سر خالي مشيرة محمد
سر خالي مشيرة محمد
محمود حاول يهرب من الشباك المكسر اللي ورا المكتب، بس العساكر كانوا أسرع منه. ثبتوه على الأرض وكلبشوا إيديه ورا ضهره. وهو خارج، بص لأمي وقالها بغل: “مش هتدوقي يوم حلو يا نادية.. المصنع ضاع والبيت ضاع وهتصفوا على الحديدة.”
أمي مبصتلوش حتى. جريت عليا وحضنتني وهي بترتعش: “أنت كويس يا طارق؟ جرالك حاجة يا ابني؟”
بصيت لها وقلت والدموع في عيني: “أنا كويس يا أمي.. بس…”
بصيت لخالي رامي اللي كان بيقوم بالراحة وهو بيسند على المكتب، والدم نازل من جبهته. أمي سابتني وراحت له، وطت على إيده تبوسها وهي بتعيط بحرقة: “سامحني يا رامي.. حمايتي لابنك جلدتني بالصمت طول السنين دي.. سامحني يا خويا.. سامحني يا جوزي.”
الكلمة نزلت عليا زي البلسم.. جوزي.
خالي.. قصدي أبويا رامي، طبطب على راسها بحنان وقال بصوت مليان شجن: “مسامحك يا نادية.. أنا دخلت السجن وأنا مطمن إنك معاه وهتحميه. المهم إن طارق عايش وبقى راجل.”
أبويا رامي بصلي، وفتح دراعاته الاتنين. أنا مكنتش قادر أتحرك في الأول، الخطوات كانت تقيلة، الكذب اللي عشته 15 سنة كان عامل زي جبل فوق كتافي. بس لما شفت عينيه، نفس العينين الطيبين اللي كانوا بيبصوا لي في العشة الصفيح فوق السطوح ويقولوا لي “هتعرف الحقيقة”، الجبل ده اتهد في ثانية.
جريت عليه وارتميت في حضنه. حضنته بكل قوتي، كأني بعوض كل السنين اللي فاتت اللي كنت ببص له فيها على إنه مجرد “خال حرامي وصايع”. شميت فيه ريحة جدي، وريحة الحق اللي غاب ورجع.
بعد مرور سنة
المكان مكنش شبرا، ومكنش المصنع المهجور في القليوبية. احنا كنا واقفين في ورشة جديدة كبييرة، يافطتها بتلمع تحت نور الشمس مكتوب عليها: “مسبوكات الهواري – إدارة رامي وطارق الهواري”.
بفضل المحامي القديم والورق اللي كان في الملف الأصفر، المحكمة رجعت لأمي حقها في أرض المصنع القديم بعد ما ثبت إن عقود البيع لمحمود كانت مزورة وتجت الإكراه. بعنا الأرض القديمة وبقمنتا سددنا ديون البنك كلها، واشترينا الورشة الجديدة دي. محمود أخد حكم مؤبد بتهمة القتل العمد مع سبق الإصرار والتزوير وابتزاز عائلة.
أنا رجعت مدرستي تاني، وبقيت بوفق بين دراستي وبين نزولي الورشة مع أبويا رامي عشان أتعلم منه الصنعة وأكبر اسم جدي.