المقدمه والبداية ج1

المقدمه والبداية ج 1

اجتمعت العائلة جميعها حول سفرة الفطور الذي ترأسها الحاج يعقوب..
بدأت رتيل توزع أرغفة الخبز عليهم.. تناول معاذ حصته منها ثم التفت لوالده متسائلا بابتسامة
((أين هي زوجة أخي مصعب؟ هذه أول مرة أخذ إجازة من عملي وأبيت هنا ولم أراها حتى الآن))
جاءه الرد من زاهية التي قالت بجفاء
((إنها لا تفضل الجلوس معنا إلا مع وجود زوجها.. وأنتِ تعرف أنه هو ومالك يذهبان لعملهما في وقت مبكر))
عق معاذ حاجبيه بتساؤل
((لماذا لا تجلس معكم إلا بحضور زوجها؟))
تدخلت دارين ابنة الثانية عشرة وأجابت والدها بنبرة ذات مغزى
((إنها تخاف من امرأة عمي رتيل فهي تسيء معاملتها يا أبي))
ضيقت رتيل عينيها بتوعد وهي ترمق دارين تلك الصغيرة المدللة التي تضل تتربص فيها..
في حين تصلبت ملامح معاذ وهو يزجر ابنته
((دارين تكلمي باحترام عن زوجة عمك فهي بمثابة أم ثانية لك))
انتشر الحنق على ملامحها لطريقة تحدث أبيها معها وهي ترى ابتسامة الانتصار على وجه رتيل..
فاستقامت واقفة من مكانها تقول بصوتٍ متحشرج
((لم أخطأ بشيء يا أبي.. أنتَ سالت وانا أجبت اختصار))
انخفضت تحمل حقيبة كتفها المدرسية ثم غمغمت قبل أن تغادر
((لقد شبعت.. سأذهب الآن لمدرستي))
لم تهتم دارين لصوت جدتها التي طلبت منها أن تكمل طعامها أولا.. بل عجلت خطواتها لتغادر المنزل..
عند عتبة الباب التفتت للخلف تسمع هتاف ياسمين زوجة عمها مناديه عليها..
قالت ياسمين التي كانت تحمل ابنتها وتحاول اللحاق بها
((هدى جاهزة خديها معك للمدرسة ليوصلكم السائق معا))
ربتت ياسمين فوق شعر دارين قبل أن تبتعد مودعة إياهم..
فتنهدت بضجر وهي تمسك يد ابنة عمها الصغيرة متجهة نحو السيارة التي تقلهما إلى مدرسة البنات في القرية..

فتحت سهر احدى عينيها الناعستين وقد استيقظت على صوت آنين صديقتها شيرين أثناء نومها في نفس الغرفة معها..
أضاءت المصباح ذو الضوء الخافت تتفقدها فشعرت بالقلق وهي ترى جسدها متشنج وملامحها متغضنة بالألم والعرق يتصبب من وجهها بكثرة..
وكأنها تعاني من كابوس فظيع أبعدت الغطاء عنها واقتربت منها تهزها بلطف هادرة
((شيري حبيبتي استيقظي.. أنتِ بخير؟ أيًا كان ما ترينه فهو مجرد كابوس سيزول فورا.. شيري استيقظي))
وكانت هزات سهر الرقيقة هي ما جعلت شيرين وتفيق من نومها بشهقة قوية وتعتدل فجأة جالسة..
رفعت سهر منديلا إليها تمسح عنها قطرات العرق التي يتصبب عن جبينها متسائلة بهمس
((هل أنتِ مريضة يا شيري؟))
أجابتها من بين لهاثها القوي بينما تريح جسدها على ظهر السرير
((لا تقلقي أنا بخير))
تلفتت للظلام النسبي حولها إلا من إضاءة خافتة لتعي أنها كانت نائمة في غرفة سهر.. كما تفعل منذ شهر بعد إنهائها عقد إيجار منزلها..
أغمضت عينيها وهي تكرر بينها وبين نفسها بإن ما كانت تعيشه قبل دقائق هو مجرد كابوس.. ثم مسحت وجهها بيديها تأخذ نفسًا عميقًا محاولة أن تسترخي..
هل عاد ذلك الكابوس ليدهما من جديد بسبب عودة تواصل وليد معها؟
ولكن ألا يُفترض أنها سبق وتعالجت وتعافت وصار ما فعله بها مجرد ذكرى سيئة من الماضي رغم نتائجها التي تأكلها وتحرقها حتى هذا اللحظة؟
وكأن سهر شعرت بما تفكير صديقتها غارق فسألتها وهي تربت على شعرها الطويل الأسود
((هل كنت تحلمين بشيء يتعلق بوليد بسبب تواصله معك مؤخرا؟))
أومأت بوجهها ثم قالت بصوتٍ مضطرب وهي تحدق بسهر بألم
((نعم.. لقد تبرع ذلك الوضيع ليكون محامي الطرف الأخر.. ومجانا.. فعادوا لرفع قضية أخرى عليّ بشأن حادث ابنهم))
شتمت سهر وليد بغل بصوتٍ خافت فقد كانت أكثر من شهد على ما فعله بها في عدة مواقف متفرقة في الماضي.. إنه لا يتركها بحالها..
ازدردت شيرين ريقها لتتابع بصوتها المنهك
((بعد حادث السيارة الذي حصل قبل ثلاث سنوات صارت حالة الطفل عادية ولم يعد يحتاج للعلاج.. خسروا أخر قضية رفعوها ضدي فلم تكن التقارير الطبية التي يمتلكونها مهمة أو تثبت كلامهم.. ولكن بفضل وليد عادوا مجددا لرفعها))
قالت سهر بنبرة ملأتها بكل ما تستطيع من احتقار
((أناس دنيئين وبلا ضمير.. لا اصدق كيف لحب المال أن يجعل الإنسان يصر على الادعاء بالإصابة))
إحساس بالقهر ملأ روح شيرين وهي تغمغم
((معك حق فما يقومون به هو استغلال غير طبيعي وتكسب غير منطقي.. حتى الوقود يطلبون مني دفع ثمنه مبالغا وأضعافا في كل مرة يذهبون للمشفى))
أخذت شيرين نفسا طويلا لعلها تهدأ ما يعتمل في صدرها من إحساس بالظلم لتردف
((لا أقول ذلك لان الأمر متعلق بي ولكن أنا وأبي رحمه الله لم نقصر تجاه الطفل الذي صدمته.. ذهبنا به للمشفى وذهبت لأثبت راضية مرضية حق الطفل ودون تحقيق بأسباب الحادث رغم أنه من رمى بنفسه عليّ))
بحزن عادت ذاكرتها لتلك الليلة قبل ثلاث سنوات..
عندما كانت تقود سيارتها في وقت متأخر عائدة هي ووالدها إلى المنزل..
كانت تسير مسرعة لخلو الشارع من السيارات قبل أن يظهر أمامها ودون سابق انتظار طفل صغير.. وكأنه كان ينتظرها..
كان الحادث بسيطا فقد حاولت بكل طاقتها وسيطرتها أن تتفاداه قدر الإمكان..
لم يجدوا حولهم إلا الجبال والتلال على جانبي الطريق فقد كانت منطقة غير مأهولة..
فحمل والدها الصبي وبعدها قادت على الفور لأقرب مستشفى..
وقام فريق الطوارئ بإسعاف أصابته التي لم تتجاوز إلا بعض الرضوض..
وأخبرهم الصبي عن مكان بيته وقام والدها في الاتصال بعائلته الذين أخرجوه مع تقرير للطبيب يفيد بلزوم زيارة الطفل لاحقا للمستشفى لمزيد من الاطمئنان..
ومن هنا بدأت تفاصيل مأساتها التي لا تزال تعيشها حتى الآن..
وبدأت تفاصيل العلاج وحكاية استنزافها من جديد..
فالعائلة لم تقبل أن يكمل ولدها علاجه إلا بأفضل المشافي الخاصة وباهظة الثمن..
وفي جلسات المحكمة التي لا نهاية لها يلزمونها في كل جلسة بدفع التقارير والفحوصات المخصصة للصبي..
شعرت سهر بصديقتها تصارع بين أحاسيس مختلطة باليأس والإنهاك والقهر.. فقالت له مبتسمة بتعاطف
((صدقيني ستكون الأمور أفضل مستقبلا))
إلا أن شيرين أومأت برأسها قائلة بصوتٍ يقطر همًا وبؤسًا
((ما أعانيه ليس سهلا يا سهر.. فأنا موظفة كما تعلمين وكل يوم أغيب فيه عن عملي أتعرض للحسم من راتبي.. منذ ثلاث سنوات والقضايا التي يتم رفعها عليّ من قبلهم واستمرارهم بزيارة المشافي والأطباء بلا داعي يلتهم معظم راتبي.. انهم يستنزفونِ ماديا ومعنويا بلا رحمة))
اعتدلت سهر واقفة قائلة بهدوء
((سأذهب لأعد كوبين من الشاي الدافئ حتى يزول الأرق وتستطيعي النوم لعملك في الغد.. فلا يصح أن تبدأ في التأخر بحضوره بعد الترقية التي حصلتي عليها يا شيري))
ابتسمت شيرين لكلام صديقتها بينما تراها تغادر الغرفة..
في حين ذهبت سهر للمطبخ.. أشعلت الإضاءة ثم الموقد وبدأت بإعداد الشاي قبل أن تشعر على صوت خطوات من خلفها وتشهق مكانها بفزع هاتفة
((أمــــــــــي.. ماذا تفعلين؟))
كتفت تمارا والدة سهر ذراعيها التي كانت ترتدي مئزرا حريرا مخصص للنوم ثم قالت بينما ترمق ابنتها بوجوم
((عما كنتما تتحدثان أنتِ وشيرين؟))
أشاحت سهر بوجهها جانبا تتنهد بانزعاج ثم عادت تنظر لامها قائلة بعتاب
((أمــــــــــــي.. هل كنت تسترقين السمع علينا؟ هل يصح أن يخرج هذا التصرف من سيدة مجتمع راقية مثلك؟))
كان أخر كلام سهر متهكما فعقدت تمارا حاجبيها تقول بامتعاض
((أنا لم أكن أتنصت.. كنت أريد طرق الباب المفتوح عليكما عندما مررت على غرفتك وشعرت بأنكما لا زلتما مستيقظتان.. وصدفة سمعت حديث شيرين.. هل تعاني ضائقة مالية؟))
أعادت شهر شعرها للخف وعادت تكمل صنع الشاي وهي تقول لامها
((لا يا أمي.. كانت فقط تتكلم عن حادثة الاصطدام بالطفل التي حصلت قبل عدة سنوات))
رفعت تمارا احدى حاجبيها تقول مستفسرة بلا مواربة
((هل كانت تقصد أن تطلب منك مثلا قرضا أو ما شبه فهي عندها فكرة عن ثروة والدك؟ لأنه ألا يكفي بأننا نأويها في منزلنا..))
استدارت سهر باقتضاب نحو أمها قائلة
((إلى ماذا تلمحين يا أمي؟ هل سبق وطلبت شرين مني مالا طوال سنوات صداقتنا لتطلب الآن؟))
نظرات سهر المقتضبة المصوبة نحو أمها كانت تحذرها حتى من الظن السيء بشيرين..
إلا أن تمارا تجاهلتها وهي تجيب بشيء من الامتعاض
((لا ولكن وقتها كان والدها على قيد الحياة.. لكن بعد وفاته لم يبقَ لها أحد يساعدها ماديا أو معنويا غيرك))
قالت سهر بتقرير
((أمي إنها لا تحتاج أحدا.. فالراتب الذي تتقضاه من عملها وخاصة بعد ترقيها يغنيها عن منية إنسان.. هي قررت أن تنهي عقد إيجار المنزل الذي تسكن فيه لأنها تخاف الوحدة والبقاء بمفردها فيه منذ وفاة والدها))
ثم تخصرت يدي سهر وهي تكمل مردفه بحزم
((ثم وماذا لو احتاجت مالا؟ كل ما املكه هو فداء لها))
عوجت تمارا فاهها ثم قالت
((أرأيتِ يا سهر كيف يسهل استغلالك من قبل الأشخاص الذين يحاوطونك؟))
أطفأت سهر الموقد بعد غليان الشاي ثم ضيقت عينيها وهي تصحح لأمها
((أمي بل هي من يتم استغلالها من طرفي.. فهل كنت أجد في الماضي غيرها من يأويني في بيتهم ويطعمني ويشربني بدون أن يتذمر عندما تطرديني من البيت؟))
وقبل أن تخرج سهر من المطبخ هرولت شيرين إلى غرفة النوم بخفة على رؤوس أصابعها حتى لا يشعر أحد بها..
أغلقت الباب خلفها وعادت لتتمدد فوق سريرها..
ما سمعته قبل قليل من والدة السهر التي تعرف أنها لم تحبها يوما جعلها تشعر بالكآبة تتسلل لداخلها أكثر مما سبق..
لقد قررت أن تنهي عقد أجار شقتها القديمة وتعيش في منزل عائلة سهر حتى توفر من مرتبها قدر الإمكان بعد نفاد مدخراتها لمواجهة الأيام المقبلة..
فمع تدخل وليد لن يكون أبدًا سهل ما ينتظرها..
أرجعت راسها للخلف وهي تأخذ نفسا عميقا.. مرهقة هي بكل ما لتلك الكلمة العميقة من معنى..
مرهقه من جبروت رجل سبق ودمر حياتها في الماضي ولا يم بين حين وأخر أن يظهر مجددا ليمتع نفسه في إذلالها..
بالرغم من بقايا حب غابر بداخلها له كلما تواجهت معه..
اخرج صوت سهر التي فتحت الباب ودلفت للداخل من شرودها وهي تقول متسائلة
((لم تنامي بعد يا شيرين؟))
أخذت شيرين كوب الشاي منها بامتنان هادرة
((بدأ النعاس يسيطر عليّ.. لكن كنت انتظرك حتى تنهي من إعداد الشاي أولا))
ارتشفت من الكوب الذي تمسكه قليلا قبل أن تستطرد
((ما رأيك أن تزوريني في عملي غدا أو بعد الغد لتلقي نظرة على مكتبي الذي تم نقله للمبنى الجديد الذي سأكون مشرفة عليه؟))
صدر صوت وصول رسالة لهاتف سهر فأمسكته بلهفة تقرأ ما وصل لها وقد رسم على وجهها ابتسامة حالمة..
بدأت سهر تضغط فوق شاشة الهاتف على أناملها ترد عليها بينما تجيب شيرين بغير انتباه
((حسنا سأرى.. ربما سأذهب صباحا لك في زيارة قصيرة.. فأنا اتفقت في الغد أن ألتقي بقصي في النادي مع والديّ))
كتفت شيرين يدها وقالت وهي تزم شفتيها
((لا اقصد أن أبدو غيورة واعرف أن خطيبك ثري لكن ألا يبدو أحيانا أن لا عمل له إلا ملاقاتك والحديث معك؟ كيف يجد وقتا لإدارة شركته وهو يبقى على تواصل تام معك.. إنه حتى يرافق عائلتك عند السفر للخارج لأيام طويلة))
رفعت سهر وجهها متغضنة الملامح لها ثم أجابت مدافعة عنه
((يعرف كيف ينظم وقته ويهتم بعمله وبي في نفس الوقت.. لا افهم لماذا تستغربين أفعاله وأنتِ حتى لم تتعاملي معه أو تريه إلا مرات شحيحة!))
أنهت شيرين تجرع أخر ما تبقى في كوبها ووضعته فوق المنضدة الملاصقة لسريرها وقالت وهي تدفن نفسها تحت الغطاء
((لا استغرب أفعاله بل أفعالك أنتِ.. متى ستتزوجان على كل حال يا سهر؟))
قلبت سهر عينيها وهي تقول بضجر
((يا الهي كم اكره هذا السؤال.. ألا يكفي تساؤلات أمي التي تقرع فيها رأس قصي لتعجيل موعد زفافنا! والآن أنتِ؟))
هدرت لها شيرين بجدية
((أمك محقة.. أنتما مخطوبان منذ سنتين.. وكلاكما في الثانية والثلاثين.. فماذا تنتظران أكثر؟))
زفرت سهر نفسا حانقا وهي تغلق هاتفها ثم تدخل جسدها تحت غطائها قائلة باعتراض
((لا أمي ليست محقة.. فقد سبق ووضح قصي لها ولابي عندما خطبني بأنه لن يقدر على الزواج بي مباشرة.. فجل وقته وماله يستثمرهما في عمله في شركة عائلته.. وهو حتى الآن ليس جاهز للزواج على شروط وطلبات أمي الباهظة.. وأمي لن تقبل أن يتم الزواج إلا بحفل أسطوري تعويضا لحقل عقد قراننا الصغير وتجهيز فيلا ضخمة لحياتنا الزوجية))
عقدت شيرين حاجبيها وهي تسألها
((ماذا قلتي لي اسم شركته تلك وكيف يديرها من هنا إذا كان مقرها في الخارج؟))
ظهر التيه على وجه سهر وتغضنت ملامحها الناعمة لتقول بتردد
((إنها شركة الكرتونيات.. مممم بصراحة أظل أنسى اسمها لأنه عبارة عن رموز.. أما عن طريقة إدارته للشركة فما أدراني))
كانت ملامح شيرين وجهها جامدة وهي تقول بنبرة جادة أقرب لتوعيها
((مخطوبة لقصي منذ سنتين ولا تدرين تلك الأمور البديهية؟ الم يحاول أبيك سؤاله من قبل عن عمله وما شابه هذه الأمور؟))
أجابت بصوتٍ خافت
((بالطبع يسأله وقصي يجيبه.. ولكن لا اصغي أنا لهذا النوع من الأحاديث))
ظهر الاستهجان على ملامح شيرين وهي تقول لها بوجوم
((اذن ماذا تفعلان طوال فترة لقاؤكما؟ أنتِ الآن لا تعملين ولا تدرسين وجل وقتك تقضيه معه.. وإذا ما عدت للبيت تضلين تتحدثين معه صوتا وصورة على الهاتف.. فبماذا تتحدثان إذن؟))
حركة خفيفة من راس سهر وصمتها جعل شيرين تفهم لتسترسل بصوتٍ دافئ وعينين تفضيان بالاهتمام الصادق
((أنا لا اهتم إذا ما فكرتي باني غيورة أو حسودة منك لأني لا املك ما تملكين رغم تقارب أعمارنا.. لكن هذا لا يعني ألا أحاول أن أنصحك.. عليك أن تكوني يا سهر أكثر من وجه جميل بالنسبة لخطيبك قصي.. حاولي أن تكون إنسانة مثقفة وأكثر من واجهة جميلة أمامه.. تحدثا سويا عن مستقبلكما معا والعائلة التي تنويان إنشائها وعمله ومواعيده.. بدلا من تضييع كل وقتكما بالاستمتاع بوقتكما))
تحرك حلق سهر وهي تهمس بصوتٍ لا يكاد يسمع وهي تمدد على سريرها بغية إنهاء الحديث
((حسنا يا شيرين))
شعرت شيرين بأنها ضايقت صديقتها بلا سبب له داعي.. رغم أنها لم ترد إلا مصلحتها وإدخال كلام والدتها الذي لا تصغي إليه لرأسها..
فتمتمت بخفوت
((طابت ليلتك))
ردت سهر عليها بينما أطفأت شيرين ضوء المصباح الخافت بجانبها فوق المنضدة..
لينتشر الظلام في أرجاء الغرفة في حين تنهدت سهر بضيق ووضعت رأسها فوق وسادتها..
تعلقت عينيها بالسقف لدقائق وعقلها لا يفكر إلا بأخر ما قالته شيرين عن زواجها هي وقصي..
لربما هي محقة.. عليها التحدث معه في هذا الأمر..
=========
وقفت نورين في غرفة الحاجة زاهية بوجه منكس بينما تفرك أناملها بقوة حتى كادت أن تطحن مفاصلها من فرط شعورها بالتوتر..
لقد أخبرتها مدبرة المنزل نعمة بأن والدة زوجها تريدها في غرفتها من أجل شيء عاجل..
وها هي تقف هنا بانتظار ما تريده حماتها أخباره لها..
لم يسبق وان انفردت معها منذ زواجها في مكان واحد.. لذا بدا الحال الآن مثير للارتباك فعلا..
اتسعت عينا نورين وفغرت شفتيها قليلا وهي تراها تُخرج من الصندوق عقدًا ذهبيًا من عدة أدوار.. ثم تقترب منها بينما ترفع العقد الذهبي..
فأحنت نورين رأسها قليلا حتى تلبسها إياه.. ثم أخفضت نظرها تطالع العقد ببريقه الأخاذ يتدلى منها..
أخذت زاهية تحضر أساور ذهبية وتعود لتلبيسها هادرة بصوتها الوقور
((لقد كانت عندي منذ مدة وكنت انتظر الوقت المناسب منذ زواجك حتى اعطيها لك))
انشقت ابتسامة من ثغر نورين وهي تحرك يديها مسروقة الأنفاس
((إنها كثيرة.. لن أتحمل أن اسمع رنينهم كلما حركت ذراعيّ))
سكنت زاهية تنظر في عيني نورين اللامعتين بالانبهار.. ثم قالت لها بملامح غير مقروءة
((ارتدي حليك الذهبي دائما ولا تخلعيه.. مثل ياسمين.. ورتيل.. تعلمي كيف تكونين مثلهن))
لم تتكدر ملامح نورين لذكر رتيل بل تجاهلت الأمر وهي تسمع حماتها تكمل
((ستأتي بعض النساء لزيارتي في المجلس بعد قليل.. جهزي ما ستقدمينه لضيافتهم.. ثم اصعدي لجناحك لتتزيني وتتعطري وترتدي أفضل ما عندك من ملابس وتعالي لتقدمي بنفسك الضيافة لهن))
رغم أن نورين قد لاحظت أن نساء القرية تجتمع عندها دائما كل مساء يحتسين القهوة ويأكلن المقبلات.. ولا ينقطعن أبدًا عنها..
إلا أنها تطلعت في عينيها باستغراب مغمغمه بتساؤل
((أي نساء؟))
أجابتها بهدوء
((بعض الجارات والصديقات حتى يقدمن لك الهدايا والنقوط بناء على طلبهن.. فأنتِ بالنهاية زوجة ابني منذ ثلاثة أشهر.. ولن أستطيع إخفاءك عنهن أكثر من ذلك))
حركت حلقها بارتباك إلا أنها سارعت الابتسام وهي تقول طائعة
((حسنا سأفعل.. عن إذنك))
واستدارت للخلف وقبل أن تفتح مقبض الباب جاءها صوت زاهية متسائلا
((ألا تشعرين بأي شيء مختلف هذه الأيام؟ لقد مر ثلاثة أشهر على زواجك من ابني فهل أنتِ..))
بترت زاهية سؤالها وقد أوصلت معناه لها.. فنكست نورني رأسها تجيبها بخفوت
((لا أبدًا.. أنا آسفة))
لف الإحباط صوت زاهية وهي تقول لها بقنوط
((لعله خير.. لا بأس.. هيا أسرعي وتجهزي الآن))
اجتاحت مرارة خيبة الأمل نورين مثلها تماما.. لكن ماذا تفعل وهي مرة واحدة فقط التي تلك التي حصلت بينهما!
.
.
بمجرد أن خرجت نورين حتى هلعت مسرعة لجناحها.. تنتقي أفضل ما عندها من جلابيب حريرية..
طلبت من سمية أن تجهز ضيافة النساء من أولها لأخرها.. فبالكاد يكفي الوقت لتتجهز هي..
اغتسلت وتزينت وتعطرت.. وبمجرد أن انتهت.. حتى دلفت لمجلس النساء بعد أن طرقت الباب وأذن لها بخطوات ثابتة رغم ترنحها بعض الشيء تحت ثقل ما تحمله بصينية التقديم الفاخرة والكبيرة..
راقبتها زاهية تقدم أمام كل من الضيفات كاس عصير مثلج وصحن يحوي قطعة حلوة.. وهي تدعو الله ألا تخجلها أمامهم..
أتمت نورين توزيع ما في الصينية ثم جلست بتهذيب بالغ بجانب زاهية دون أن ترفع عينيها خجلا..
لحظات كانت حتى علت زغرودة إحدى النساء الجالسات وسرعان ما شاركنها الباقيات.. ثم بدأن بإهدائها أجمل المباركات..
لم تذكر أو تشر إحداهما لا من قريب ولا من بعيد كيف تم زواجها من مصعب..
ولم يخرج من إحداهن إلا طيب الكلام من تشيد ومجاملة زاهية بها وبحسن أدبها وجمالها وهذا ما جعلها تشعر بالاعتزاز طوال وقت جلوسها..
في حين كانت زاهية بين كل وهلة وأخرى تطالعها بنظرات تتلألأ بالفخر ووجها الوقور يرسم ابتسامة هادئة تشع رضًا..
ولن تبالغ لو قالت بأنها أعجبتها مثل رتيل بالضبط وهي التي ظنت بأنها لن تحصل يوما على كنة بمثل اتزانها وكياستها.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *