لمن القرار 12
لمن القرار 12
الفصل الخامس والخمسون (1)
*******
ضاقت عيناه في قلق وهو يرى الشحوب يحتل ملامحها، تزدرد لعابها وهي تُطالعه بعدما ازاحت عيناها عن هاتفها
شعر بالحيرة من تلك النظرة التي خاصته بها، ثم محاولتها لضبط أنفاسها
– جنات
خرج صوته مجدداً في حيرة، يُسرع في إحاطة خصرها بذراعه وقد أصابه القلق
– أنتِ تعبانه، لو تعبانه قوليلي نروح المستشفى فوراً
استمرت في تحديقها به ، تسترجع ذاكرتها نحو تلك الليلة التي وضع فيها نقطة النهاية لعلاقتهما
– جنات أنتِ سمعاني
صوته كان بعيداً رغم قربه الشديد منها ، عقلها كان يدور هنا وهناك حتى شعرت بلمسة خفيفة تلطم خدها
اطبقت فوق جفنيها بقوة حتى تفيق من دوامة أفكارها وببطئ اخذت تبتعد عنه تُشيح عيناها عنه هاربة من نظراته
– أنا بخير
رمقها بنظرة فاحصة ليتأكد أنها أصبحت بالفعل بخير
– بخير إزاي وأنتِ مش عارفه تاخدي نفسك وتتحركي خطوتين قدام
خرج صوته بقوة وعاد يجتذبها نحو الفراش ليُجلسها عليه،جثى فوق ركبتيه أمامها يلتقط كفيها يُدلكهما متسائلاً
– أكلتي أخر مرة أمتى، ولا طبعا إنشغلتي في تحضير الأكل وترتيب الشقه، أنا مش عارف إيه حبك لدور ست البيت اللي ظهر فجأة ده
صاح بعبارته متذمراً وهي كانت جالسة أمامه ساكنه تنظر إليه مدهوشة من فعلته، كاظم يجلس أمامها بتلك الوضيعة ويهتم بها
حاولت نفض عقلها تنهر قلبها على سكونه
– ما أنا فعلا ست بيت يا كاظم، طول عمري بخدم نفسي بنفسي.. أنا متولدتش هانم زيكم
توقفت يديه عن عملهم بعدما اخترقت الكلمات أذنيه، تعلقت عيناه به يرى نفس نظرة التهكم في عينيها، نظرة بات يمقتها
انتبه على وضع جلوسه، فالجمته الصدمة
فكيف لم ينتبه على حاله وجثى على ركبتيه هكذا أمامها والقلق ينهش قلبه عليها، مجرد أن رأها شاحبة الوجه قليلًا
انتفض كالملسوع من أمامها، فاعتلت شفتيها ابتسامة ساخرة
كاظم النعماني قد فاق على حاله، وادرك فداحة خطأه
– شايف إنك بقيتي كويسة
تمتم بعدما استدار بجسده كلياً عنها، لا يُصدق أنه ضرب بقرارته عرض الحائط بعدما كان متخذ قراره بأن يُعاملها بجفاء إلى أن يعودوا للوطن ويُطلقها فهو أقوى من حاجة جسده وقلبه الخائن الذي بات يميل لها
ربكته كانت واضحة، كاظم يُقاومها ولكنها هذه اللحظه لم يكن عقلها إلا مع شئ واحد ماذا سيحدث إذا كانت حامل منه؟
هل سيأخذ الطفل منها كما هددها يوماً؟
رنين جرس الباب افاقها من شرودها، كما أفاقه هو من صراعه مع نفسه
أسرع في خطواته مغادراً الغرفة ثم تعالت الأصوات بالخارج، فعلى ما يبدو أن الشقيق قد أتى أخيراً؟
زفرت أنفاسها عدة زفرات حتى تُهدئ من روعها و تُطمئن حالها, بأنها ليست حامل وأن التأخير ليس إلا أيام معدودة تحدث في العادي معها كلما أصابها التوتر
خرجت من غرفتها وهي على يقين أن الشقيق الصغير سيكون كباقي أفراد العائلة، فالقاء الأول بينهم جعلها تتنبأ كيف ستكون الزيارة ثقيلة ولكنها ستتجاوزها كما تجاوزت الكثير
– لا الورد ده مش ليك ولا الشيكولاته، ده لمرات أخويا عشان أرحب بيها بدل اللقاء الأول
هتف بها أمير مبتسماً وهو يُطالع كاظم الذي جز على أسنانه بقوة من أفعال شقيقه الدرامية
أشرقت ملامح جنات وهي ترى ما يحمله من أجلها بل ويدعوها بزوجة أخيه عكس باقية العائلة الكريمة ومن بينهم زوجها المصون الذي لم يراها زوجة إلا مؤخراً بعدما عادت لشخصيتها القديمة و اردات هجره
– إيه ده ورد وشيكولاته ليا، لا كده تستحق الأكل اللي عملتوا
هتفتها جنات مازحة وقد تلاشى الشحوب عن وجهها واسترخت ملامحها
ابتسم أمير إليها وهو يقدم لها ما جاء به معتذراً بلباقة فاجأتها
– حقيقي بعتذر منك عن أول مقابلة بينا ، أتمنى تقبلي إعتذاري وكان نفسي أحضر فرحكم بس كاظم ديما بيفاجأنا بقرارته
وسرعان ما علقت عيناه بشقيقه فوجده بحالته الجامدة، وكأنه ينتظر أن ينتهي ذلك العرض ولكن أمير كان يستمتع برؤيته هكذا ليس كرهاً به، ف السيدة منال والدته العزيزة سعت بكل ضراوة لتحقق ذلك الأمر ولكنها فشلت، هو يحب كاظم ولكن كاظم لا يراه إلا مدللًا فاشلًا
ضحكت جنات من لطافته، تضم باقة الأزهار إليها معترفة داخلها بذوقه
– لا أنا خلاص نسيت المقابله الأولى ومسحتها من ذاكرتي ، نوثق بقى اليوم ده ونعتبره أول تعارف بينا
ازداد تجهم كاظم وهو يرمقهما متمتماً بضيق وقد ضاق ذرعاً
– الاستاذ بياع كلام، ولو فضلنا واقفين مش هنتعشا
ارتفع حاجبي أمير مدهوشاً من خشونة صوت شقيقه ثم دفعه له فوق كتفه ليتحرك أمامه
– أنا أمير، بياع كلام.. قصدي مهندس مرموق والابن العاق في العيله ديه
ارتفعت ضحكات جنات عالياً، تنظر إليه وهو يمدّ إليها يده مصافحًا، استمرت في الضحك لا تقوى على تمالك صوت ضحكاتها
– وأنا جنات، مش عارفه المسمى الوظيفي اللي أقوله ليك حاليا لأن أخوك مش مخليني عارفه أرجع لوظيفتي، بس تقدر تقول حاليا ست بيت شاطره
ارتفع صياح أمير وهو ينظر نحو شقيقه، يرى الوجوم مرتسم فوق وجهه
– صبرت ونولت يا كاظم، جمال وكمان بتعرف تطبخ
– أمير
ارتفع صوت كاظم عالياً، فلو كان منذ لحظات يتمكن من ضبط غضبه فعند هنا لن يتحمل
– مش اديتها الورد وعملت العرض بتاعك، لتسكت بقى أو تاخد بعضك وتمشي
– شايفه جوزك بيطردني إزاي، على فكرة أنا ضيف مرحب بي مش كده يا مرات اخويا
وجنات كانت سعيدة، بل سعيدة للغاية من رؤية كاظم غاضبًا ومن لطافة أمير
– طبعا، أنت مرحب بيك في أي وقت وحقيقي أنا مبسوطة إني أتعرفت عليك
و أمير كان يُجيد المجاملة بشدة وخاصة مع النساء
– إيطاليا نورت بوجودك فيها، ده حتى الشقة بقى ليها طعم و روح
توردت ملامح جنات من حديثه، إنه بارع في المجامله وليت كاظم مثله
– مش خلاص، ولا لسا هتكمل الشريط بتاعك
هتف بها كاظم حانقاً، فاستدار إليه أمير يخفى أبتسامته متسائلاً
– مش بقول الحقيقه، طب بذمتك يا كاظم حياتك وأنت عازب ولا دلوقتي
تجهمت ملامح كاظم وقد علقت عيناه بتلك التي وقفت منتظرة سماع جوابه
– بطل سخافة، واخرس خالص
طالعته جنات بعدما اشاح عيناه عنها فما الذي كانت تنتظره منه، كاظم هو كاظم لن يتغير مهما شعرت بالأمل في تغيره
انسحبت من أمامها، فعلقت عينين أمير بها
– يا شيخ كنت رديت حتى لو بالكذب
– قولت أخرس خالص
اسرع أمير في وضع يده فوق فمه، واتجه نحو غرفة الجلوس التي يحفظها
أنبه ضميره كعادته الأخيرة، وقد عاد الصراع يقتحمه مجدداً
حاول أن يخرس الصوت الذي يقتحمه
ولكن فور أن سمع صوت ارتطام شئ بالأرض كان يسرع بخطواته نحو المطبخ مفزوعاً
– إيه اللي حصل؟
وجدها منحنية تلتقط الزجاج الذي تناثر أسفلها
– أبعدي عن الإزاز لتتعوري
ارتفعت عيناها نحوه تستنكر خوفه عليها، فالخوف ينبع من الحب وهو لا يُحبها فلما يستمر في تمثيله عليها
– متخافش متعودة كويس ألم اللي بيتكسر
اصابته كلمتها فهو يعرف ما تقصده، ازدرد لعابه يُقاوم رجفة كفيه بعدما قبض فوقهم بقوة
صوت تأوها جعله يسُرع إليها لينتشلها من وضيعتها صائحاً بها
– بلاش عناد يا جنات، وابعدي عن الإزاز
– هو أنا هعاند ليه في حاجة زي كده، ما لازم الإزاز يتلم
– لسانك وصوتك
صاح بها، فتجهمت ملامحها من حدته
– ماله لساني
– بقى طويل يا هانم وبيحب يجادل كتير ، وأنا أكتر حاجة بكرها في حياتي هو الجدال
– هو أنا كده بجادل معاك
– مالكم يا جماعه مش معقول يكون وشي وحش عليكم وتتخانقوا
اسرع أمير إليهم بعدما تعالا صوتهما ، فضاقت عينين كاظم وهو يراه يقف بينهم
– أنت إيه اللي حركك من مكانك
– صوتكم كان عالي، ده جزاتي يعني
– امشي من قدامي، بدل ما اطلع غضبي كله عليك
اتسعت عينين أمير وهو يرى شقيقه يزيحه من أمامه
– اه العنف اللي فيك ده هو اللي مخليها متعصبه، والله عندها حق
– بره، مش عايز المحك قدامي
انتفض أمير مذعوراً من صراخ شقيقه، ولم يعد يعلم من أين بدء شجارهم
– يعني بدل ما تشكره بتطرده، ياريتك ذوق زيه
– ذوق و زيه، ما الهانم فرحانه بالورد والشيكولاته
– ايوه فرحانه بيهم، أنت إيه عرفك بأفعال الرجاله ولطافتهم
ارتجفت اوصالها ذعراً تخشى ردة فعله بعدما تجمدت ملامحه وعلقت عيناه بها وارتفعت أنفاسه عاليًا
ابتعلت لعابها، وتراجعت للخلف وهو ظل واقفًا ساكن الجسد يقبض فوق كفيه بقوة
سقطت باقة الأزهار أسفل قدميها بعدما تناثرت أوراقها وتمزقت
ارتجفت اهدابها تنظر لما فعله بأزهارها الجميلة
– مش هو ده الورد اللي خلاكي فرحانه وبهرك، اه بقى تحت رجلك استمعتي بي كويس
……
ارتكزت عيناها نحو السيارة التي غادرت للتو واختفى أثرها عن مرأى عينيها.
ملك غادرت وتركتها وعلى ما يبدو إنها لم تتمكن من تنفيذ ما وعدتها به
مظاهر الحفل بدأت تتلاشى شيئًا فشئ، فالعمال يحملون الطاولات ويزيلون الأنوار وكأن لم يكن هناك عرساً منذ ساعات
تفاصيل اليوم كانت مُرسخة داخلها، تفاصيل لن تنساها يوماً
يدها التي شبكت بذراعه وكأنها بالفعل عروس، تلك الرقصة التي سمعت عنها كثيراً من زميلاتها في المصنع الذي كانت تعمل به قبل هروبها
ابتسامته المزيفة التي كان يُجاهد في رسمها فوق ملامحه كلما جاء المصور ليلتقط لهم صورة يظنها ستدوم ، وأمره الدائم لها أن تظهر بمظهر العروس السعيدة
ضاع أخر حلم من أحلامها، عاشت ما تمنت أن تعيشه ولكنها لم تكن إلا عروس ماريونيت
انفتح الباب الذي اوصده خلفه أخيراً بعدما اجتذبها بقوة من جوار ملك صائحاً بها أن من تُريد أخذها معها باتت زوجته
أنفاسه كانت مرتفعة وكلما اقترب منها كانت تزيد قبضتيها فوق ثوب زفافها
– ملك مشيت، معرفتش تاخذني زي ما وعدتني مش كده
تمتمت بها دون أن تُحيد عيناها عن الحديقة التي باتت خاليه وقد غادر أخر عامل وانغلقت البوابة
– اليوم كان طويل ومرهق علينا يا بسمة، بكره ممكن نتكلم
غادر الغرفة دون كلمة أخرى ، تاركاً الباب خلفه مفتوحًا وكأنه يُخبرها أن حبسها الذي فرضه عليها حتى تُغادر ملك قد أنتهى
استدارت بجسدها بعدما غادر تمسح دموعها التي لم يراها ولن تجعله يراها حتى تُغادر منزله حره
……
استمرت ميادة في قيادتها للسيارة نحو الفندق ، تستمع لتذمر ملك وشدة حنقها من فعلة جسار معهم
– يقولي السواق بره مستنيكي عشان يوصلك للفندق ، يطردني عشان الكلام مش عجبه وقال إيه مراتي وأنا حر
– ما هي فعلا مراته يا ملك
تمتمت بها ميادة بعدما رمقتها بنظرة سريعه ثم عادت لمطالعة الطريق
– مراته؟ قصدك كلمه نطقها بسبب ذله لسان قدام طليقته ولما شافها اتجننت وثارت عليه شفى غليله منها وحس إنه أنتقهم لكرامته
– والكلمة بقت حقيقة يا ملك، وكنا لسا في فرحهم
احتقنت ملامح ملك بشدة، فحديث ميادة لا يُعجبها بل يزيد من حنقها
– فرح مزيف، شوفتي الناس كانوا بيتكلموا إزاي، ولا نظراتهم ليها
ازداد ضيق ملك كلما تذكرت تلك النظرات التي كانت تُحيط ب بسمه.
البعض كان يُركز نظراته نحو بطن العروس لعلهم يتأكدوا بما يظنوه وتكون العروس بالفعل حاملًا بطفل غير شرعياً، مما أجبر رجل ك جسار أن يتزوجها
– الناس مدام لقيت حكاية تتكلم عنها هيفضلوا يتكلموا، مش مع بسمه بس مع أي تاء مربوطة مدام الحكاية دسمة ليه ميتكلموش وأنا أكبر دليل الكل بقى مستغرب ليه رجعت مصر فجأة ليه بقيت عايشه معاكم
طالعتها ملك في صمت، ترى الألم مرتسم فوق ملامحها
– بسمه مش هتخرج خسرانه يا ملك، يمكن جوازها من جسار مجرد محطه، محطه هتعدي بيها لمكان تاني
بدأت ملك تقتنع بحديثها ولكن مخاوفها لم تتلاشى، تخشى عليها أن تقع في حب جسار وتُعلق أمالها عليه، بسمه أضعف منها رغم شجاعتها إلا إنها ضعيفة من مجرد كلمة حانية تشعرها بأنها ليست مهمشة، من لمسة يد دافئة تمنحها الدفئ الذي افتقدته, وجسار تعرفه تماماً بسمة ليست المرأة التي تُرضيه وتشبع غروره.
……
التفت ناهد حولها خشية أن يكون قد رأها أحد، لقد جائتها الفرصة أخيراً، مغادرة شقيقتها لأحدى الندوات وإنشغال الخدم عنها هيأ لها الأمر
تنفست براحة بعدما استقلت سيارة الأجرة، تأمر السائق أن يأخذها لمحل الصاغة
طالعها السائق بنظرات قلقة ولكن هيئتها المرتبة وملابسها ، جعلته يُكمل قيادته غير مهتم بتوترها وربكتها
غادرت ناهد سيارة الأجرة تُلقي بنظرة خاطفة حولها و تعطي السائق أجرته فطالعها السائق متسائلاً
– استناكي يا هانم
طالعته ناهد بقلق، فقد جعلتها سنوات حزنها على صغيرتها التي فارقت الحياة تنسى كل شئ، ولم تعد ناهد القديمة
الزمن كما خطف منها أبنتها، أخذ منها عقلها عقابًا لها
اماءت له برأسها واسرعت نحو محل الصاغة لتبيع الخاتم الذي بحوذتها
اخذت المال من البائع غير عابئة بأنه بخس بثمنه أستغلالًا لحالتها وهيئتها المضطربة.
غادرت المكان تبحث عن السائق، فرأته ينتظرها مكانه
ضمت حقيبتها إليها واتجهت صوبه
– ارجعك مكان ما جيبتك يا هانم
حركت ناهد رأسها رافضة ما يُخبرها
– لا، لا
استعجب السائق من طريقتها، فتسأل عن وجهتها قلقًا
– طيب أخدك على فين يا هانم
والوصف كان محفور في ذهنها، وصفته لها كما تتذكر فلم تأتي لذلك المكان الشعبي إلا مرة واحدة ، المكان الذي ارشدتها إليها إحداهن وذهبت إليه بقدميها حتى تنال غايتها
توقفت سيارة الأجرة أخيراً، فالتمعت عيناها وهي تنظر لمدخل الحارة
– اخد أجرتي وامشي يا هانم ولا استناكي
عاد القلق يدب داخلها وهي ترى نظرات السائق إليها، اماءت له برأسها تضم الحقيبة نحو صدرها حتى تطمئن على المال
– لكن الأجرة هتزيد يا هانم
بتعلثم تمتمت ناهد قبل أن تترجل من السيارة
– هتاخد اللي أنت عايزاه
……..
تعلقت عينين جسار بها وهو يراها تهبط الدرج بالملابس التي اشتراها لها
اقتربت منه بخطوات بطيئة، تمنحه الوقت ليرى هيئتها الجديدة داخل ثيابه الثمينة
لم تكن تقل بشئ عن فتاة في عمرها، هو منحها ما يجعلها ترتفع لأعلى وهي قررت أن تستغل كل ما يمنحه إليها حتى تعيش حتى لو لمرة واحدة
قضت ليلتها ساهدة، تتذكر شريط ذكرياتها من بؤس وحرمان
هو استغلها حتى يثبت لطليقته قدرته على تجاوزها وتجاوز أي امرأة مرت بحياته، وهي ستستغله بطريقة مشروعة
حياة كريمة وتمتعها برفاهية الحياة والعيش مع صفوة المجتمع
– الطقم طلع مقاسي بالظبط، انا مجربتش كل الهدوم لكن بيتهيألي إنهم مقاسي ولو مش مقاسي أنا هعرف اظبطهم
تمتمت بها بعدما تلاشت المسافة بينهم، فابتسم وهو يراها سعيدة وقد تناست ليلة أمس وعلى ما يبدو إنها اقتنعت أن مكانها جواره إلى أن تنتهي فترة زواجهم الغير مرحب به من كلاهما
– اللي ميعجبكيش ممكن نجيب غيره يا بسمه
استدارت أمامه بالثوب الجديد تمتدح من أنتقى لها الأثواب
– بالعكس كلهم عجبني، انت إيه رأيك
انتظرت سماع رأيه، فابتسم على ترقبها وقد ازدادت راحته وهو يراها مستمتعه و راضية بما يقدمه لها دون جدال
– جميل يا بسمة
– يعني بقيت شبه البنات
تعجب من سؤالها،وقد ضاقت عيناه وهو يراها منتظرة سماع جوابه، تُحرك إبهامها أسفل ذقنها تتسأل
– تفتكر لما ادخل الجامعه هلاقي واحد أعجبه ويعجبني، ونحب بعض
……..
توقفت أمام بوابة الجامعة وقد انتهى اخر امتحان لها في هذه السنة الدراسية، اتبعها أحمس متسائلا عما فعلت
– مش عارفه يا أحمس، بصراحه الترم ده مش عارفه هنجح فيه إزاي
– أنتِ ذكية يا فتون صدقيني
أماء لها برأسه مؤكداً صدق حديثه، فابتسمت فتون إليه تأمل أن تكون بالفعل هكذا
تعالا رنين هاتفها، فقطبت حاجبيها تنظر للرقم
ابتعد أحمس عنها بعدما تقدمت منه إحدى زميلاته حتى تشكره على ما يُلخصه لهم من مذكرات
– ايوة أنا فتون، مدام سحر..
توقفت فتون عن الحديث، تسمع ما تُخبرها به السيدة سحر وعن حاجة الجمعية إليها
– أنتِ كنتِ مثال للبنت القوية يا فتون، مثال يحتذى به.. عشان كده محتاجينك تكوني معانا
– أنا يا مدام ألفت
– ايوة أنتِ يا فتون ولا مش عايزه تساعدي الجمعية، وعلى فكرة الجمعية مختارتكيش عشان بقيتي من عيلة النجار، إحنا فعلا محتاجينك يا فتون وفخورين بيكي
استمرت السيدة سحر مديرة الجمعية، تثني عليها مفتخره, تُخبرها عن ذكائها وإجتهادها وكيف تجاوزت أزمتها دون أن تلجأ لما تفعله الكثيرات من هروب لحياة أسوء أو الأنتحار أو أن تظل فتاة بائسة ترثي حالها دون توقف و دون تتجاوز الأزمة
اقترب منها أحمس وقد انتهت المكالمة، فتسأل عن هوية من كان يُحادثها
– شكل المكالمة كانت مع حد تعرفيه
– ديه مدام سحر، مديرة الجمعيه اللي كانت بتساعدني
تمتمت بها ومازال عقلها شارداً بالأمر
– مش معقول تكون متصله بيكي عشان تسألك عن أحوالك وتقدم ليكي مساعده، وأنتِ زوجة للراجل اللي بيمولها ومؤسستها عمته.. ديه تبقى حاجة تضحك
وضحك أحمس وهو يتخيل الأمر، فدفعته بكتابها حانقة من مزحته
علقت عينين الجالس بسيارته يخفى عيناه بنظارته السوداء ويُطالع الموقف
التقط صورتهما ينظر لما ألتقطته عدسة هاتفه
– مطلعتيش لا سهلة ولا بريئة، اتجوزتي الباشا ودلوقتي بتدوري على واحد من سنك
……..
توقف رسلان عن السير في ممر المشفى بعدما اجتذبه صوت إحداهن
ضاقت عيناه وهو ينظر لصاحبة الصوت، إنها طبيبة خالته من كانت تُشرف على حالتها في المصحة النفسية
– ازيك يا دكتور رسلان أكيد فاكرني ، واخبار كاميليا هانم إيه
صافحها رسلان يؤمي لها مؤكداً إنه مازال يتذكرها
– اتمنى تكون حالة ناهد هانم اتحسنت في جو البيت مع طبيبتها الجديدة، رغم إنها حقيقي كانت محتاجة تفضل في المصحة لكن كاميليا هانم أصرت تخرجها
تعلقت عينين رسلان بها مدهوشًا مما يسمعه ، وقد ازدادت تقطيبة حاجبيه
– هي الحالة مكنتش تسمح بخروجها
– للأسف لاء، ناهد هانم بقت مغيبة.. موت بنتها كان صدمة ليها كبيرة مستحملهاش عقلها ومكنش في تحسن في حالتها
……..
جلست ناهد فوق المقعد الخشبي تلتف حولها تنظر للغرفة التي تغيرت بأشيائها
– دستور يا أسيادنا
انتفضت ناهد من فوق مقعدها تضم الحقيبة إليها، فطالعتها المرأة بنظرات محدقة وقد أزاد الكحل اتساع عيناها
– هي ست سندس راحت فين
التوت شفتي المرأة بعدما تقدمت نحو المقعد الخاص بها
– الست سندس ماتت، وأنا بنتها
ودون أن تمنحها فرصة للتساؤل مرة أخرى
– جاية ليه؟
ابتلعت ناهد ريقها بعدما رفعت الجالسة ثوبها قليلاً ونثرت الملح حولها ، فمن أتت إليها من قبل قد ماتت
– عايزاه يكرهها، زي ما كره بنتي وماتت مقهورة