لمن القرار 12
لمن القرار 12
الفصل السادس والخمسون(1)
********
لا ترغب في طفلاً منه، اتريد حرمانه بما تاق إليه شوقًا بعدما ترك لقلبه الشعور بما لم يُفكر به يوماً
“عائلة” كلمة كانت بعيدة عن حياته لم يرغبها حتى بين وبين نفسه ، الوحدة وحدها من كان يراها خير رفيق له
لم يترك مشاعره تقوده نحو مشاعر يراها واهية، هو ليس الأبن الجيد ولا والده كان يستحق هذا اللقب حتى والدته المرأة الوحيدة التي أحبها لم تكن إلا أمً ضعيفة خاضعة، ترضى الذل والهوان
ضعفها حوله لشخص كاره وحاقد، شخص اقسم أن ينال ما حُرم منه
والمشاهد التي تركت أحلامه ويقظته عادت تطرق أبواب حصونه، هو كاظم النعماني ولكن داخله مازال الولد الذي يذهب بحذائه الممزق البالي لمدرسته، والأب ينعم مع أولاده الأخرين وزوجته الأولى بحياة الرفاهية، أما هو و والدته يعيشون تحت الأقدام يأتي إليهم ليرمي لهم مال يراه فضلاً منه عليهم
– أبني من حقه يعيش زي ولاد منال
يدفعها جودة صارخاً مقتربً منه يلتقطه من قميصه، يُطالعه بنظرات غاضبة
– مش ابني، احمدي ربنا إني اديته اسمي وسايبكم عايشين في خيري
تندفع صوبه تنحني نحو قدميه تقبلهما، ترجوه أن لا يُصدق ما قيل عنها ظلمًا
– متصدقهاش يا جودة، هي عملت كده عشان تبعدك عني وتكره ابنك
– قولتلك مش ابني
يدفعها من أمامه مجدداً ويعود لجذبه نحوه، والصوره كانت طبق الأصل منه..
كاظم النسخة المصغرة من جودة النعماني
الحقيقة يكشفها الزمن، وتتبرأ والدته من الجُرم ولكن بعد فوات الآوان، بعد انا عاشت وعاش يظن نفسه نبته نبتت من حرام
مالها أخذه، جمالها ضاع مع الحزن حتى كرامتها أخذها جودة النعماني و زوجته وهي من ارتضت أن تظل تستجدي العفو منه، أن لا يراها خائنة في حكاية أراد جودة النعماني تصديقها
سقطت بتلات الورد أسفل قدميه، ولم تعد باقة الأزهار كما كانت
ازدادت قبضته فوقها كما أشتدت قبضة الذكريات فوق صدره يستمع لعباراتها في جمود بأعين مظلمه، والعبارات تخترق أذنيه
– كاظم مش لازم يعرف ، لو عرف هيحرمني منه يا فتون، قالها أول يوم لمسني ، قالي يوم ما تفكري تجبريني على طفل منك هحرمك منه، لكن أنا كنت غبيه يا فتون معملتش حسابي لليوم ده
تتعالا شهقاتها، فيصله صوت أنفاسها الهاردة تلوم حالها على تهاونها في تناول الحبوب
– كاظم هيكره ابني، زي ما كرهني ، ليه اختارله يعيش حياة مش سويه ليه أتحرم منه، كاظم مش هيسيبوا ليا يا فتون
لم تعد العبارات وحدها من تخترق أذنيه
” أنت ابن جودة النعماني، ابني من صلبي يا كاظم ”
تراجع للخلف وقد أظلمت عيناه، ف الظلام عاد ليُحيط قلبه الذي عاش على القسوة والكره
دلف غرفته يسير حول حاله بلا هوادة، يرفع كفيه نحو أذنيه لعله يتمكن من إخماد صوت الذكريات
ولكن مهلًا أحدى يديه ليست فارغه، باقة الأزهار ما زالت في قبضته وقد تمزقت بتلاتها الزاهية
تسارعت أنفاسه يرى صور منفردة من الذكريات السيئة، كل شئ اليوم كان متحالف ضده كما كانت الحياة قديمًا وظن حاله انتصر عليها
نصف ساعة قضاها جالس أرضًا متكأ بظهره على حافة الفراش، عيناه جامدة نحو كفيه يُصارع ما عاش يستوطنه منذ زمن
” هيكره أبني زي ما كرهني”
هل سيكره طفله، كما كرهه يوماً والده وطعن في دمائه؟
…..
وضع صغيرته فوق الفراش لا يكاد يصدق حتى هذه اللحظة مع عاشه هذا اليوم
طاقته كانت قد نفذت وهو يهرول باحثًا عنها كالمجنون على شاطئ البحر وفي كل مكان داخل وخارج المنتجع
ضمها إليه بقوة لا يُريد أن يتخيل لحظة واحده يعيشها من عمره دونها
هحاول قدر استطاعته أن يطرد صورتها عندما وجدها، كانت منزوية خلف احد الصخور والأمواج تتلاطم بشدة قربها، تتساقط دموعها بسخاء تهتف اسمه وقد شحبت ملامحها من شدة الخوف
جسدها كان يرتجف، تُخبئ عينيها بكفيها هاربة من سكون المكان حولها، فهذا شهر كان الوافدين فيه قليلون للمنتجعات السياحية
ابعدها عن اخصانه ينظر إليها ليؤكد لحاله إنها أمامه، لم يفقدها
– أنت لسا زعلان مني يا بابي، أنا مش هعمل كده تاني
هتفت بها الصغيرة بعدما رفعت كفيها الصغيرين نحو خديه تمسح فوقهما
– أنا مشيت وراها عشان كنت فكراها مامي، أصلها كانت شبه مامي اوي، أنا كنت خايفة أوي يا بابي
اهتز جسده وهو يسمعها، صغيرته تصف له ما عاشته ببرائه، تخبره إنها اتبعت إحدى السيدات لأنها رأت فيها والدتها
عاد لضمها بقوة، يلوم حاله لأنه السبب في كل ما تعيشه صغيرته، إنه السبب في حرمانها من والدتها، إنه السبب منذ البداية
– أوعي يا خديجة تعمليها تاني، اوعي تخلي بابي يعيش الشعور ده تاني
نثر قبلاته فوق خديها يُخبرها إنها اغلى ما يملكه ، والصغيرة كانت سعيدة بما تحظى به من حب ودفئ بين ذراعي والدها
دموعه رغماً عنه عادت تغزو مقلتيه وهو يشعر بكفيها الصغيرين متشبثين به
– بابي ممكن نكلم مامي
تمتمت بها الصغيرة بعدما ابتعدت عن احضانه، تترقب جوابه وسرعان ما ابتسمت
– حاضر يا حببتي، بس نطلب اكل ليكي الأول عشان أنتِ جعانه وبابي يروح ياخد شاور عشان يقدر ياخد اميرته في حضنه من غير ما تقوله ريحتك وحشه يا بابي
قهقهت الصغيرة عالياً وقد راقها حديثه من مزاح عن رائحته، ترفع كفها نحو أنفها تكتم حاسة الشم متذمرة من رائحته تُمازحه بمشاغبة
– يعني ريحتي دلوقتي بقت وحشه ومن شويه كنتي متعلقه في حضني يا خديجة
والصغيرة تضحك بمشاغبة، ناسية كل ما مرت به ما دام عادت لأحضان والدها
– ريحتك وحشة يا بابي
تعالت ضحكاتهم معاً.. يُدغدها مُعاقبًا لها وهي تضحك بقوة سعيدة لما تحصل عليه من دلال
…….
تهاوت بجسدها فوق الفراش بعدما انهت مكالمتها مع فتون، لأول تشعر إنها عاجزة عن التفكير لا تعرف اتسمع لصوت عقلها ومخاوفها أم تقتنع بحديث فتون معها
” اوعي تفرطي بالطفل يا جنات، مش يمكن ديه الحاجة اللي ربنا أراد إنك تخرجي بيها من جوازك من كاظم، كاظم مش هيقدر ياخده منك لأنه مجرد كلام بيقوله ما هو قالك كلامك كتير وبقى يعمل عكسه ، ولو قدر ياخده منك أنتِ مش لوحدك يا جنات إحنا معاكِ وسليم هيقف جانبك متخافيش ”
” سليم ” اسم هذا الرجل أصبح مصدر أمان صديقتها وأمانها، بعدما كانت تراه ليس إلا رجلًا ثريًا عندما يُريد شئ يأخذه بقوة، فتون كانت محظوظة أن يقودها قدرها عائدًا بها لهذا الرجل
ارخت اهدابها مسترخيه، تُحاول التفكير في أمر الطفل تخشى من توقعها لردة فعل كاظم بعدما يرى حاله مجبر على تحمل طفل فرضته عليه
زفرت أنفاسها في ضياع، فالقلب يُعطيها أملاً والعقل يُصارعها فقد نالت الكثير من شخصية هذا الرجل، الرجل الذي اختارته بنفسها ودخلت دائرته برغبتها راغبة به، راغبة أن تكون زوجته
– أنا تعبت من التفكير، مش عارفه أعمل إيه
القلب بدء يمنحها الجواب كعادته بساذجته، إستمرار كاظم في هذا الزواج، تقاربه منها وقد كف عن إذلالها، إظاهر زواجهم دون خجل ومجيئها معه لهنا
اخرجتها الطرقات من شرودها، فتجمدت عيناها نحو اختبار الحمل الذي مازال تقبض عليه داخل كفها بقوة
حاولت نفض عقلها من تشوشه، ونهضت من فوق الفراش تُحاول أن تستوعب إنه يطرق فوق باب غرفتها ويُخبرها أن تتعجل في أمر تجهيزها ليُغادروا
– ياريت تجهزي لحد ما اجهز يا جنات
صوته خرج في ثبات بعدما خشى أن يخونه، ابتعد عن غرفتها بعد أن سمع صوتها الذي صاحبه حشرجة وتعلثم
– نص ساعة واكون جاهزة
خرج جوابها في طاعة، فابتسم متهكمًا فهي ليست بمزاج يسمح لها بمجادلته وهي تُفكر في التخلص من طفله
دلف غرفته مجدداً حانق بشدة من حاله، فبعدما كان مُقرراً مواجهتها تراجع عن القرار بل ويُخبرها أن تتجهز لترافقه
…..
التقط هاتفه ينظر للمكالمات والرسائل العديدة التي بعثتها إليه قلقًا
اغمض عينيه للحظات يقبض فوق هاتفه، فلا طاقة له ليُحادث أحد هو لا يُريد إلا أخذ حمام دافئ ثم الاسترخاء فوق فراشه واخذ صغيرته بين احضانه
– بابي أنت مش هتاكل معايا
انتبه على نداء صغيرته، فالتف إليها بعدما زفر أنفاسه
مال منها يلثم خدها بقبلة قوية، فابتسمت الصغيرة تنظر إليه بنظراتها الناعسة
– لا ياحببتي كلي أنتِ، عايز لما اخرج من الحمام الاقيكي خلصتي أكلك وشربتي اللبن بتاعك عشان نكلم مامي، تمام
والصغيرة تومئ برأسها إليه، تنفذ ما أراده حتى تنال مكافأتها
دلف المرحاض مستنداً برأسه فوق الجدار، إنه يظلم أبنته يجعلها تعيش طفوله لا تستحقها، يضعها في اختيار صعب لا هو يتحمل بعدها عنه بالكامل ولا هي ستتحمل بعدها عنه وعن أحضان والدتها بعدما نعمت بدفئها
اطبق فوق جفنيه بقوة، لما الحيرة طرقت أبوابه، لما اليوم اخترقت صدى الكلمات رأسه وهو يستمع لحديث زوجة شريكه الجديد السيد فايق عن ضحية الكثير من الأطفال بسبب طلاق والديهم
المرأة كانت ضد فكرة طلاق الأزواج حيث تراه غلطه يجنيها الأولاد، ورغم تحذير زوجها إليها بأن تصمت، فليس هذا التوقيت الذي تتحدث فيه عن ضيقها.
……
وقفت أمام المرآة تنظر لهيئتها في الثوب الذي اشتراه لها وبعثه مع عامل التوصيل ظهراً
ارتسمت فوق شفتيها ابتسامة مريرة، إنها تعيش ما تمنت تعيشه معه ولكن كل شئ أتى متأخراً
اكملت وضع زينتها القليلة، وارتدت العقد الثمين الذي اهداه لها بعدما باتت متباعدة عنه، وكأنه يُخبرها بهداياه يستطيع السيطرة عليها ثانية، يظن بمجرد هدايا ستعود مفتونة به وستنسى كرهها لذاتها معه
توقفت يداها فوق القلادة في اللحظة التي دلف فيها غرفتها دون أن يطرق الباب هذه المرة
عيناه علقت بها كما علقت عيناها بالمرآة ترى إنعكاس صورتها.
لقد احسن في اختيار الثوب وقد ظن إنه لن يتمكن من إختيار ما يُلائمها
دلوفه للغرفتها بتلك الطريقه ارجف قلبها، جعلها تتخيل أن أمرها قد فضح
خرج صوته متحشرجًا وهو يسأل بعدما سار نحوها بضعة خطوات
– جهزتي
شعرت بالبرودة تسري باوصالها
– ثواني وأكون جاهزة
أسرعت بتوتر في إلتقاط مرطب الشفاه تضعه فوق شفتيها ، أجفلها قربه وسرعان ما كانت تُحدق هذه المرة في صورتهم المنعكسة
يديه طاوقت خصرها واجتذبها نحو صدره يدفن رأسه في تجويف عنقها وقد خرجت أنفاسه الساخنة تلسع بشرة خدها
– متوترة ليه؟
ازدردت لعابها من قربه وخاصة يديه التي ارتفعت قليلا نحو معدتها
– أنا مش متوتره
– وشك بهتان، تحبي نروح للدكتور
شحبت ملامحها بالفعل من سماع عبارته، ارتجف جسدها تنظر لملامحها عبر المرآة
– أنا مش تعبانه
ارادت أن تبتعد عنه، تُخلص حالها من أسر ذراعيه لتتمكن من ضبط أنفاسها
– مكنتش متخيل إن ذوقي حلو كده، ولا يمكن زي ما بيقولوا الشخص هو اللي بيحلي الشئ
ضاقت عيناها في صدمه، تلتف برأسها صوبه فماذا يقصد بحديثه
هل أختار لها الثوب؟
كاظم! إنه شئ لا تستطيع تخيله
– أنت اللي أختارته
أبتعد عنها دون أن يمنحها الإعتراف الذي ارادت سماعه ثانية
– بيتهيألي إننا أتأخرنا
إستدار بجسده مغادراً ، فتوقفت ساكنه مكانها للحظات تستوعب ما أخبرها, تمنح حالها زفر أنفاسها براحه
أسرعت خلفه بعدما ألتقطت حقيبتها من فوق الفراش، ولكن الصدمة الجمتها
كاظم يتوقف مكانه يدعوها بدعوة صريحة أن تتعلق بذراعه
أصابها الذهول وتوقفت عن السير تنظر إلى ما يفعله
…….
طالعت فتون الهاتف وقد بات القلق يحتلها، سليم لا يُجيب عليها فما الذي حدث معه
– اكلم مين اسأله
طالت نظراتها نحو الهاتف، تحدق برقمه تُعيد الرنين مجدداً
انتبهت الصغيرة على إضاءة الهاتف، بعدما مالت بجسدها لتلتقط جهاز التحكم الخاص بالتلفاز وقد تركه سليم جوار هاتفه بعد أن وضعه على وضيعة الصامت
علقت عيناها بالصورة التي ترافق رقم والدتها، فاسرعت بالتقاط الهاتف تنظر نحو باب المرحاض
ضغطت على زر الإجابة، صوت الماء مازال يتدافق وعلى ما يبدو أن والدها سيطيل مكوثه داخله كما طرء لعقلها الصغير
– مامي
اتسعت ابتسامة شهيرة في لهفة وهي تستمع لصوت صغيرتها
– ديدا حببتي، عندي مفاجأة حلوه أوي ليكي
أعطاها الموظف مفتاح الغرفة مرحبًا بها، وسرعان ما كانت تتلاشى ابتسامتها وهي تستمع لما تقصه عليها صغيرتها من أحداث اليوم وكيف ضاعت من والدها ووجدها
– عيطت كتير أوي يا مامي وفضلت أنادي عليكي
دلفت شهيرة المصعد يتبعها العامل بحقيبتها، تركت صغيرتها تتحدث وهي لم تكن ترى أمامها إلا أنها كان من الممكن تفقد صغيرتها
صغيرتها التي اهدتها لها الحياة، لن تنجب ثانية ففرصتها في الإنجاب أصبحت ضئيلة بل منعدمة بسبب تقدم عمرها، هي لا يظهر عليها العمر ولكنها اقتربت من منتصف الأربعين
– خديجة حببتي فين بابي
والصغيرة تُخبرها أين هو والدها
– على فكرة يا حببتي أنا هنا في الفندق اللي نزلين فيه، هي ديه المفاجأة اللي كنت عملاها ليكي
لم تصدق الصغيرة ما تسمعه وقد عادت اللهفة إليها وهي تتسأل
– يعني أنتِ هنا يا مامي، أنا عايزه أجيلك
– كل حاجة هتتصلح يا حببتي وهتكوني في حضني
……
زفرت أنفاسها براحة، وأخذ القلق يتلاشى من فوق ملامحها وهي ترى الخط قد فتحت واجابها أخيراً
– سليم
هتفتها بلهفة تنتظر سماع صوته، بدأت الأصوات تضح إليها
وعلى ما يبدو أن المكالمة فتحت دون قصد
– مامي هتنامي معانا مش كده
الصغيرة لم تنتبه على الهاتف الذي في قبضتها، ابتعدت عن أحضان والدتها
– خديجة
خرج صوت سليم قلقًا بعدما وجدها ليست بالغرفة ، علقت عيناه بشهيرة الواقفة مصدوماً من وجودها هنا، فمنذ متى وكيف أتت
– شهيرة