المقدمه والبداية ج1
المقدمه والبداية ج 1
توقف مالك على صوت سمية المنادي له ليلتفت لها هادرا بتجهم
((ماذا هناك؟))
توقفت مكانها تحافظ على مسافة جيدة بينهما.. ثم قالت بنبرة حاولت جاهدة أن تخرج ثابتة
((مالك إياك أن يتكرر شيء مِمَّا حدث قبل قليل.. ماذا لو كان أحد ما معنا غير زوجة أخيك؟ ما تفعله سيثير أقاويل أنا في غنى عنها))
رفع حاجبية ثم تساءل بوجه خال من أي تعابير
((وماذا فعلتُ قبل قليل لأجلب الأقاويل لك؟))
كتفت ذراعيها تنظر إليه بصرامة هادرة
((أنا أستطيع جيدا الدفاع عن نفسي والتصدي لمن يحاول تجاوز حدوده معي.. فلا تتدخل أرجوكَ))
اقترب مالك منها خطوتين بلامبالاة ثم كست الجدية نبرته وهو يقول بما لا يقبل النقاش
((بمجرد عمل أي امرأة لصالح عائلتي فهي من مسؤوليتي.. وخاصة أنتِ.. سواء أثناء تواجدك في المطبخ أو الحديقة))
ثم أعطاها ظهره مغادرًا المكان كله لعمله..
وقف مؤيد أمام منضدة الزينة يجفف شعره عقب أن أخذ حماما دافئا منعشا..
صدح صوت زوجته المتذمر عاليا وهي تشير لزجاجة العطر فوق السرير التي استعملها مؤيد ورماها
((هذا العطر غالي كن حذرا أثناء استخدامه))
تناولت الزجاجة لتضعها فوق المنضدة بعنف واقتضاب فعقب مؤيد عاقدًا حاجبيه
((على رسلك.. ستحطمينه))
ظلت رتيل على ملامحها المتجهمة وهي تجلس بقوة فوق السرير تكتف ذراعيها..
فهم مؤيد أنها تريد منه أن يسألها عن سبب غضبها.. لكنه سألها عوضا عن ذلك وهو يرمي المنشفة أرضًا
((هل الفطور جاهز؟))
زفرت أنفاسها ثم قالت بجفاء وهي ترفع ذقنها
((لا تقلق لقد أنهضت زوجة أخيك مبكرا حتى قبل الخدم لتعده))
رفع عينيه إليها ثم لم يلبث أن ضحك ضحكة خشنة وهو يقول بصوتٍ خفيض
((أحسنتِ.. أنا متطمئن أنك تقومين بواجبك على أكمل وجه في جعل حياتها كالجحيم.. فأي فتاة من أمثالها يجب عليها أن تتحول إلى خادمة في بيت عائلة زوجها))
سمع صوتها الهادئ من خلفه يقول ببرود
((لا تقلق من هذه الناحية))
أخيرا تنازل مؤيد ليسألها وهو يستدير ناحيتها
((ما سر تجهمك منذ عودتك من الخارج؟))
استقامت من مكانها واقفة وأطلقت تنهيدةً لم تبشره بالخير قبل أن تبدأ شكواها
((لا يعجبني أخيك مالك.. أنه يعير ابن تلك البستانية اهتمام أكثر من ابنيك أنت! دائما ما يعرض على أمه أن يقوم بتوصيله للمدرسة ولا يسأل عن باسم وفهد.. وحتى في خروجاته مع أصدقائه للعب كرة القدم يصطحب يزيد معه بدلا منهما))
انفرجت شفتي مؤيد بابتسامة متهكمة وهو يقول مستنكرا
((فليصحب من يشاء معه وماذا سيأثر عليّ!))
اجابته على الفور بانفعال
((لن يؤثر عليك شيء.. ففهد وباسم هم فقط المتأثران.. ولداي المسكينان لا يجدان من يهتم بهما.. عمهم ينشغل عنهم بابن البستانية ووالدهما لا يرونه إلا في نهاية كل أسبوعين.. ورغم ذلك ينشغل فيها بغمر ابنة أخيه الصغيرة هدى بحنانه واهتمام بدلا من منهما))
ذهل مؤيد وهو يحدق في زوجته التي كانت تتحدث مراقباً تلك الانفعالات المبالغة بها على ملامحها..
عقدت حاجبيها تسأله
((لماذا تحدق بي كأني بلهاء؟))
نظر من حوله يحاول أن يتمالك صبره قبل أن يقول هادرا باستياء
((لا حول ولا قوة إلا بالله.. هل هذا وقت نكدك يا امرأة! لست متفرغا لسماع هذه الترهات منك))
اتسعت عيناها قليلاً لكنها تمالكت نفسها وسيطرت على خيبة الأمل التي اجتاحتها بسبب عدم أخذه كلامها على محمل الجدية..
لكنها قررت أن تتجنب الخوض في هذا الموضوع لتقول ببرود مغيرة الموضوع
((هيا أخبرني متى سأذهب لعائلتي؟ لقد اشتقت لهم وأريد زيارتهم))
انعقد حاجباه في شدة من طريقة حديثها وجلبها سيرة زيارة عائلتها وكأنها تتعمد إفساد إجازته التي يقضيها هنا فهتف صارخا
((حتى باليومين الوحيدين التي أعود فيهم للمنزل تصرين على إفسادهم لي.. سأريحك من وجهي وأضل غائب عن هنا لأشهر حتى لا تريني ولا تسمعيني أسطوانتك التي لا تنتهي))
رفعت ذقنها قليلاً ثم همست من بين أسنانها بغيظ
((لماذا تصرخ يا مؤيد؟ أنا اتحدت معك وأتحاور بالهدوء))
وجهه الذي أصبح مكفهرا غاضبا جعلها تتراجع مبتعدة عنه قدر الإمكان ثم أردفت بصوتٍ متوتر
((كل هذا لأني طلبت منك زيارة عائلتي؟ ولكن مضى أكثر من شهر على أخر زيارة لي لهم))
رد عليها بسخط
((وما المشكلة؟ كثير من النساء لا يذهبن لأهلهن لعدة شهور.. انظري لعروس الثأر تلك.. لم تخطوا قدمها قرية عائلتها منذ زواجها من اخي))
قالت مستنكرة بغضب
((وهل تقارنني بامرأة اتخذوها قربان ليقفوا حربًا كانت لتحصل بين عشيرتين!))
صدح صوته صارخًا في المكان يرج الجدران
((ألن نتوقف عن هذه السيرة؟ لا أريدك أن تزوري عائلتك لا اليوم ولا الشهر القادم حتى.. أنا الرجل هنا وأسير حياتي وزوجتي وبيتي كما أريد.. ومتى ما أردت سأجعلك تزورينهم بدون أي نقاشات سابقة أو حوارات لا أحبها))
بدأ صدرها يرتفع وينخفض سريعا فهو الآن سيكمل وصلة صراخه ككل مرة تحاول مناقشته بشيء غير آبهٍ لمن يسمعهم..
العيش مع رجل كمؤيد غاضب وعصبي المزاج كالعيش بالقرب من فوهة بركان..
كل مرة يأتي من إجازة عمله تضل هي وولديها في حالة قلق دائم وتوتر فهو قد ينفجر ويثور في أي لحظة ولأي سبب مهما كان تافها فيفسد أجواء المنزل ليوم كامل أو حتى لأيام عدة..
رمشت رتيل بعينيها وهي تحاول التخلص من تلك الغصة التي اعترضت حلقها ثم قالت بصوتٍ أجش خشن
((مؤيد أخفض صوتك العالي.. سيسمعنا من في الخارج))
عندما هم مؤيد أن يفتح فاهه مجددا قاطعهما صوت طرقات الحاجة زاهية فوق الباب..
أغمض مؤيد عينيه يسمح لأمه بالدخول لتفعل وتغلق الباب خلفها هامسة بصرامة
((اخفض صوتك العالي يا مؤيد.. هل تظن نفسك تعيش هنا وحيدا؟))
توترت ملامح رتيل عند كلام زاهية والتفتت بارتباك نحو مؤيد الذي قال ممتعضا
((سأفعل بعد أن تتعلم كنتك التوقف عن صب نكدها عليّ))
صمتت زاهية للحظات ثم قالت بحزم
((لقد جهزوا طعام الفطور تعال لتشاركنا يا مؤيد))
غادر مؤيد للخارج مهمهمًا بكلمات خافتة غاضبة.. لتنظر زاهية نحو رتيل بتجهم.. فسارعت الأخرى الدفاع عن نفسها
((لم افعل شيء يا عمتي.. كل هذا لأني طلبت منه أن أزور عائلتي الذين لم أزرهم منذ شهر لأني اشتقت لهم))
رقت ملامح زاهية وهي تدرك أن الحق مع كنتها فتنهدت قبل أن تقول لها بصوتٍ هادئ
((معك حق ولكن يبدو أنك قلتيها لمؤيد بطريقة تسببت في إغضابه.. أنتِ تعرفين بأنه سريع الغضب والعصبية حتى لأسباب تافهة))
قالت رتيل بصوتٍ مشبع بالقهر
((نعم اعلم ذلك.. حتى يظهر رجولته وتفوقه عليّ في الطباع الحادة))
((لا تتخلي يا رتيل عن الأمل في التحكم بعصبيته.. إن للمرأة قوة عاطفية كبيرة تمكنها بالتحكم بكثير من الأشياء من ضمنها احتواء غضب وعصبية زوجها.. انتبهي فقط على رد فعلك لكيلا يسير الموقف باتجاه منعطف خطير.. فهو كمن يرمي النار.. وأنتِ عليك أن تحمي نفسك دون أن تحترقي))
استدارت زاهية للخارج هادرة بخفوت
((هيا تعالي لتناول الطعام وتجهيز ولديك للمدرسة يا رتيل))