سر خالي مشيرة محمد

سر خالي مشيرة محمد

 

​خالي خرج من السجن، والعيلة كلها قفلت الباب في وشّه.. إلا أمي، حِضنته كأن في حد تاني هو اللي غلطان. بعد سنين، لما كنا خلاص هنخسر البيت، كل اللي قاله: “يلا بينا، هوريكي هما سجنوني ليه”.

​خالي رامي خرج من باب سجن طره وهو شايل كيس زبالة أسود، ولابس جزمة مقطعة، وعلى وشه نظرة بني آدم مش مستني أي حاجة من أي حد.

​جدتي رفضت تقابله.

ولاد خالاتي قفلوا بيبانهم في وشّه.

أبويا قالها ع البلاطة:

​”أنا مش عايز الحرامي ده يقرب من عيلتي واصل.”

​بس أمي جريت عليه في وسط الشارع.. حِضنته وهي بتعيط زي الطفلة الصغيرة وتقولّه: “سامحني يا خويا”.

أنا كان عندي 15 سنة، وما كنتش فاهم هي بتعتذر ليه لراجل دخل السجن عشان سرق مخزن فلوس كبير!

​ده اللي الكل كان بيقوله..

إن خالي حرامي.

إن بسببه اسم العيلة اتمسح بيه الأرض.

إنه كان هيموت حارس المخزن.

وإن ما حدش لازم يكلمه.

​بس أمي عمرها ما صدقت الكلام ده. كانت بتأكله في السر، وتغسل له هدومه، وسيباه ينام في العشة الصفيح اللي فوق السطوح.

أبويا كان بيطير عقلة من الغضب ويقول: “الندل ده هيودينا في داهية في يوم من الأيام”.

وخالي كان بيكتفي إنه ينزل راسه في الأرض. عمره ما دافع عن نفسه، وعمره ما شرح حاجة. كان بس يبصلي ويقولي:

​”هتعرف الحقيقة يا طارق.. بس مش دلوقتي.”

​عدت تلات سنين، وكل حاجة باظت واتقلبت طين.

أبويا خسر الورشة.. بعدين العربية.. وبعدها بدأت جوابات البنك توجد. كانوا هيحجزوا على بيتنا اللي في شبرا.

أمي باعت دبلتها، وأنا سبت المدرسة عشان أنزل أشتغل شيال كراتين في سوق الجملة.

​في ليلة، دخلت المطبخ لقيت أمي بتعيط وهي بتعد الفكة عشان تشتري خضار. أبويا كان قاعد في الصالة سكران ومش دريان بالدنيا. وفجأة، خالي رامي اللي كان قاعد في الضلمة قال:

“جه الوقت.”

​أمي رفعت راسها وقالت: “بلاش يا رامي.. لأ”.

رد عليها: “لأ.. هما خلاص خدوا منك أكتر من اللازم”.

أبويا وقف وهو بيطوح وقال: “هتسرق إيه تاني المرة دي يا حرامي؟”

​خالي ما بصلوش أصلاً، وبصلي أنا وقال:

“تعال معايا يا طارق.. عايز أوريك حاجة.”

“على فين يا خال؟”

“للمكان اللي بدأت فيه الكذبة كلها.”

​أمي مسكت دراعي وقالتلي: “ما تروحش”.. بس عينيها كانت بتقول حاجة تانية خالص.. كانت بتقول: روح.

​خرجنا من غير حتى ما نلبس جواكت. خالي كان بيمشي بسرعة كأنه حافظ كل شبر وضلمة في المنطقة. ركبنا أتوبيسين، وبعدين تاكسي متبهدل نزلنا بيه قدام مصنع مهجور في أطراف القليوبية.

1 2 3 4 5 6الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *