لمن القرار 12

لمن القرار 12

الفصل السادس والخمسون (2)
*******

كل شئ كان غريب عليها، أو ربما من شدة توترها ومخاوفها باتت ترى الأمور هكذا.
الصمت أحاطهم، وكل منهم ترك لعقله الراحة من التفكير

اتخذ الصمت حتى يرى ما ستفعله،
هل ستتخلى عن طفلهم وهو الذي عهدها أمرأه قوية تُحارب من أجل ما لها ؟
أما هي كانت تتخذ قرارها، لن تُخبره إلا عندما يعودوا للوطن

رمقها خلسة بنظرة خاطفة ثم عاد يُركز أنظاره نحو الطريق، يتسأل داخله كيف ولما اختار طريق الصبر معها، كيف صمت عما سمعه منها ورغبتها في التخلص من طفله

وصوت واحد كان يُخبره بالحقيقة المخزية
” أنت حبيتها يا كاظم”

توقفت السيارة أمام المطعم، فطالعت واجهة المكان قبل أن تترجل من السيارة

تقدمته في خطواتها ولكنه أبى أن يجعلها هذه الليلة ألا تكون حائرة من تصرفاته
أسرع نحوها يلتقط ذراعها، فالتفت صوبه تنظر إليه ثم لقبضة يده اللينة فوق ذراعها

ابتسم ساخراً يرفع زوايتي شفتيه محدقًا بها مستمتعاً بنظراتها الذاهلة

– عشان الوضع الإجتماعي، مش من الذوق يدخل كل واحد لواحده ده حتى تبقى عيبه في حقي وأطلع راجل قليل الذوق

– قليل الذوق! مش شايف إنك غريب اوي النهاردة

هتفتها مستنكره، فعن أي وضع إجتماعي يتحدث وهم سينفصلوا قريبًا

– مش يمكن لأن مزاجي حلو ومبسوط

شحبت ملامحها تزدرد لعابها وقد دب الخوف قلبها

– شايف إنك النهاردة وشك مصفر وباهت

القاها بتلاعب يرفع كفه نحو خدها يتحسسه ببطئ ، ارتعشت شفتيها من أثر لمسته

– لا حقيقي فيكِ حاجة غريبة يا جنات، بدأت أقلق عليكي

حاولت ألتقاط أنفاسها وطرد وساوسها، هي ليست اليوم بمزاج يسمح لها بأن تكون نداً له

– ممكن تبعد عني، قولتلك أنا كويسه ومافيش حاجة

– لا يا حببتي أتعودت خلاص على اعتراضك بسبب و دون سبب ، شوفتي أنا زوج رائع إزاي وبقلق على مراتي

– زوج ومراتي، بيتهيألي أنت اللي محتاج تروح لدكتور يا كاظم باشا

وكاظم اليوم كان بمزاج يسمح له بالتلاعب والتغافل عما يُريد التغافل عنه.
ربكتها تُزيده يقينًا أن حديثها الذي تحدثت به عن عدم رغبتها بالطفل ما هو إلا من صدمتها وخوفها من ردة فعله وهو ما يشفع لها حتى الأن معه

……..

تخشبت في وقفتها للحظات قبل أن تهوى بجسدها فوق الفراش جامدة الملامح تقبض فوق الهاتف بقوة

اخذت اهدابها ترتعش بعدما بدأت تستوعب على أي أرضً هي.
سقطت دموعها قهراً، فهو لم يجيب عليها وعلى رسائلها والسبب بات واضحًا لها

– معقول يا سليم تكون فعلاً زي ما قالولي إن الشاطر حسن موجود في الحكايات وبس وإني مجرد نزوة في حياتك هتفوق منها

ابتلعت مرارة الخوف الذي باتت تزرعها والدتها داخلها كلما التقت بها، فما الذي يميزها على طليقته ليستمر معها.
هي حتى الأن لم تنجب له طفلاً يقوي علاقتهما كما فعلت طليقته

لا تعلم كم مر من الوقت وهي جالسة على نفس وضيعتها. عصفت بها الأفكار حتى إنها لم تشعر بخدش أظافزها لراحتي كفيها من شدة قبضتها فوقهما

السيناريو أمامها كان يسير كما نسجه عقلها، شهيرة أنسحبت من حياتهم حتى يخدعوها ويستغلوا سذاجتها، وقد اعدوا لرحلة الغردقة بالتأكيد منذ فترة حتى أخذه لابنته خديجة معه الأمر كان غريب عليها، فهو ذاهب لأتمام صفقة كما أخبرها وليست رحلة إستجمام

– ما أنا اللي كل ما يحاول يدمجني في مجتمعه، ابعد اه بقيت زي الهابلة في النهاية وضحكوا عليا، لو كنت قريبة من حياته كنت فهمت إنه مسافرش الغردقة عشان صفقة ده سافر يرجعها ليه وأنا اللي مبقتش أقدر أعيش لحظة من غيره

…….

اهتمامه العجيب جذب أعين الجميع صوبهم وخاصة نظرات شقيقه الذي ابتعد أخيراً عن تلك الفتاة الملتصقة به بغنج

– اللحظة ديه أنتِ لازم توثقيها يا جنات، كاظم النعماني بجلالة قدره بيهتم بصحتك واكلك

والتمعت عينين أمير بخبث يريد التلاعب قليلاً بشقيقه

– أنا حاسس من الأهتمام العجيب إن في طفل جاي في السكة وهكون عم قريب

تناثرت قطرات المياة من فم جنات بعدما سعلت بشدة من حديثه، علقت عينين الجالسين بها ومنهم خديجة التي رفعت عيناها عن طبقها أخيرا بعدما كانت تتابع الحديث الدائر بذهن شارد ومرارة تسحق روحها

تجمدت ملامح كاظم نحوها، وسرعان ما كانت نظراته تتجه نحو شقيقه يرمقه بمقت

– أنا مش متخيل كاظم أب، هيكون عامل زي ظباط الجيش مع عساكرهم في الكتيبة

– لكن السيد كاظم هيكون أب رائع و ولاده هيكونوا محظوظين إنهم عندهم أب مثله

هتفت بها سندي الجالسة برفقة أمير بعدما مالت نحوه تتعلق بذراعه، زوجين من العيون حدقوا بها

جنات التي طالعت نظراتها الفاحصة الوقحة نحو زوجها ، وخديجة التي امتقعت ملامحها من شدة الغيرة

– أستاذ أمير هنبطل هزار ونكمل أكلنا ولا أنت شايف إيه

حك أمير ذقنه متراجعًا للخلف، يُعلن إتخاذه الصمت بعدما بات حديثه سخيفًا

علقت عينين خديجة به مقهورة مما ترى وقد عاد لأندماجه مع رفيقته الجميلة الصغيرة

– شايف طبقك زي ما هو، لو الأكل مش عجبك نطلب غيره

اهتمامه بدء يُريبها، تنظر إليه في توتر تخشى أن يكون علم بشئ، ولكنها لم تخبر بأحد سوى فتون وتخلصت من أختبار الحمل فما الذي يجعله اليوم غريب الأطوار معها

– أنت ليه مشغول بيا، أظن إني أخر حد ممكن تهتم بي

حاول كاظم تلاشي ما يسمعه منها

– لو مكنتش أهتم بيكِ ههتم بمين يا حببتي

التقط أمير عبارة شقيقه، فتعالا تصفيره غير مصدقًا ما يراه ويسمعه اليوم

– لا ده أنتِ الست الوالدة طلعت دعيالك يا جنات، شكل البوص راضي عنك أوي

ومال نحو رفيقته هامسًا لها ببضعة كلمات بعدما علقت عيناه بخديجة التي ضغطت فوق شفتيها بقوة حتى تسيطر على رعشت شفتيها

نهضت خديجة عن مقعدها تخشى أن تخونها دموعها، شعور لم تعلم قسوته يومًا ولكن اكتشفت إنه لا يُحتمل.
استأذنت منهم للذهاب لدورة المياة
فأماء لها كاظم برأسه ولكن أمير ركز أنظاره بقلق عليها، فهو مهما أظهر عدم لامبالاته إلا إنه لا يتحمل رؤية دمعة واحدة تسيل من عينيها, ولكن هي من اختارت أن يبحث عن أخرى لتؤكد له كم هي قوية دونه حتى لو رأته مع مئات النساء

– رايحة فين

ضاقت عينين كاظم في تساؤل وهو يراها تنهض هي الأخرى

– هروح فين يعني أكيد هروح الحمام

طالعها كاظم فاحصًا ملامحها برفق غير مهتم ب ردودها الفظة التي باتت تثير حنقه

– لكن أنتِ مأكلتيش حاجة

تجمدت ملامحها فما الذي يقصده من عبارته،انقذها من نظراته العبثة رنين هاتفه، فاسرعت في مغادرة طاولة الطعام تتجه نحو الجهة التي سارت إليها خديجة تتمتم داخلها في ريبة

– معقول يكون سمع مكالمتي مع فتون، لا لا مش معقول

……..

علقت عيناه بصغيرته بعدما قبلته فوق خده وركضت نحو والدتها، فهي اختارت أن تقضي ليلتها بين أحضان والدتها بعدما خيرتها بينهم، أبنته أصبحت تبتعد عنه تبتعد لدرجة يخشى فيها فقده لها

غادرت شهيرة الغرفة فالحديث بينهم لم ينتهي عن أمر صغيرتهم، لأنها ببساطة أدركت لم يعد متبقي لها إلا أبنتها ونجاحها في عملها وهما ما ستحارب من أجلهم فقط

طالت نظراته المتحجرة نحو باب الغرفة يرفع راحة كفه يفرك جبينه

– أنت كنت عارف ومتأكد يا سليم إن شهيرة لو فاقت من صراعها مع نفسها، هتختار بنتها.. لكن أنا مش هتحمل بعدها

عصفت به الأفكار، أبنته وفتون

فماذا سيحدث لو خيرته شهيرة للمرة الأخيرة بينهم؟

حبه لأبنته قوي لدرجة أصبح يتسأل هل أحبه والديه كما يُحب أبنته وكان هو الأعمى عن حبهم ، أم هو يعوض كل ما أراد أن يعيشه مع صغيرته فأصبح لا يتحمل حتى اختيارها لحضن والدتها عنه.

صورتها الجميلة الناعمة اخترقت صراعه مع أفكاره ، فتون زوجته الصغيره المرأة التي رغم كل ما بها من عيوب كطفله ساذجة تحتاج للنضج إلا إنه مهوس بها.

مجرد أن تتلامس أجسادهم يفقد معها صوبه, يجتاحها بقوة وهي كالدمية الصغيرة بين ذراعيه تتركه يشبع إلى أن يرتوي وكلما سأل حاله ما هذا الجنون لا يجد إلا إجابة واحدة إنه متيم بها،
متيم بنظرتها إليه التي لم يراها في عينين أمرأة من قبل

اطبق فوق جفنيه بقوة لعله يسمح لعقله الراحة قليلاً حتى يُفكر هل لديه قدرة أن تعيش أبنته معها وتأتي إليه مرات بالأسبوع تحددها شهيرة له بعدما افصحت له الليلة أنها لن تُنجب غيرها وهي ما تبقى لها فلا يكون أنانيًا لهذه الدرجة

……..

حاولت خديجة مسح دموعها بعدما تلاقت عيناها بعينين جنات في صورتها المنعكسة بالمرآة

– أنتِ كويسة

تسألت بها جنات وقد اقتربت منها، فجاهدت خديجة في إخراج صوتها بثبات حتى لا تشك بأمرها

– شكراً لأهتمامك

ابتسمت جنات إليها ولم تعلق على شئ، فهي تعلم إنها تكذب عليها كما أصبحت تعلم الكثير من الخبايا بفطنتها الأنثوية

– أنا مبسوطة إن أتعرفت عليكي، وكنت أتمنى تعارفنا يكون أفضل من كده

واردفت مازحة تتذكر دعابات أمير والعرض المسرحي الذي يفعله أمامهم

– أمير بصراحة مش مدينا فرصة نتكلم ولا نتعرف على بعض، لكن حقيقي هو شخصية لطيفه

ارتعشت أهداب خديجة ثم لفظت أنفاسها ببطئ تُحاول السيطرة على مشاعرها حتى لا تكون صفحة مرئية أمام المرأة التي لا تراها إلا شديدة الذكاء

– وكاظم شخصية جميله وبيحترمك ك ست، بصراحة مكنتش اتخيل إن أشوف كاظم في يوم زوج متفهم ورائع

ارادت خديجة أن تغير محور الحديث بعدما شعرت بتلميحها، فهي ليست بالسذاجة ألا تفهم ما تُلمح إليه

– وشخص ك كاظم إنه يعامل ست ب اللطف ده هما حاجتين يا أما بيقدرها ويحترمها جداً أو بيحبها

القتها خديجة وانسحبت مبتسمة بعدما رأت الوجوم أرتسم فوق ملامح جنات، تراها مثلها أمرأة يقودها الكبرياء ولكن هي وأمير حكاية مختلفة

حاولت جنات أن تفيق من ذهولها ما سمعته منها وتلك النظرة التي رمقتها بها قبل أن تتركها بمفردها، وعلى ما يبدو إنها ليست وحدها من كانت تُركز معها بل خديجة النجار كانت مثلها تتابع حرب المشاعر التي تدور بينها وبين كاظم

– أنا متأكده إن علاقتهم أكبر من إعجاب

وسرعان ما كانت ترفع كفها نحو شفتيها تكتم صوت شهقتها، تتذكر تلك القطعة النسائية التي وجدتها أسفل الفراش

– معقول خديجة النجار و أمير بينهم علاقه من النوع ده

……

استطاعت لأول مرة أن تخفي مشاعرها عن نظرات السيدة ألفت المصدومة ثم السائق الذي دلف للتو مكان وجودهم

– عايزه أعملها مفاجأة ل سليم واروح الغردقة

– أنتِ عايزانا نتحرك دلوقتي يا هانم

هتفها السائق في صدمة، فانحنت نحو حقيبة الظهر الخاصة بها وقد وضعت فيها بعض ملابسها

– ياريت يا عم محمد، لو مش هتقدر ممكن تحجزلي تذكرة أتوبيس

– لكن يا هانم سليم بيه ممكن يضايق لو عملت حاجة زي كده من غير إذنه

امتقعت ملامح فتون، فهي بصعوبة تسيطر على مشاعرها أمامهم

– عم محمد عنده حق يا بنتِ، ممكن سليم بيه يضايق ومتعجبهوش المفاجأة

توترت ملامح السيدة ألفت بعدما أدركت معنى عبارتها التي لم تكن تقصدها، ف النظرة التي تُطالعها بها سيدتها الصغيرة ما هي إلا نظرة شك

– مقصدش حاجة يا بنتِ، لكن لو أنتِ عايزه كده ف القرار قرارك طبعاً

وبهمس استمعت إليه السيدة ألفت وقد أصاب دهشتها وبدء حدسها يُخبرها أن هناك شئ قد جعل سيدتها الصغيرة تتخذ قرار كهذا بعيداً عن شخصيتها

– صح القرار قراري وبعد كده هيكون ليا قرارت كتير

اليوم كان عصيب ومرهق عليها تسمح للهواء عبر نافذة السيارة يُعبأ رئتيها لعله يُخفف من ذلك الشعور الذي تشعر به.

قرأت رسالته التي بعثها لها قبل ساعة، يُخبرها إنه أسف على عدم جوابه عليها وإنه سيُحادثها صباحاً.

السيارة اخذت تشق طريقها في الظلام نحو مدينة الغردقة، وقد سمحت لحالها أخيراً أن تغفو.

……….

اجتذب ذراعها حانقًا بعدما لم يعد لديه قدرة على السيطرة نحو كل ذرة يشعر بها بسبب أفعالها
هو ليس خبير بتلاعب النساء، فهو كان يكره صنفهم ويتحاشا وجودهم عن حياته

– سيب أيدي يا كاظم، أنت بتوجعني

احتدت عيناه بعدما دفعها للخلف والصقها بالجدار

– عايزة توصلي لأيه يا جنات؟

ضافت عيناها في حيرة، فهي لم تعد تسعى معه نحو شئ بل تقتص لمشاعرها حتى لا تظل طيلة حياتها تشعر بالعار من حالها خاصة وأن هناك طفلاً سيربطهما، سترى فيه دوماً خيبتها وكم كانت مرأة حقيرة حينا رفضت المال والتسوية عن الأرض التي فقدها والدها منذ زمن وعادت هي تطرق أبوابهم تُطالب بحق والدها والهدف لم يكن التعويض عن الأرض بل كان هو

– ردي عليا

حاولت دفعه عنها تتمتم حانقة

– مش عايزة أوصل لحاجة، كل اللي عايزاه رحلتنا تخلص ونرجع مصر وتطلقني

استفزته في تماطلها بالحديث، فعاد يحكم قبضة يديه فوق ذراعيها

– دلوقتي النموذج اللطيف من الرجاله عجبك، ضحك وهزار

ارتفعت وتيرة أنفاسه وهو يراها بدأت تستوعب ما يقصده

– لا والهانم مش مكيفها إني ساكت ومتقبل ضحكها واشعارها عن شخصية أخويا اللي تجذب أي ست، بكل وقاحة تقول كان نفسي أتجوز راجل بشخصيتك

ضاقت أنفاسها بعدما أصبح يُلمح لأشياء تُهين كرامتها

– طبعا كاظم باشا لازم يفكر فيا بأي صورة وحشة، عشان يأكد كل يوم لنفسه أد إيه أنا ست وحشة

– والله أنا شايف إن الأدوار أتعكست

تمتم بمراوغة بعدما تلاشت المسافة بينهم وامتزجت أنفاسهم

– قصدك إيه؟

التمع المكر في عينيه متلذذاً وهو يراها بذلك التخبط وتلك الحيرة

– بيتهيألي إنك أذكى من إنك متفهميش كلامي يا جنات

حاولت التخلص من حصاره، لكنه احكم ذراعيه حولها

– قصدك إن أنا اللي بقيت الطرف السئ في الحكاية، عايز توصل لإيه يا بن النعماني، عايز تاخد مني إيه تاني

– عايز ده يا جنات

تجمدت عيناها من أثر حركته فوق جسدها، كفه وضع فوق دقات قلبها الهادرة

أصابها الذهول وهي التي ظنت أن ما يريده منها ما تخشى معرفته به

– المرادي مش عايز جسمك يا جنات، عايز قلبك يدق باسمي

تعالت أنفاسها وقد جف حلقها تُطالعه في صمت، إنه يضغط عليها بشدة اليوم وهي غير قادرة أن تستوعب كل ما باتت تعيشه معه

شفتيه تحركت ببطئ فوق خاصتها يمنحها قبلة بطيئة وناعمة، لم تتجاوب معه من أثر صدمتها

– قوليلي إنك لسا مغرمة بيا، قوليها يا جنات

تلاقت عيناهم ينتظر أن يسمع جوابها ولكنها كانت ساكنة الملامح والجسد ولولا رعشت أهدابها لظنها باتت جامدة كالتمثال

– اللعبة خلصت يا جنات، وأنا الخسران

– أنت بتعمل كده عشان تخدعني وأخرج من حياتك ضعيفة مش قوية، ليه بتكرهني كده

– لدرجادي أنا إنسان حقير

هتفها بمرارة لا يُصدق إنها تخاف من تلاعبه بها حتى يُخرجها من حياته بقايا أمرأة

– أنا اللي فرضت نفسي عليك، حبيت أكون أنانيه لمرة واحدة من عمري وأعيش في حياة مش ليا، خلينا نبعد يا كاظم يمكن اقدر ارجع أحترم ذاتي من تاني

والجواب كان يمنحه لها في قبلة أخرى، قبلة يُخبرها فيها إنه يرفض ما تريده

حاولت الإبتعاد عنه، لكنه كان مصّر أن يجعلها تعلم إنه لا يرغبها بشهوة بل يرغبها بشعور جديد عليه لا يُريد تفسيره بل إنه يريد فقط الراحة بين ذراعيها

لم تعد لمقاومتها معنى، بل تركت له أبواب حصونها الليلة مفتوحه.
ويا للعار إنها تتجاوب مع لمساته الدافئة تهتف باسمه بأنفاس لاهثة

……..

ابتسمت ناهد بأبتهاج وهي ترى النيران تشتعل في منزل شقيقتها بعدما ابتعدت بالصغير ولم ينتبه عليها أحد من الحرس، فالجميع ركض نحو الداخل

– هنمشي من هنا يا حبيبي، هيكرهوك عشان أنت شبها

ولم تكن تقصد إلا أبنتها، فالصغير كلما كبر أصبح نسخة مصغرة عن مها أبنتها الحبيبة الغالية

توقفت سيارة الأجرة التي تعرف صاحبها ولم يكن إلا السائق الأجرة الذي كانت معه الأمس.

……..

تقف بعيدة عنه ترمقه بنظرات لائمة حزينة، دموعها تسيل فوق خديها ومهما هتف باسمها يرجوها أن تنتظره ليبرر لها فعلته، ولكنها رحلت راكضة من أمامه

واخرى كانت تتعلق في ذراعه تنظر إليه مبتسمه، والأخرى لم تكن إلا شهيرة

– سيبها تمشي، سيبها تبعد عن حياتنا

استيقظ مفزوعًا من غفوته يمسح حبات العرق فوق جبينه، إنه حلم وعلى ما يبدو أن من شدة تفكيره بحديث شهيرة أنها فاقت أخيرا على حقيقة تجاهلتها، إنها ستكون الوحيدة الخاسرة إذا تخلت عن أبنتها بالكامل هي تُريد إقامتها معها

عادت عبارتها تخترق أذنيه ثانية
” متكنش أناني يا سليم، أنت تقدر تخلف تاني لكن أنا لاء”

نهض من فوق فراشه يشعر بثقل يحتل كامل جسده، الساعه كانت تشير للرابعة فجراً

– لأول مره أكون عاجز عن التفكير ، محتاج احس إني مش ظالم مش عايز في يوم بنتِ تحس إن ظلمتها، مش عايزه تعيش اللي عيشته

التقط هاتفه راغبًا في سماع صوتها، ولكنه تراجع عن الأمر ف بالتأكيد هي نائمة وهو يحتاج لذهن صافي حتى يُخبرها عن سبب عدم جوابه عليها ليلة أمس

تراجع عن الأمر وقرر الخروج للشرفة يتنفس بعض الهواء براحة ويرتب أفكاره

أدى فريضة الفجر وقرر بعدها يغفو ثانية وقد عاد عقله وقلبه للثبات بعد ما عاشه ليلة أمس.
مشاكل عمل، عمته التي بات يسمع عنها أخبار لا يصدق إنها صحيحة ولكنه ينتظرها أن تُخبره بنفسها كل شئ، شعوره بالذنب نحو أبنته لأنه لا يريد أن تنال حبهم ورعايتهم مقسمة بالأيام، وظهور مسعد في إطار حياتهم مجدداً وتقاربه من أكثر النساء خبثً وهي دينا التي يعلم نواياها نحوه

افكار كثيرة كانت تقتحم عقله و دون شعور منه كان يغفو

…….

توقفت السيارة أخيراً في الصباح الباكر أمام الفندق، تفتح باب السيارة برهبة قليلاً لا تُصدق إنها فعلتها وأتت لمدينة الغردقة بصحبة السائق

ترجل السائق من السيارة وأخرج حقيبتها متمتماً بإرهاق

– نكلم سليم بيه ياهانم نقوله إننا وصلنا

والجواب بالطبع كان بالرفض، فهي أتت لتكتشف الحقيقة المريرة التي كانت تخشاها

اتبعها السائق، فسارت بخطوات مرتبكة بعض الشئ، إنها ليست من النساء اللاتي يتسمون بالجرائة في تصرفاتهم

استقبلها موظف الإستقبال بابتسامة بشوشة

– في حجز يا فندم
أعطته بطاقة هويتها أولاً ومالت قليلاً مشيرة إليه أن يقترب ليسمعها

شعر الموظف بالأرتياب ينظر لبطاقة هويتها ثم إليها

– جوزي نازل عندكم هنا، هو ضيف مهم

ضاقت عينين الموظف متسائلًا

– مين يا فندم

– سليم النجار

ضاقت عينين الموظف يرمقها بنظرة فاحصة ثم الرجل الذي وقف خلفها إحترامًا

– حضرتك مدام سليم النجار

– مش شايف في البطاقة الشخصية متزوجة

– أيوة يا فندم لكن مش مكتوب اسم الزوج

امتقعت ملامح فتون فهي لأول مرة تواجه هذا الموقف بل
وتتحدث مع رجل بتلك الجرائة البعيدة عن شخصيتها ، وضعت يدها في حقيبتها الصغيرة التي تعلقها فوق كتفها تُخرج له قسيمة الزواج

– وكده هتعترض بقى

وضعتها أمامه تنظر إليه في إستنكار، هي مستعده لكل شئ فهي ليست بالحمقاء ألا تعرف ما ستحتاجه لتتمكن من دلوف غرفته وتقبض عليه في تلبس

– لا طبعا يا فندم كده مقدرش اتكلم، حضرتك عملاها مفاجأه ل سليم بيه

رسمت فوق شفتيها ابتسامة واسعة تتخيل اللحظة التي سيراها فيها سليم

– طبعا، اصل عيد ميلاده بكره وأنا حبيت اعملها ليه مفاجأة

والتفت نحو السائق الذي بات الإرهاق مرتسم فوق ملامحه

– ممكن أحجز اوضه لعم محمد

ابتسم الرجل بلطافة، فلأول مرة يصادف نموذج من الطبقات الراقية يتعامل بعفوية وبساطه بتلك الطريقة المضحكة

– تمام يا فندم، طبعا الحساب على سليم بيه

تحركت خلف العامل تتأمل ساحة الفندق الخالية من الزوار في هذا الوقت المبكر
بحركات وئيدة تحركت مجددا خلف العامل بعدما غادروا المصعد، تشعر بأن أنفاسها بدأت تنسحب وهي تتخيل ما سوف تراه من صدمة

– فتون

هتف اسمها في ذهول ولولا العامل الذي يقف جوارها أمام باب غرفته لظن إنه مازال نائم يحلم بها
وسرعان ما كان يقترب منها يجذبها إليه

– أنتِ جيتي هنا إزاي

عيناها لم تكن معه بل كانت تُحدق في باب الغرفة المفتوح.

دفعت ذراعيه عنها دون حديث، واسرعت لداخل الغرفة تلتف حولها باحثة عنها

– هي فين

توقف خلفها في ذهول ينظر إليها

– فين شهيرة، بتضحكوا عليا عشان عارفين إني هبله

واتجهت نحو الغرفة تبحث داخلها، السرير كان خالي والحمام أيضًا حتى تحت الفراش والأريكة بحثت في كل مكان دون عقل دون أن تفكر للحظات أن خديجة، فهي كانت معه فأين هي؟
اتسعت عيناه في دهشة لا يستوعب ما يراه فحتى الأن لا يستوعب إنها أمامه

صمته ووقوفه بتلك الطريقة ازعجها، إنه يقف كالمتفرج يعقد ساعديه أمام صدره منتظر أن تنهي ما تفعله

أندفعت صوبه تشب على أطراف أصابع قدميها

– جايبها معاك الغردقة عشان ترجعلها، لا يا سليم باشا لو فكرني هرضى زي ما رضيت تعيش معانا فترة فخلاص فتون الهابله صحيت

هل يضحك أم يجذبها من أطراف بلوزتها لأعلى ويستمتع برؤيتها معلقة

والأختيار الأول كان الأقرب له، انفجر ضاحكاً بعلو صوته رغم مزاجه السئ

لم تشعر بحالها إلا وهي تتعلق بعنقه بجنون

– هتدفع تمن كل شعور وحش حسيتوا يا سليم، أنت اللي طلعت فتون الشريرة من جوايا

استمر في الضحك وهو يراها عالقة به

– هتطلقني قبل ما تتجوزها

ارتفع حاجبيه في تسأل بعدما ضاقت عيناه

– أنتِ كنتِ معايا في الحلم وأنا بتجوزها

– كمان اتجوزتها

وكل شئ في ثواني كان ينقلب لندب وبكاء وكلمة واحدة أصبحت تتردد على لسانها مع غباء صاحبتها

– طلقني، انا مقبلش أعيش مع راجل خاين و كداب

– طلقني وخاين وكداب كمان

وهي اليوم لن تصمت عن شئ، بل ستخرج كل شئ كبتته داخلها، سماعها لصوت شهيرة عندما انفتح الخط وعدم جوابه على اتصالها و رسائلها عن تحملها للكثير وصمتها عن حقوقها

– طبعا مكنتش فاضي ليا مع أنت كنت مشغول في حاجة تانيه

– لحد هنا، وهنقف يا فتون

لم تشعر إلا وهي معلقة على كتفه يتجه بها نحو الغرفة المفتوحة يقذفها فوق الفراش

– الفندق كله سمع صوتنا، وماشاء الله راديو مش راضي يفصل وأنا عشان راجل صبور سايبك تتكلمي شمال ويمين

اردات النهوض ولكنه كان الأسرع منها وهو يُكبلها بيديه وساقيه

– جيتي إزاي ومع مين

والجواب هذه المرة كان يأخذه منها في هدوء

– مع السواق

– وليه مكلمتنيش وعرفتيني إنك جاية، كنت حجزتلك تذكرة طيران

– عشان اثبت جريمتك

– جريمة

نطقها في ذهوله، ينظر إليها وهي تُحاول التخلص من حصاره

– بيتهيألي إنك تعبانه من السفر يا حببتي، نامي وبعدين نتكلم

وابتعد عنها يسمح لها بالتحرك لأخذ حمام دافئ وتبديل ملابسها

– خدي حمام دافي وغيري هدومك لحد ما اطلب الفطار، وبلاش اسمع كلمة زيادة لحد ما تعملي كل ده ونقعد نتكلم في هدوء زي الناس العاقلة

واردف حانقًا يستدير بجسده مغادراً الغرفة

– واظن طلعت برئ من تهمة الخيانة

طالعته وهو يُغادر تحك فروة رأسها وكأنها بدأت للتو تفيق، ببطئ وآلية نفذت ما رأته إنه سيمنحها بعض الأسترخاء والراحة لتفكر

غادرت المرحاض بعد وقت طويل بعض الشئ تعقد رابطة المئزر حول خصرها

وجدته يدلف الغرفة ينظر إليها بجمود

– تعالي عشان تفطري وبعد كده نامي

– مش عايزة أفطر, مش عايزة منك حاجة

– فتون

اتجهت نحو الفراش متجاهلة هتافه، زفر أنفاسه حانقًا مقتربً منها

– أنا بقى اللى ليا حق عندك مش أنتِ، لأن بتصرفاتك خسرتي حقك يا فتون

– يعني تتجوز عليا وتقولي حق ومش حق

تجهمت ملامحه فعن أي زواج تتحدث هذه الحمقاء

– قولتلك كان في الحلم، تصدقي إني غلطان عشان ندمت في الحلم إني زعلت على فراقك

اتسعت حدقتيها في ذهول من صراحته، اعتلت شفتيه ابتسامه ماكرة ينظر إليها مستمتعاً

– يتشكِ فيا يا فتون

وبجرائة لم يعدها منها تمتمت وهي تتثاوب

– أيوة، كل الرجاله طبعهم الخيانة

ارتفع حاجبيه في دهشة

– فعلا أنتِ محتاجة تنامي يا فتون

امتقعت ملامحها وهي تراه يأمرها ثانية

– مش عايزة تنامي مش مهم، في حاجات لطيفه تانيه ممكن نعملها

مال نحوها وقد عاد الاسترخاء يحتل قسمات وجهه، دفعته عنها فتعالت ضحكته

– احمدي ربنا إني صبور بزيادة النهاردة وعندي حالة تبلد متتوصفش

اشاحت بوجهها عنه، فعلقت عيناه في ذهول وصدمة يقطب حاجبيه بعدما انتبه للتو للتغير الذي فعلته بحالها

– أنتِ غيرتي لون شعرك يا فتون!

تسأل في دهشة ينظر نحو خصلاتها بتدقيق، فارتفع حاجبيها في إستنكار من نظراته لا تُصدق إنه ترك مشكلتهم الأساسية وغضبها منه عما فعله بها ويتساءل عن خصلات شعرها

تأوهت في خفوت بعدما اجتذب بضعة خصلات بين أنامله يقطب حاجبيه في تساءل ثانية

– هو شعرك قصر أوي ولا أنا بيتهيألي

نظراته القاتمة وتلك التقطيبة المرتسمة بين حاجبيه جعلتها تُحدق بخصلاتها التي مازال يقبض عليها بين أنامله

– كنت عملاها ليك مفاجأة لكن طلعت زيهم، على رأي المدام اللي كانت بتعمل شعرها جانبي ياريت بتقدروا اللي بنعمله

احتدت نظراته، فهو لا يُصدق إنها فعلت فعلتها الشنيعة بالنسبة إليه

– نقدر، ده أنا هقدر أوي يا فتون معاكي النهاردة، يعني جيالي الغردقة لوحدك مع إني قبلها بعتلك رسالة وطمنتك عليا ، وتقوليلي نقدر

التوت شفتيها إستنكاراً بطريقة كانت تفعلها والدتها عندما كانت ترى أمر لا يُعجبها

– رسالة، لا شكراً على تقديرك يا سليم باشا، يا محبوب النساء، يا مثال الوفاء
وعادت نظراتها تحتد تتذكر إعترافه لها منذ قليل ، تدفع يده عن خصلاتها بعدما لانت قبضته

– كنت بتحلم إنك بتتجوز طليقتك من تاني، لا وكمان كنت في الحلم بتفرج عليكم

حديثها لم يكن ذو أهمية هذه اللحظة، فهو أعترف وهو يعلم إنها كباقية النساء ستندب حظها لفترة لا يعلم هل ستطول أم ستنتهي هذه الليلة وترحمه وترحم حالها وقد تعلم الدرس لا إعتراف صريح مع النساء

ارادت النهوض بعيداً عنه لعلها تجد في هواء الشرفة راحة لها عما عاشته ليلة أمس ولكن كان أسرع منها يجذبها إليه، يلتقط خصلاتها ويرفعهما عاليًا يُريد إثارة حنقها كما أغضبته

– مين فهمك إني بحب صبغات الشعر لا وكمان تقصهولي، طيب مفاجأة بمفاجأة يا فتون هتجوز شهيرة والمرادي هعملها فرح

أصابها الجمود بعد سماعها لكلماته، بصعوبة حاول إخفاء إبتسامته..
يرفع كفه نحو وجنتها اليسرى يداعبها برفق حتى تفيق من حالة جمودها

لا يعرف كيف ومتى أصبحت فوقه تحيط عنقه بكفيها

– زي ما أنت بتحافظ على ممتلكاتك أنا كمان بعرف أحافظ على ممتلكاتي يا سليم

هذه المرة اصابته كلماتها وكأنه كان ينتظر سماعها، شهقت في ذعر بعدما انقلب الوضع وأصبح هو في الأعلى

– الشاطر حسن مش هيطلع كذاب ولا خاين يا فتون، لأن الشاطر حسن بيحب البنت أم ضفاير حلوه

……..

انقلب المنزل رأسًا على عقب بعدما بدأت الأجواء تهدء وتم السيطرة على الحريق الذي لم ينال الكثير من الطبق الأرضي

تنفست كاميليا الصعداء وهي تنظر لزوجها وقوات الأمن

– الحمدلله عدت على خير ومحدش حصلوا حاجة

– كاميليا هانم، ناهد هانم مش موجوده ولا عزالدين موجود

هتفت بها الخادمة تلهث أنفاسها بصعوبة والجميع ينظر إليها في حالة ذهول وصدمة

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *