذ وهو يرمقه بنظرة مفادها عدم تصديقه.. وقال وحاجبيه يزدادان انعقادًا
((لقد رأيتك يا مؤيد بأم عيني في إحدى الأيام تجلس مع امرأة سافرة في إحدى المطاعم.. ماذا تسمي هذا؟))
اضطربت ملامح وجه مؤيد إلا أنه حافظ على صلابته وهو يقول
((متى رأيتني؟ متى كان ذلك؟ وكيف شكل المرأة؟ هل كانت ذات شعر أشقر طويل؟ إنها إحدى عملائي ولها أصول غربية وكنا نتناقش بشأن عملنا.. إياك أن تسيء الظن بي))
صمت معاذ للحظة وهو يرمي أخيه بنظرةٍ سوداء ثم قال بنبرةٍ جافة تحمل بعض السخرية
((لا من رأيتها معك امرأة صهباء وشعرها قصير.. هل غيرت لون وشكل تصفيفة شعرها أم هي امرأة أخرى!))
ورغما عنه خرجت تلك الضحكة الخافتة منه فقال متهكما وهو يرفع عينيه للسماء بلا تصديق
((رباه مؤيد.. ماذا تفعل بحياتك هناك في المدينة! الأمر أسوء مما ظننت))
شد مؤيد على أسنانه بغيظ إلا أنه نظر بعينيه المشعتين بنظرات التهديد والغضب لأخيه.. ثم غمغم بصوتٍ خفيض وهو يرنو بعينيه المهتزتين على أخيه بينما يرفع سبابته منبها
((لن أعيد كلامي مجددا يا معاذ.. أنا لا اسمح لك.. أنا أتعامل مع مختلف العملاء من نساء أو رجال.. والتقي بعميلاتِ من النساء في لقاءات محترمة في أماكن عامة.. مقاهي.. نوادي.. هذه هي الأماكن التي نجلس فيها))
لم يتمكن معاذ من خنق ضحكة ساخرة أخرى خانته وانفلتت من بين شفتيه ليقول
((لا محترم يا أخي.. محترم جدًّا.. تذبحني باحترامك.. لا أدري كيف سأقتنع أن علاقتك مع تلك النساء هي مجرد علاقات عمل!))
تنهد مؤيد باقتضاب وعاد يتمدد وينظر للسماء متمتما بامتعاض
((صدق أو لا هذا امر عائد لك ولا يهمني.. كل ما في الأمر أني أحب أن أعيش حياتي بشكل جيد ولا ادخر شيء من المتعة))
صوب معاذ نظراته الساخرة عليه وهو يقول
((نعم عش حياتك بشكل جيد.. أما عندما طلبت منك أن تسمح لزوجتك أن ترافق ابنتي للنادي نهاية كل أسبوع لهناك اعتذرت متأسفا بأنك لا تحب أن تخرج زوجتك من البيت بشكل متكرر.. تحل عليك ما حرمته على دارين وزوجتك))
غمغم مؤيد بهدوء دون أن ينظر له
((يا أخي أنا حر لا أحب أن تذهب زوجتي لتلك الأماكن.. إذا أردت مرافق لابنتك حتى تسمح لها للذهاب هناك تزوج يا أخي وستحل مشكلة دارين.. أما المرأة المسؤول عنها في حياتي فأنا حر بالسماح لها بالذهاب أو لا))
استنكر معاذ كلامه قائلًا
((لكن لم هذا التناقض في حياتك يا مؤيد! ترفض ذهاب زوجتك إلى أماكن عادية ومألوفة في حين أنك تذهب وترتاد أماكن أفظع مع صديقاتك!))
رفرفت عينا مؤيد صامتا لوهلة كمن يستجمع سيطرته على نفسه ثم قال بجدية
((لأني رجل يا معاذ.. رجل ولي مطلق الحرية في تلبية كل رغباتي واحتياجاتي.. ولن يحاسبني المجتمع يوما عليها.. بينما يقيس المجتمع مكانة زوجتي بمدى حفظها والتزامها))
سبق وكان لمعاذ فكرة عن طباع وتفكير شقيقه إلا أن كلامه هذا أثار استهجانه فتساءل
((من أين تجلب هذا الكلام يا أخي؟ هل يتعامل والدنا بهذا الشكل مع أمنا؟ ألا تراه يقدرها ويحترمها ويحبها ويعاملها بالمودة والرحمة؟))
تمتم مؤيد بضيق
((أنتِ لا تدري شيء يا معاذ فلا تتدخل))
إلا أن معاذ أكمل الحديث وهو يقول بجدية
((ألم تقل بأنك تعاني من نكدها؟ إذن دعها تذهب وتجرب ولا تحرمها من شيء.. صدقني ستريحك أنتَ.. ثم هي في النهاية إنسانة بحاجة لمصادر إشباع.. كصديقات ونشاطات.. حتى يضل الحب عامرا بينكما ولا..))
قاطع مؤيد كلامه على الفور بهدوء وجفاء
((ومن قال لك أني أحبها؟))
صمت معاذ لحظات باستغراب.. قبل أن يقول متوجسا بخفوت
((الم تنتظرها سنوات حتى تنهي دراستها وتتزوجها؟ ألا تحبها حقا؟))
أجاب مؤيد ببرود وبساطة
((نعم لكنها ابنة إحدى صديقات أمي.. وأمي من اختارتها زوجة لي))
ضيق معاذ عينيه متسائلا
((مؤيد.. إذا لم تكن تحبها لم تزوجت منها؟ الست رجلا وقادر على اختيار أي امرأة تريد الزواج منها؟))
أوما مؤيد رأسه ببساطة ثم قال
((نعم اعرف أني لم أكن مرغما على الزواج ولكن شعرت بان عليّ فعل ذلك لإرضاء أمي.. وعائلتي.. فقط.. ثم.. ثم كنت بحاجة لتكون زوجتي وأم أولادي امرأة مطيعة.. خلوقة.. تتحمل المسؤولية.. من عائلة لها نسبها.. وأستطيع أن أثق فيها أثناء غيابي مثل أمي))
فتح معاذ كفيه متسائل بجدية
((ممتاز.. كل هذا فيها ولا تحبها وتتسكع مع نساء أخريات في المدينة؟))
رد مؤيد ببلادة
((نعم لان زوجتي كما أخبرتك تزوجتها لافتخر بها أمام مجتمعي وعائلتي وأقاربي.. ولكنها ليست هي الفتاة التي أحلم بها.. ولا حتى نفس التي حلمت في الزواج منها وليست حتى قريبة من صورة المرأة التي تحاكي تصوراتي العميقة))
هز معاذ رأسه بيأس من كلام أخيه ثم قال مستسلما
((لا أدري ماذا أقول لك إلا أن تحاول تغييرها لتصبح فتاة أحلامك بدلا من التسكع مع هؤلاء النساء في المدينة))
خرجت من مؤيد تنهيدة عميق.. قبل أن يقول بصوتٍ صادق وثقيل
((ألم أقل لم بأنك لا تفهمني.. كيف تريد مني أن أغير رتيل وأنا تزوجتها لأنها كذلك ولأني لا أريد أن أغيرها.. فشخصيتها وما هي عليه لها قالبها الذي لا يجوز أن تخرج عنه.. والا لن تصبح صالحة لفكرة أن تكون زوجة لي ولتربية أولادي.. بينما مشاعري واحتياجاتي العاطفية كلها سأذخرها لنساء أخريات))
تغضن جبين معاذ باستهجان متسائلا
((تذخرهم لأخريات؟ تلك النساء اللواتي تقابلهن في المدينة؟ إذن فضحت نفسك واعترفت بأن الأمر لا يقتصر معهن على لقاءات العمل))
أغمض مؤيد عينيه عن تأمل السماء ثم قال
((لا.. هن حقا مجرد عميلات عندي.. أنا أتحدث عن امرأة أخرى ابحث عنها وأتمنى أن أجدها يوما))
رفع معاذ إحدى حاجبيه ومال بظهره يسأله
((من هي المرأة التي تتمنى أن تجدها يوما ما؟ هل اعرف عنها شيء؟))
هز مؤيد رأسه وقال
((لا أحد يعرفها ولا حتى أنا لأنها من خيالي))
ضحك معاذ بخفوت لا يحمل من المرح شيئا ثم قال
((مجنون.. أكاد اقسم بذلك.. هل أنتَ حقا في الثالثة والثلاثين من عمرك يا مؤيد؟))
لم ينزعج مؤيد من نعته بل قال بهدوء
((نعم أنا مجنون.. لأني عندما أجد تلك المرأة فأنا مستعد لأهدم كل ما بنيته في السابق من أجلها رغم أني لم أحدد بعد ملامحها ولم أعثر عليها لكن أقسم بأني سأفعل إن وجدتها.. أريدها جميلة.. وبصفات كثيرة.. لا أظن بأني سأجد فيها كل ما أريده.. لكن على الأقل أريد أن أجد فيها بعض ما أتمنى فلي الحق في الاستمتاع قبل أن يتقدم بي العمر أكثر))
تمتم معاذ بصراحة
((أشفق على زوجتك التي تعيش معك))
ساد صمت طويل بينهما لم يقطعه سوى صوت حركة الرياح مع أوراق الأشجار..
فتح مؤيد عينيه يكسر الصمت قائلا بنبرة فيها بحة وهو يغير الموضوع السابق
((تعاد وتمدد بجانبي يا معاذ تأمل السماء.. بدأ الظلام ينتشر وازدادت النجوم المتلألئة تألقًا فيه))
ابتسم معاذ موافقا وألقى بإحدى الوسائد ثم وضع رأسه فوقها يتمتع هو الأخر بالهواء المنعش ويسرح في هذا المشهد الرباني..
شعر مؤيد بجفونه تزداد ثقلا وكاد أن يغفو قبل أن يقول بصوتٍ أجش
((ما رأيك أن نصلي العشاء ثم نبيت على السطح هنا كما كنا نفعل في أيام صبانا))
لم يبدِ معاذ الاقتناع وهو يجيبه بصوتٍ ناعس
((إنسَ الفكرة.. لن أتحمل أن أجبر غدا على الاستيقاظ في وقت مبكر جداً حين تشرق الشمس وتبدأ حركة الناس والضجيج في الشوارع))
وخفتت أصواتهما غير مدركين للمرأة الواقفة جانبا ورائهما متجمدة الحواس لا الجسد من كم الإهانات التي خرجت من فم زوجها أمام أخيه عنها..
وجهها شاحب.. عينيها محتقنتين.. والدموع متجمدة بها..
يديها الممسكتين بصينية الشاي ترتجفان.. وقلبها متسارع الخفقات..
أسدلت جفونها للحظات تحاول استيعاب ما سمعته طوال حديثهما..
والذي مضمونه بأنها ليست بالنسبة له إلا زوجة وأم الولدين وقد اختارها ليرضي مجتمعه وعائلته فقط لا غير..
ليس وكأنها تجهل هذه الحقيقة.. لكن يضل سماعها صراحة أمرا مُرًا كالعلقم..
تعرف أن عمله لا يتطلب بقائه هناك كل هذا.. وأن هناك غرضًا وراء استئجاره شقة في المدينة وعدم عودته هنا إلا عدة أيام كل أسبوعيين وكأن منزله فندق للزيارات!
بل ما سبق وأثار استغرابها أنه بطبعه يحب أجواء قريته ويختنق من الازدحام والضوضاء.. ومعتاد على رائحة النباتات والعيش في الهواء الطلق!
لكن ليس هنا عميلات متبرجات شقراوات هنا يستطيع الخروج معهن والتنزه من حين لأخر..
شعرت رتيل بنفسها يضيق فاستدارت للخلف تغادر المكان كله بخفة خطواتها..
وما أن ابتعدت كفاية حتى أخذت نفسا عميقا..

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *