التصميم اللي اتسرق
التصميم اللي اتسرق
حصل من أول ليلة الفستان لحد دلوقتي. وعايز أقدّم لك فرصة جديدة.
بصّيت له بحذر.
فرصة إيه يا فندم؟
عندنا مشروع تصميم جديد، وعايزين نعمل اختبار عملي مدفوع الأجر. مش هعيّنك لمجرد إنك أصلحتي فستان أمي، ولا عشان حصل خلاف بينك وبين بسمة. عايز أشوف شغلك في تصميم أصلي، وفق معايير واضحة.
كلامه ريّحني، لأنّي ما كنتش عايزة حد يديني فرصة بدافع الشفقة.
قلت له
أنا موافقة أعمل الاختبار، بس عندي طلب.
ابتسم وقال
اتفضلي.
عايزة أعرف شروط الاختبار من البداية، والأجر، ومدة التنفيذ، ومين هيقيّم التصميم. وكمان عايزة كل حاجة تكون مكتوبة، عشان ما يحصلش أي خلاف بعد كده.
أدهم هزّ راسه بالموافقة.
طلبك حقك. هتستلمي عقد الاختبار وكل التفاصيل قبل ما تبدأي.
بعد يومين، استلمت التكليف.
كان المطلوب تصميم فستان سهرة جديد مستوحى من الطبيعة، على أن يجمع بين الأناقة والبساطة، ويكون مناسبًا لعرض رسمي.
قعدت في البيت قدام الورق، وبدأت أرسم.
افتكرت أمي وهي قاعدة جنبي في المشغل القديم، وافتكرت إزاي كانت بتفرح لما تشوفني بحوّل قطعة قماش بسيطة لحاجة مختلفة.
قررت أصمّم فستانًا أخضر زمرديًا، بتطريز دهبي مستوحى من أغصان الشجر وأوراقه.
ما حاولتش أقلّد أي تصميم شفته قبل كده. رسمت كل تفصيلة بنفسي، واحتفظت بالمسودات، وسجلت مراحل الشغل، وحفظت الملفات بتاريخها.
ولما جه يوم الاختبار، سلّمت التصميم ومعاه الرسومات الأولية، واختيارات القماش، وتفاصيل التنفيذ.
نهى كانت ضمن فريق التقييم.
بعد ما فحصوا التصميم، قالت لي
واضح إنك فكرتي في كل تفصيلة، مش بس في شكل الفستان النهائي. اختيار القماش والتطريز متناسقين، والتنفيذ قابل للتطبيق فعلًا.
أما أدهم، ففضّل يبص للتصميم فترة، وبعدين قال
ده بالضبط النوع اللي كنا بندور عليه. تصميم له شخصية واضحة، وفي نفس الوقت ينفع يتنفذ بجودة عالية.
ما صدقتش نفسي.
بعد كل السنين اللي قضيتها وأنا بخبّي رسوماتي في الصناديق، كان فيه ناس أخيرًا بتبص لشغلي وتقيّمه على أساس موهبتي، مش على أساس وظيفتي.
في اليوم اللي اتعرض فيه فستان الحاجة فريدة بعد ترميمه، وقفت في آخر القاعة وأنا ببص له.
كان الفستان المخملي الموف متعلّقًا على منصة العرض، والإضاءة بتظهر تفاصيل الخرز والتطريز اللي رجّعت له جماله الأصلي.
وبجانبه لوحة صغيرة مكتوب عليها
التصميم الأصلي فريدة المنشاوي. الترميم مريم عبدالسلام.
حسّيت إن عيني دمعت.
ما كانش مجرد فستان اتصلّح، ولا مجرد قطعة قديمة رجعت للحياة.
كان أول مرة أحس فيها إن شغلي له قيمة، وإن إيدي اللي كانت بتشتغل في الخياطة طول عمرها تقدر تفتح لي بابًا جديدًا.
بعد انتهاء العرض، أدهم سلّمني عرض عمل مكتوبًا لوظيفة مساعدة مصممة في دار فريدة.
قعدت أراجع العقد بندًا بندًا، وسألت عن الراتب، وساعات العمل، وملكية التصميمات اللي هعملها، وطريقة توثيقها.
اتفقنا على التفاصيل، وبعد ما اتأكدت إن كل حاجة واضحة، وقّعت العقد.
ما كانش الموضوع مجرد وظيفة جديدة؛ كان بداية حقيقية لرجوعي للمجال اللي اضطرّيت أسيبه من سنين.
وفي الوقت نفسه، استمر التحقيق في التصميمات الثلاثة، وبدأت الإجراءات القانونية اللازمة للمطالبة بحقوقي، بما فيها بحث التعويضات المستحقة عن استخدام أعمالي من غير إذن.
كنت عارفة إن الطريق لسه طويل، وإن توقيع عقد العمل مش معناه إن القضية انتهت، لكني أخيرًا بقيت قادرة أدافع عن نفسي وأنا واقفة على أرض ثابتة.
في أول يوم ليا في الوظيفة الجديدة، دخلت المشغل، وعلّقت شنطتي، وفتحت كراسة رسم جديدة.
على أول صفحة، كتبت
الموهبة ممكن تتأخر، وممكن الظروف تخلي صاحبها يبعد عنها سنين، لكن ده مش معناه إنها ماټت.
وبعدين مسكت القلم وبدأت أرسم.
افتكرت أمي، وابتسمت.
كنت عارفة إن الطريق مش
هيكون سهل، وإن النجاح مش هيجي من غير تعب، لكني اتعلمت درسًا عمري ما هنساه
ما تسكتش عن حقك لمجرد إن اللي قدامك أقوى منك، وما تسمحش لظروفك إنها تقنعك إنك أقل من حلمك.
لأن أحيانًا، حاجة صغيرة الناس كلها شايفاها ملهاش قيمة، زي فستان مرمي في كيس ژبالة، ممكن تكون بداية لحياة جديدة بالكامل.
وأحيانًا، غلطة صغيرة في رسمة، زي ورقة ليها ستة أطراف بدل خمسة، بتكون هي الدليل اللي يكشف الحقيقة كلها.
تمت.