اغرب عرض جواز انجي الخطيب
اغرب عرض جواز انجي الخطيب
كنت واقفة على طريق صحراوي خارج القاهرة، والحر كان بيحرق في وشي، ومعايا طفلين جعانين، وعشرة جنيه بس في جيبي، ومش عارفة هنروح فين ولا هنام فين الليلة دي. آخر حاجة كنت أتوقعها إن عربية سوداء فارهة تقف جنبنا فجأة. ولما اتوسلت للراجل اللي جواها إنه يشوفلي أي شغلانة أقدر أطعم منها ولادي، رده خلاني من الخوف مش مصدقة اللي سمعته: قالي «أنا مش محتاج خدامة… أنا محتاج زوجة ابه رأيك موافقة ؟!..
اسمي مريم عبدالسلام، ومن كام شهر بس كنت فاكرة إن حياتي ماشية في طريق عادي. لكن كل حاجة اتقلبت فوق دماغي، ولقيت نفسي أنا وولادي الاتنين بنلف من مكان لمكان، لحد ما الفلوس خلصت، ومبقاش قدامنا غير الشارع.
بنتي الصغيرة نور، اللي عندها خمس سنين، كانت قاعدة جنبي وحاضنة علبة الأكل الفاضية على رجليها. كل شوية تفتحها وتقفلها، كأنها مستنية تلاقي فيها سندوتش ظهر فجأة من العدم.
أما ابني ياسين، سبع سنين، فكان بيحاول يشيل شنطة السفر القديمة بتاعتنا، رغم إنها كانت تقيلة عليه جدًا.
بصلي وقال وهو بيحاول يرفعها: «لو الأتوبيس مجاش يا ماما، نمشي على رجلينا».
الكلمتين دول كانوا كفيلين يكسروا قلبي.
كنا مستنيين أتوبيس المفروض يعدي من الطريق الساعة الحداشر الصبح. لكن الساعة كانت قربت على ستة المغرب، ولا الأتوبيس ظهر، ولا حد سأل فينا.
كنت واقفة على طريق صحراوي بعيد عن العمران، حوالينا رملة وسور طويل على جانب الطريق، والشمس بدأت تميل، وأنا كل اللي في دماغي إزاي ألاقي مكان آمن لأولادي قبل ما الدنيا تظلم.
وفجأة، من بعيد، ظهر موكب عربيات سودا.
عربية سيدان سوداء فخمة في النص، ووراها عربيتين دفع رباعي.
العربيات قربت مننا وبطأت.
قلبي بدأ يدق بسرعة.
العربيات وقفت، ونزل منها رجالة لابسين بدلات غامقة. كانوا بيتحركوا بحذر، وكل واحد فيهم واضح إنه مش شخص عادي.
شدّيت ولادي ورايا وهمست لهم: «خليكوا لازقين فيا… ومحدش يتحرك».
وفجأة الباب الخلفي للعربية السوداء اتفتح.
نزل راجل طويل، لابس قميص أسود وساعة معدن لامعة في إيده. جسمه كان قوي، وملامحه جامدة، وعينيه باردة بتبص لكل حاجة حواليه كأنه متعود يسيطر على أي مكان يدخله.
بصلي وقال بصوت هادي: «محتاجة مساعدة؟»
بلعت ريقي وقلت: «إحنا مستنيين الأتوبيس».
رفع حاجبه وقال: «مفيش أتوبيسات بتعدي من الطريق ده بقالها تلات أيام».
حسيت إن الأرض اتسحبت من تحت رجلي.
تلات أيام؟
يعني كنا واقفين مستنيين حاجة مش هتيجي أصلًا!
عينيه نزلت على علبة الأكل الفاضية اللي في إيد نور.
سألني: «آخر مرة ولادك أكلوا إمتى؟»
قبل ما ألحق أجاوب، ياسين قال بمنتهى البراءة: «امبارح».
بصيت له وأنا حاسة بالإحراج، لكن الراجل مغيرش تعبير وشه. بس لقيت عضلة في فكه اتحركت.
لف ناحية واحد من رجاله وقال كلمة واحدة:
«أكل».
بعد أقل من دقيقة، رجالة العربية كانوا بيطلعوا أكياس أكل ومية ساقعة وسندوتشات وفاكهة وبسكوت.
نور بصت للأكل، وبعدين بصتلي كأنها بتستأذن.
قلت لها: «كلي يا حبيبتي».
بدأ ولادي ياكلوا بسرعة، وأنا واقفة مش عارفة أبص في عين الراجل من كتر الإحراج.
همست: «إحنا مش هنقدر ندفعلك».
رد بهدوء: «أنا مطلبتش منك تدفعي».
فضل واقف مكانه، وأنا لأول مرة ركزت في ملامحه.
كان راجل غريب جدًا.
خطير… ده أول إحساس جه في بالي.
لكن في نفس الوقت، كان فيه حاجة في طريقته مع الأطفال مش شبه خطورته خالص.
بعد ما ولادي خلصوا جزء من الأكل، سألني: «رايحين فين؟»
ضحكت ضحكة مكسورة وقلت: «أي حتة».
بصلي باستغراب.
كملت: «أي مكان ألاقي فيه شغل. تنظيف، طبخ، غسيل، رعاية أطفال… أي حاجة. أنا بس محتاجة مكان آمن أولادي يناموا فيه».
سألني: «اسمك إيه؟»
«مريم».
وأشرت لأولادي: «ده ياسين… ودي نور».
هز راسه وقال: «أنا فهد المنشاوي».
الاسم وقتها ماكانش له أي معنى عندي.
مكنتش أعرف إن الاسم ده لوحده كان كفاية يخلي ناس كتير في القاهرة تسكت أول ما تسمعه.
#انجي_الخطيب
بصلي فهد وقال: «إنتي قولتي إنك مستعدة تشتغلي أي شغلانة».
هزيت راسي بسرعة.
قال: «ممكن يكون عندي شغل ليكي».
حسيت بالأمل بيرجع لقلبي فجأة.
سألته: «إيه الشغل؟»
بص في عيني مباشرة وقال:
«أنا محتاج مرات».
افتكرت إني سمعت غلط.
حدقت فيه وأنا مش قادرة أنطق.
وبعدين ضحكت من التوتر وقلت: «إنت بتهزر؟»
لكن وشه مكنش فيه أي علامة هزار.
قال بهدوء: «لا».
حسيت بالخوف رجع تاني.
شرحلي إن والدته مريضة بالسرطان وحالتها متأخرة، وإن أكبر أمنية عندها قبل ما تموت إنها تشوفه متجوز ومستقر.
وكمان كان عنده مشاكل كبيرة مع أقاربه على إدارة مجموعة شركات العيلة، والجواز المعلن قدام الناس كان هيقوي موقفه ويحسم خلافات كتير لصالحه.
سألته بحذر: «شركات إيه؟»
سكت لحظة وقال: «شغل مش بيتكتب في الجرائد الاقتصادية».
بصيت ناحية الرجالة اللي حواليه.
وبعدين رجعت بصيت له.
قلت بصوت واطي: «إنت مجرم؟»
رد بمنتهى الهدوء:
«أيوه».
مسكت إيد ياسين فورًا.
وقلت: «إحنا ماشيين».
فهد ميتحركش من مكانه.
بس سألني سؤال واحد:
«رايحة فين؟»
وقفت مكاني.
بص حوالينا، للطريق الفاضي، وبعدين بص ليا.
«هتودي طفلين فين بعد ما الدنيا تليل، وإنتي معاكي سبعة جنيهات؟»
وشي احمر من الإحراج.
قلت: «إنت عرفت منين الفلوس اللي معايا؟»
بص لإيدي وقال: «عديتيهم مرتين من ساعة ما وقفت العربية».
سكت.
كان واخد باله من كل حاجة.
وبعدين صوته هدي وقال: «بصي، سواء وافقتي على كلامي أو لأ، السواق هيوصلك إنتي وولادك لأي مكان تختاريه. هتباتوا الليلة في فندق محترم، والأكل كله عليا. وبكرة الصبح هديكي فلوس تكفيكي إنك تبدأي من جديد وتبعدي عن المكان ده».
بصيت له بعدم فهم.
«ليه؟»
فهد بص لنور، اللي كانت بدأت تغمض عينيها من التعب، وبعدين قال:
«عشان الأطفال مينفعش يناموا على الطريق».
الكلمة دخلت قلبي بطريقة غريبة.
عرضه كان واضح وبسيط.
جواز رسمي لمدة سنة.
غرف نوم منفصلة.
مفيش علاقة زوجية.
كل اللي مطلوب مني إني أظهر معاه في المناسبات اللي يكون وجود زوجته فيها مهم، وقدام عيلته والناس اللي حواليه.
وفي المقابل، ياسين ونور هيعيشوا في مكان آمن، وهيكون عندهم مدرسة، ودكتور، وأكل، وحماية.
وبعد سنة، نطلق بهدوء.
وأنا أخرج من الجواز بمبلغ يكفيني أشتري شقة صغيرة وأبدأ حياة جديدة لأولادي.
فضلت ساكتة وأنا بحاول أستوعب إن الراجل اللي قدامي بيعرض عليا جواز مقابل إنه ينقذني من الشارع.
وفجأة ياسين، اللي كان بيسمع كل حاجة، بص لفهد وسأله بمنتهى البراءة:
«هو إحنا هنقولك بابا؟»
كل الرجالة اللي حوالينا بصوا في أي اتجاه تاني، كأن السؤال فجأة بقى أخطر من أي حاجة حصلت طول اليوم.
فهد نزل على ركبته قدام ياسين، وبص له في عينه وقال:
«لأ. قولي يا فهد عادي».
ياسين فكر شوية، وبعدين سأله:
«عندك حمام سباحة؟»
فهد ابتسم لأول مرة.
«اتنين».
ياسين عقد حواجبه وقال بجدية شديدة:
«اتنين كتير… واحد كفاية».
فهد ضحك.
ضحكة حقيقية، خلت ملامحه تتغير للحظة.
ولأول مرة، شفت الراجل اللي مستخبي تحت الشخصية القوية والبرود اللي في عينيه.
كان وحيد.
يمكن أكتر من أي حد قابلته في حياتي.
فتح باب العربية وقال: «مش لازم تديلي إجابة الليلة».
بصيت له.
سألته: «ولو قلت لأ بكرة؟»
رد فورًا: «تمشي».
«من غير مشاكل؟»
«من غير أي مشاكل».
فضلت أدور في عينيه على الفخ.
لكن فهد مد إيده وفتح كل أبواب العربية، وقال بهدوء:
«لو أنا محتاج أحبس ست عشان أخليها تفضل معايا، أبقى معنديش حق أطلب منها تكون مراتي».
الكلمة دي كانت أول لحظة فعلًا أفكر فيها إني أوافق.
ركبت العربية وأنا مش عارفة أنا داخلة على نجاة… ولا داخلة على مصيبة أكبر من كل اللي هربت منه.
لكن اللي مكنتش أعرفه وقتها إن فهد المنشاوي كان واحد من أخطر رجال الأعمال في القاهرة، وإن نفوذه ممتد من القاهرة لحد الساحل الشمالي، وإن فيه ناس مستعدة تعمل أي حاجة عشان تاخد جزء من إمبراطوريته.
ومكنتش أعرف كمان إن أعداءه كانوا بالفعل بيراقبوه.
لكن المفاجأة الحقيقية كانت تاني يوم الصبح.
لما دخلت معاه الفيلا الكبيرة، وقابلت والدته المريضة.
كانت قاعدة على السرير، جسمها ضعيف، ووشها شاحب من العلاج، لكن عينيها كانت لسه قوية.
أول ما شافتني، فضلت تبصلي ثواني طويلة.
وبعدين بصت لفهد.
ورجعت بصتلي.
وفجأة ابتسمت ابتسامة صغيرة، وقالت بصوت ضعيف خلّى كل اللي في الأوضة يسكت:
«أخيرًا… دي الست اللي ابني كان مستنيها طول السنين دي؟»
#انجي_الخطيب
الكلمة نزلت عليا زي المية الساقعة، اتسمرت مكاني مش فاهمة حاجة، وبصيت لفهد بذهول. هو نفسه ملامحه اتغيرت وتوترت للحظة، وكأنه متوقعش إن أمه تقول جملة زي دي خالص.
رجالة فهد وقفوا برة الأوضة، والهدوء ساد المكان تماماً، مفيش غير صوت أجهزة القياس الطبية اللي جنين سرير الحاجة فاطمة.
قرب فهد من سريرها، وباس إيدها بنعومة غريبة مش راكبة خالص مع قسوته اللي شفتها إمبارح، وقال بصوت واطي:
«يا أمي.. دي مريم، اللي حكيتلك عنها.»
الحاجة فاطمة هزت رأسها بالراحة، ومطت إيدها الضعيفة ناحيتي وهي بتقول:
«تعالي يا مريم.. قربي يا بنتي متخافيش.»
بلعت ريقي وبصيت لياسين ونور اللي كانوا ماسكين في طرف جيبتي ومبهورين بحجم الأوضة والسجاد اللي بيغطس فيه الرجلين. قربت منها بخطوات خايفة، وأول ما حطيت إيدي في إيدها، حسيت بدفا غريب، رغم مرضها كان في عينيها حنية أم محرومة.
بصت للأطفال وابتسمت، ووشها نور:
«ولاد مين دول يا فهد؟»
فهد اتنحنح، وبصلي بثبات قبل ما يرد:
«دول أولاد مريم.. ياسين ونور. هيعيشوا معانا هنا.»
الحاجة فاطمة ضغطت على إيدي بالراحة وقالت بصوت مجهد بس كله رضا:
«ربنا يبعت الخير كله مع الجايين.. فهد بقاله سنين عايش في ضلمة يا مريم، وشك شكل الخير اللي دخل بيتنا. خدي بالك منه.. هو يبان قاس ي بس قلبه أبيض، ومبيعرفش يعبر عن اللي جواه.»
كنت حاسة إن لساني مربوط، مش عارفة أقول إيه! أقولها إن الجوازة دي صفق ه؟ إن ابنك مجرم ومأجرني سنة علشان يرضيكي ويحمي شركاته؟ ولا أسكت وأمثل الدور اللي اتفرّض عليا عشان أحمي أولادي؟
رديت بصوت مرتعش:
«حاضر يا حاجّة.. إن شاء الله ربنا يشفيكي وتكوني وسطنا بخير.»
في اللحظة دي، دخل واحد من الدكاترة المتابعين لحالتها، وطلب إنها ترتاح. فهد شاورلي نخرج، وخرجنا للطرقة الطويلة المتبطة بالسجاد الأحمر.
أول ما الباب اتقفل، بصيت له وقلت بتوتر:
«هي ليه قالت كدة؟ هي فاكرة إني…»
قطّع كلامي ببرود وهدوء:
«أمي شايفاني بقالي سنين رافض الجواز ومش مهتم بحد. بالنسبة لها، أي ست يدخلها بيتي ويقول دي مراتي، تبقى هي اللي مستنيها. المهم عندي إنها ارتاحت.. وده اللي يهمني.»
ياسين بص لفهد وسأله بنفاذ صبر:
«هو فين حمام السباحة بقة؟ إنت وعدتني إمبارح!»
فهد بصل ياسين، وفي زاوية شفته ظهرت ابتسامة خفيفة، وشاور لواحد من حراسه:
«عماد.. خد ياسين ونور وريهم الجنينة وحمام السباحة، وخلي المطبخ يعملهم كل الأكل اللي يطلبوه.»
نور مسكت إيد الحارس بفرحة وطلعت تجري، وياسين مشي وراها بكبرياء طفل يحاول يبان كبير. لما بقينا لوحدنا في الطرقة، فهد بصلي وقال بصوت جد جداً:
«عقد الجواز هينكتب الليلة.. المأذون جاي الساعة تمانية. فيه ورق كتير محتاج يتوقع، شروطك، وحساب في البنك باسمك هيتحول فيه المبلغ اللي اتفقنا عليه من النهاردة.»
قلت بحذر:
«أنا مش عايزة الفلوس دلوقتي يا فهد بيه.. أنا بس محتاجة أضمن إن ولادي هيدخلوا مدارس كويسة، وإننا هنفضل في أمان هنا.»
قرب مني خطوة، وهيبته كانت تخوف، وقال بصوت واطي لكنه زي الرصاص:
«الأمان هنا نسبي يا مريم. البيت ده أمنح من أي حتة تانية من برة، لكن طول ما إنتي شايلة اسمي.. اسم فهد المنشاوي.. تبقي دخلتي منطقة خطر. أعدائي مش هيسيبوكي في حالك لو عرفوا إنك نقطة ضعفي.. أو مراتي.»
حسيت بقشعريرة في جسمي كله، وقلت:
«يعني إيه؟ إنت بتقول كدة ليه دلوقتي؟»
قبل ما يرد، تلفونه رن. طّلع التلفون وبص في الشاشة، وملامحه اتقاطعت وبقت حادة زي السكينة. رد وهو بيتحرك ناحية الشباك الكبير المطل على البوابة الخارجية:
«إيه الأخبار يا سليم؟»
سمعت صوت برجل وشوشة جاي من التلفون، لكن كلمة واحدة خرجت من التلفون وسمعتها بوضوح:
«يا باشا.. العربيات اللي كانت بتراقبك على الصحراوي إمبارح.. عرفنا تبع مين. دول رجالة (العميد) حامد.. وعارفين إنك جيبت ست وعيالها معاك الفيلا النهاردة!»
فهد سكت ثانية، وعينيه لمعت بشرار، وقال بصوت أبرد من الثلج:
«خليهم يراقبوا.. اللي يلمس ظفر من ظوافر حد في البيت ده، هيختفي من على وش الأرض قبل ما الشمس تغرب.»
قفل التلفون، ولف بصلي. أنا كنت واقفه بترعش، مش من الخوف على نفسي، لكن من الرعب على ياسين ونور اللي بيلعبوا برة عند المطبخ.
قلت بصوت مكتوم:
«فهد.. إحنا ملناش دعوة بحربك دي.. طيرنا من هنا لو إحنا خطر عليك أو إنت خطر علينا!»
فهد قرب مني، ومسك كتفي بإيده القوية لكن بمنتهى الحرص، وبص في عيني بجمود وقال:
«الخروج د الوقت أسرع طريق للموت يا مريم. طول ما إنتي هنا.. في حمايتي.. مفيش مخلوق يقدر يمسك. بس من اللحظة دي.. ممنوع تخرجي برة سور الفيلا ده من غير ما أكون أنا شخصياً معاكي.. فاهمة؟»
هزيت راسي بسرعة وأنا مش قادرة أتنفس، الرعب كان متملك مني تماماً. كلماته كانت حاسمة ومفيهاش أي مجال للمناقشة.
ساب كتفي ومشي بثبات ناحية السلم، وسابني واقفة في مكان حاسة إن حياتي القديمة البسيطة خلاص انتهت، وإن اللي جاي مش مجرد جواز صوري، دي مغامرة في قلب النار.
نزلت الجنينة جري ورا ولادي، لقيتهم بيلعبوا جنب المياه، ونور ضحكتها مالية المكان لأول مرة من شهور. ياسين كان ماسك عصير في إيده ومبسوط جداً، بس أول ما شاف ووشي اتغير، قرب مني وقال بصوت واطي:
«مالك يا ماما؟ عم فهد زعلِك؟»
نزلت لمستواه ومسكت إيده:
«لأ يا حبيبي، ما زعلنيش.. بس أوعدني يا ياسين، إنت ونور متخرجوش من البوابة دي أبداً، ولا تروحوا في أي مكان من غير ما تقولولي.. فاهم؟»
هز رأسه بجدية، وكأنه حس بإن فيه حاجة كبيرة بتحصل، رغم صغر سنه.
النهار عدى بسرعة مرعبة، والمسا جه ومعه المأذون. الأجواء في الفيلا كانت غريبة، هدوء حذر، حراس منتشرين في كل حتة بكثافة غير طبيعية، وكأنهم مستنيين هجوم في أي لحظة.
قعدت في الصالون الكبير، لابسة فستان بسيط جداً كان في الدولاب اللي في الأوضة اللي خصصهالي. دخل فهد ببدلة سودا أنيقة، ملامحه كانت حادة وصارمة، ومبيظهرش عليها أي مشاعر.
المأذون بدأ يكتب الكتاب، وأنا إيدي كانت بترتعش وأنا بوقع على الورق. لما المأذون قال جملته الشهيرة «بارك الله لكما وبارك عليكما»، بصيت لفهد، لقيته بيبصلي بتركيز غريب.
المأذون مشي، والهدوء رجع للمكان. فهد قرب مني، وطلع من جيبه علبة مخملية صغيرة، فتحها وطلع منها خاتم ألماسي بسيط بس راقي جداً. مسك إيدي الشمال ونبرة إيده كانت ثابته، وحط الخاتم في صباعي.
«الخاتم ده يفضل في إيدك على طول.. قدام العيلة، وقدام الحراس، وقدام أي حد. إنتي بقيتي مدام فهد المنشاوي رسمي.»
بلعت ريقي وقلت:
«والخطوة الجاية إيه؟»
رد وهو بيبص ناحية الشباك الكبير اللي كاشف المدخل:
«الخطوة الجاية إننا هنتحرك بكرة الصبح الساحل الشمالي. العيلة كلها هناك، وأعدائي مستنيين يشوفوا مين الست اللي اختارها فهد المنشاوي فجأة.. وهناك اللعبة الحقيقية هتبدأ.»