المقدمه والبداية ج1

المقدمه والبداية ج 1

دمعت عينا نورين وتزايدت وتيرة أنفاسها بخوف لأنها كانت المتسببة لما حدث لها..
دخلت زاهية المطبخ ومعها إحدى الجارات التي كانت عندها لتسأل فزعة
((ماذا يحدث هنا؟ أصواتكم وصلت عنا))
كانت في هذه الأثناء تقترب نورين من سمية بمحاولة الاطمئنان على يدها الموضوع تحت الماء البارد إلا أن صوت مالك يردعها علا هاتفا
((ابتعدي عنها.. كل ما حدث لها بسببك أنتِ))
خرج صوت نورين مرتعش وهي تقول معتذرة بارتباك
((لكن لم اقصد.. كنت أريد أن ارميه أرضا لا عليها))
لم يرأف مالك بها وهو يستمر بجزرها
((ابتعدي من هنا إذن))
اتسعت عينا زاهية من ردة فعل ابنها.. بل عن سبب وجوده هنا.. شتت نظرها للفوضى الحادثة في المطبخ ثم نظرت لرتيل التي كانت تقف مكانها تسألها
((ماذا حدث هنا؟))
أخفضت رتيل وجهها وكان كل ما فيها متشنجا..
خافت منال عليها أن تعترف فتدخلت قائلة بمسكنة
((كما تريين يا حاجة زاهية.. طلبت السيدة رتيل من نورين جلب الشاي إلا أنها رفضت وقامت برميه أرضا وسكبت ما فيه على سمية))
بالكاد تماسكت نورين وهي ترى نظرات زاهية والجارة التي جاءت معها.. كن يرمقنها بسخط وخيبة أمل..
ومن فرط الأحراج الذي كان يجتاحها لم تقدر على النطق بشيء..
اقتربت زاهية من سمية التي كانت تغمض عينيها تكتم ألمها بصعوبة لتسألها
((هل يداك بخير الآن؟))
أومأت سمية برأسها تقول بشق الأنفس
((نعم بخير.. الحق عليّ أنا من تدخلت ودفعت يدها فانسكب عليّ))
نظرت زاهية بطرف عينها لابنها مالك بانزعاج لتواجده هنا بينما تراه يجلس على الكرسي وهو يُجلس يزيد المرتاع على امه فوق حجره ويده يمررها فوق ظهره ليهدئه..
ثم عادت تنظر لسمية المتألمة قائلة بصرامة لا تناسب الموقف
((إذن لا تتدخلي أبدًا مرة أخرى حتى لا يحدث امر مماثل لهذه مجددا))
وكما توقعت قال مالك وتدخل معترضا
((أمي لقد أصيبت بحروق ربما تكون من الدرجة الثانية وأنتِ تلومينها هنا!))
قالت الجارة التي جاءت مع زاهية
((ماذا تفعل يا مالك هنا؟ من غير اللائق تواجدك هنا مع النساء.. غادر مع الطفل))
وقف مالك من مكانه وهو لا يزل يحمل يزيد
((سأذهب بها للمشفى ليتفحص الطبيب حالتها))
جحظت عينا زاهية لعرض ابنها الجريء الذي قاله الآن.. فعضت على شفتها قبل أن تردعه
((مالك اخرج من هنا ودعني أرى أنا يديها.. لن تحتاج لطبيب))
استجاب مالك على مضض وخطى نحو الخارج.. في حين قالت نعمة وهي تغلق صنبور المياه
((لا تقلق لا تبدو إصابات بالغة تستدعي ذهابها للمشفى.. سأضع الدواء المخصص للحروق واضمد يدها وسينتهي الأمر))
اقتربت نورين من سمية هامسة
((أنا أسفه حقا لم اقصد ما فعلته))
رفعت سمية نظرها قائلة بنبرة ودودة رغم ألمها
((لا دخل لك أبدًا.. الخطأ خطئي))
عندما كان مالك خارجا من عتبة باب المطبخ إلى الداخل اتسعت عيناه متمتما
((مصعب؟ هل جئت؟))
ظل مصعب الواقف مكانه يطالع ملامح أخيه الأصغر سنا المضطربة.. والى الطفل الصغير مرتعش الجسد دليلا على بكائه الذي يحمله..
فعقد حاجبيه يسأله بصوتٍ فيه بحة
((ما الذي يحدث في المطبخ يا مالك؟))
التفت مالك ينظر لداخل المطبخ.. إلى حيث تقف نورين.. ثم قال بجفاء إلى أخيه
((زوجتك سكبت الشاي الساخن على سمية))
اتسعت عينا مصعب لما سمعه وتحفز يدخل على الفور للمطبخ هادرا بنورين بحدة
((ماذا فعلتي؟))
اتسعت عينا نورين اللتان تلمعان بالدموع وهي ترى زوجها يقف أمامها فازدردت ريقها وبدت من هيئة وجهها كطفلة مذنبة..
فتطوعت منال لتجيب مصعب بازدراء
((رمت إبريق الشاي متعمدة أرضا فانسكب على سمية))
شعرت زاهية بالحرج مما يحدث الآن خاصة مع تواجد جارتها معها شاهدة..
فقالت بصوتٍ مقتضب لابنها
((خذ يا مصعب زوجتك وابتعدا من هنا))
وهي تحبس أنفاسها خوفا وجزعا …وخزيا..
عاد مصعب يطالع نورين ولوهلة ترنحت في وقفتها وهي ترى وجهه يتصلب وملامحه تشتد.. بدت ملامحه في هذه الحظة قاتمه..
حاولت ترطيب شفتيها وفغرت شفتيها قليلا تجاهد النطق بأي شيء وتبرير موقفها إلا أن صوت مصعب جاء بصوتٍ جاف قاسي وهو يأمرها
((اصعدي فوق))
ثم توجه نحو والدته وسمية وقال لنجوم
((أحضري لي يا نجوم علبه الإسعافات الأولية ودعيني أرى يداها يا أمي))
بدأ مصعب يوجه والدته ونعمة الإجراءات اللازم فعلها على يد سمية بدء من وضع مرهم علاج الحروق حتى تضميده وقال في النهاية مطمئنا سمية
((لا تقلقي لن يترتب عن الحرق ضرر كبير ولن يطال الطبقات الأكثر عمقا في الجلد.. سيشفى الحرق من أسبوعين إلى ثلاثة فقط لا تحاولي التخلص من الفقاعات التي ستظهر على سطح الجلد))
ثم نظر إلى أخيه الذي كان لا زال واقفا عند عتبة المطبخ يطمئنه بعينيه عليها.. وكأنها تخصه..
ورغم ذلك لم يكن مالك مطمئنًا..
فمع أن مصعب أكد أن إصابة يديها لا تحتاج الذهاب للطبيب.. إلا أنه في النهاية ليس طبيبا مختصا.. بل مجرد ممرض..
لذا تمنى لو يصحبها إلى طبيب مختص..
استدار مالك للخلف يخرج متجها نحو الدرج ليصعد نحو غرفته إلا أن نداء صوت رتيل أوقفه مكانه..
التفت لها باستغراب يراها تقول على استحياء وخجلا مما فعلته قليلا
((لقد تبرعت نجوم أن تنام في منزل سمية لتهتم بها بسبب إصابتها.. اعطيني يزيد وسأذهب به لغرفة باسم وفهد لينام معهما))
وكانت رتيل قد مدت ذراعيها لتأخذ يزيد.. شعر مالك بتصلب الصغير بين يديه بإشارة أنه لا يريد أن يذهب معها..
وكيف يذهب أو يرتاح تجاهها وهي لم توفر في أي مرة سابقة أن تعبر عن سخطها وكرهها لابن البستانية في أن يكون بنفس منزلة ابنيها..
فقست ملامح مالك وهو يخبرها بجفاء
((لا يريد.. سأفرش له مكانا في غرفتي وسينام عندي عدة أيام حتى تشفى أمه))
اتسعت عينا رتيل وظلت متجمدة مكانها.. لا من طريقة جفاء مالك في الحديث معها قبل أن يغادر.. بل بسبب ما قاله..
هي ليست أول مرة ينام يزيد معه في نفس الغرفة.. بل سبق وذهب في رحلات عديدة وقام باصطحابه معه.. لكنه يظل غريبا عنه..
فكيف تأمنه سمية بابنها إلى هذا الحد!
تصاعد رنين هاتف رتيل لتتسع عينيها وهي ترى زوجها صاحب الصوت ففتحت عليه الخط قائلة بخشية على الفور قبل أن تعطيه مجالا للحديث.. أو للصراخ
((الآن.. الآن سأصعد بالشاي لكم.. انتظر عشر دقائق))
وأغلقت الخط في وجهه فورا وهي تسرع الخطوات عائدة للمطبخ..
.
.
قامت زاهية بتوديع زوارها وعندما مرت في البهو وجدت نورين تقف امامها بينما تقول بكلمات متعثرة
((عمتي أرجوكِ اسمحي لي أن أبرر موقفي.. أنا لم أتعمد رمي الشاي الساخن على سمية..))
قاطعتها زاهية وملامح قاسيه ترتسم على وجهها
((اغربي من أمام وجهي.. لقد خيبت ظني بك وأفسدتِ زيارة النسوة لي))
إلا أن نورين ظلت واقفة مكانها كاللوح الخشبي.. لا تريد الحراك قبل أن تبرر نفسها..
فنظرت لمصعب الجالس على أريكة سوداء أنيقة موضوع في المنتصف يدفن وجهه في يديه.. باديا الإنهاك عليه.. ربما بسبب العمل.. فقد عاد توا منه دون أن يجد مجالا للاستحمام أو تغير ملابسه..
لم تراعي زاهية وضع ابنها وهي تهتف به بحزم
((خذ زوجتك ولا تريني وجهها يا مصعب))
ابعد مصعب يديه عن مرمى وجهه يناظر نورين هادرا بينما يقف من مكانه
((اصعدي خلفي))
لكنها ظلت مكانها تهز رأسها نفيا وهي تنظر للأرض
((رتيل هي من تسببت بكل هذه الفوضى في المطبخ قبل قليل))
لكن مصعب لم يهتم بكلامها فاقترب منها يمسك ذراعها هادرا
((سنتحدث فوق))
انتفضت نورين وهي تشعر بيده تقبض على ذراعها بقوة هامسا
((الحقيني بدون أي كلمة))
ثم جرها خلفه ولم تجد أمامها إلا أن ترضخ لأمره وتسير خلفه مجارية خطواته الواسعة والسريعة..
كل ما فيها كان مستسلما حتى عبراتها المتساقطة على وجنتيها كانت تنزلق بصمت..

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *