سم في قلب صعيديه
سم في قلب صعيديه
سم في قلب صعيدية مايا خالد
الضلمة كانت مغطية النجع كله، إلا من صوت نبض قلبها اللي كان بيسمع في ودنها زي دقات الطبل. زينب كانت بتجري وهي حافية، رجليها بتغرز في رملة الجبل ودموعها نازلة تحرق وشها. بصت وراها لآخر مرة على نور سراية جبل ، الراجل اللي سلمته روحها فجازاها بحكم الإعدام بتهمة هي بريئة منها زي براءة الذيب من دم ابن يعقوب.
حطت يدها على بطنها وبصوت واطي فيه قهر الدنيا كله قالت: يا واخد حقي وحق ابني اللي لسه مشافش النور، انصره على اللي ظلم أمه. جبل فاكر إن الحكاية خلصت، بس الحكاية لسه بتبتدي.. والسر اللي شايلاه في حشاي هو اللي هيكسر كبرياءك يا جبل، وهيخليك تبكي دم بدل الدموع.
مشيت وفي قلبها غل يكفي بلد، مشيت وهي عارفة إنها هترجع، بس مش زينب الطيبة والضعيفة.. هترجع والسم مالي عروقها، ومعاها الولد اللي شايل ملامح أبوه بالظبط، عشان يكون هو العقاب الحي اللي يعيش قدام عينه طول العمر وهو محروم منه.عدت السنين، وزينب قدرت تبني لنفسها حياة تانية بعيد عن النجع، في قلب القاهرة، اتعلمت وقويت وبقت الست زينب اللي الكل بيعمل لها ألف حساب. لكن قلبها لسه هناك، في الصعيد، مستني لحظة الحساب.
وفي يوم، كان واقف قدامها ياسين .. نسخة طبق الأصل من أبوه جبل في وقفته، في حدة عينه، وحتى في نبرة صوته اللي بتزلزل الأرض.
ياسين: يا أمة.. ليه كل ما أسألك عن أبوي تهربي من الكلام؟ ليه دايمًا تقوليلي إن حقي هاخده بيدي؟
زينب وهي بتبصله بنظرة فيها نصر ممزوج بوجع : لأن أبوك يا ولدي هو اللي حكم عليّ بالموت وأنا شايلة فيك. أبوك هو جبل الهواري .. الراجل اللي النجع كله بيخاف منه، بس هو هيترعب لما يشوفك واقف قدامه.
ياسين بدهشة : جبل الهواري؟ كبير النجع؟ وليه سيبناه يا أمة؟مايا خالد
زينب بصوت زي فحيح الأفعى : سيبناه عشان نرجع له وإحنا أقوى منه. بكره يا ياسين هتنزل الصعيد، مش كـ ابن هربان، لا.. هتنزل بصفتك الوريث اللي جاي يهد المعبد على اللي فيه. هتروح ومعاك الورق اللي يثبت إنك ابنه، والدم اللي في عروقك هو اللي هيتكلم.
وفي الناحية تانية، في السراية، كان جبل قاعد في المندرة، ملامحه كبرت بس لسه هيبته موجودة، لكن عينه كان فيها لمعة حزن مابتنطفيش. كان ماسك شال زينب القديم اللي لسه محتفظ بيه.
جبل بين نفسه : عشتي فين يا زينب؟ وهل كنتي خاينة بجد ولا أنا اللي ظلمت؟ السنين بتمر والشك بياكل في قلبي زي السوس، ونفسي قبل ما أموت أعرف الحقيقة.
ميعرفش إن الحقيقة جاية له على رجلين ابنه اللي حرم نفسه منه سنين طويلة، وإن اللقاء اللي جاي مش هيبقى فيه حضن ولا سلام، هيبقى فيه حساب قديم وتار بايت.الخبر نزل على النجع زي الصاعقة: في مستثمر كبير جاي يشتري نص أراضي الناحية الغربية، وناوي يناطح السراية في عزها . جبل الهواري مكنش مصدق إن فيه حد يتجرأ ويدخل مملكته من غير إذن، فقرر يروح بنفسه يشوف مين ده اللي قلبه ميت.
يوم المقابلة، السراية كانت محتشدة بالرجالة، وجبل قاعد على الكرسي الكبير بعبايته وهيبته. وفجأة، دخلت عربية سوداء فخمة، ونزل منها شاب لابس بدلة شيك، بس مش البدلة هي اللي لفتت نظر جبل.. كانت المشية .
ياسين دخل المندرة، عينيه كانت بتجول في المكان ببرود، لحد ما وقعت في عين جبل. الصمت ساد، والكل كتم نفسه. جبل وقف لا إرادي، حاسس بإن الأرض بتلف بيه، ملامح الشاب ده مش غريبة عليه.. ده كأنه شايف نفسه في المراية وهو عنده عشرين سنة.
جبل بصوت مهزوز لأول مرة : أهلاً يا بشمهندس.. نورت نجع الهوارة. بس عاد، مغلّي يدك في الشرا ليه؟ كأنك قاصد تضايقنا؟
ياسين بابتسامة باردة فيها غل : أنا مش جاي أضايق حد يا جبل بيه، أنا جاي أسترد أرضي .. الأرض اللي أمي اتهجرت منها وهي مظلومة.
كلمة أمي وقعت على ودن جبل كأنها رصاصة. قرب منه جبل ويده بتترعش، وعينه جت على رقبة ياسين، وشاف الشامة اللي بتميز عيلة الهواري، واللي مستحيل تتزور.
جبل بهمس : أنت مين؟ وأمك مين؟
في اللحظة دي، دخلت من باب المندرة ست لابسة أسود في أسود، شالها الحرير بيطير وراها، وراسها مرفوعة للسما. الكل وسع لها وهو مذهول.
زينب بصوت جهوري زلزل الحيطان : ده ياسين جبل الهواري يا جبل.. البرهان اللي هربت بيه يوم ما حكمت عليّ بالموت. عشت عمرك كله تدور على وريث، وهو كان في حضني أنا، بكبره عشان ييجي اليوم اللي ياخد فيه حق أمه منك.
جبل رجع لورا خطوتين، قلبه وجعه بجد، وبص لياسين اللي كان بيبص له بكره، وبص لزينب اللي عيونها ماليانة شماتة.
جبل بندم : زينب؟ أنتِ لسه عايشة؟ وده.. ده ولدي؟مايا خالد
زينب بقسوة : ده الولد اللي رميته وهو نطفة، وجاي النهاردة عشان يهد ملكك ويمحي اسمك، زي ما حاولت تمحي شرفي.
ياسين قرب من أبوه، ووشوشه في ودنه: متفرحش بجيّتي يا حاج جبل.. أنا مش جاي أقولك يا بوي، أنا جاي أدفنك في الأرض اللي ظلمت فيها أمي. جبل حس بإن الحيطان بتضيق عليه، والمنادرة اللي طول عمره بيحكم فيها بالعدل والظلم، بقت سجن ضيق. بص لرجالة النجع اللي واقفين مذهولين، وزعق فيهم بصوت طالع من محروق: براااااا.. الكل برا!
لما الكل خرج ومفضلش غير جبل وزينب وياسين، جبل قرب من ياسين وعينه ماليانة دموع محبوسة، مد يده عشان يلمس كتف ابنه، بس ياسين نفض يده بقوة خلت جبل يترنح.
ياسين بفحيح : يدك دي اللي شايلة السلاح عشان تقتل أمي، متمسنيش.. أنا دمي منك، ودي الغلطة الوحيدة اللي مش هسامح ربي عليها.
جبل بكسرة : والله يا ولدي ما كنت أعرف.. الواشين والكلاب سمموا ودني، قالوا لي إن زينب شافت غيري، والورق والشهود كانوا قدامي زي الشمس. أنا عشت سنين بموت في اليوم ألف مرة، وكل ما أبص في خلقتك في المراية، كنت بفتكرها وألعن نفسي.
زينب بضحكة مسمومة : دلوقتي بقيت بتلعن نفسك؟ فين كان عقلك يا كبير الهوارة وأنت بتطردني في نص الليل؟ فين كانت رجولتك وأنا بستحلفك بـ عرضك إنك تسمعني؟ أنت مكنتش عايز الحقيقة، أنت كنت عايز ترضي كبرياءك وبس.
زينب قربت من جبل، وطلعت من شنطتها رصاصة قديمة، وحطتها في يده.
زينب: فاكر دي؟ دي الرصاصة اللي جرت ورايا يومها وجت في كتفي. أنا محتفظة بيها سنين عشان أردها لقلبك بيدي.. بس لقيت إن ابني هو الرصاصة الأغلى، اللي هتقتل كرامتك وتورثك الندم وأنت حي.مايا خالد
جبل بص لياسين بلهفة: يا ولدي، السراية دي ملكك، والنجع كله تحت رجلك.. بس اديني فرصة واحدة أكفر عن ذنبي.
ياسين ببرود يقتل : السراية دي أنا هاخدها بوضوح القانون، والنجع ده أنا هشتري أراضيه فدان فدان لحد ما تبقى غريب فيه. أما بويا فده لقب مات يوم ما حاولت تقتل أمي. من النهاردة، أنا المنافس بتاعك، وأنا اللي هكسر عينك قدام الخلق.
ياسين لف ضهره ومشي بخطوات واثقة، وزينب وقفت لحظة قدام جبل، بصت في عينه المكسورة وقالت له: السم اللي في قلبي يا جبل، ملوش ترياق.. دوق من نفس الكاس.
سابت جبل واقف في نص المندرة، رجليه مش شايلة جسمه، وقع على الكرسي الكبير وهو بيحس بشلل في حركته، مكنش عارف يفرح بإن عنده سبع زي ياسين، ولا يحزن بإن السبع ده جاي عشان ينهش في لحمه.جبل فضل قاعد مكانه لساعات، ملامحه اللي كانت زي الصخر بدأت تتشقق. نده على دراعه اليمين، عطوة ، اللي دخل وهو رقبته في الأرض من هول اللي شافوه.
جبل بصوت مبحوح : عطوة.. تجيب لي منصور الطحان من تحت طقاطيق الأرض. هو ده اللي شهد زور، هو ده اللي خلاني أرمي نوارة حياتي في النار. تجيبهولي حي أو ميت، النهاردة قبل بكرة!
على الناحية التانية، زينب كانت قاعدة في البيت اللي أجرته في طرف النجع، بيت بسيط بس هي خليته زي القلعة. ياسين كان واقف قدام الشباك بيبص على أراضي الهوارة والغل بياكل في قلبه.
ياسين: ليه يا أمة محستش بالراحة لما شفت كسرة عينه؟ كنت فاكر إن ناري هتبرد، بس لقيت قلبي بيغلي أكتر.
زينب بصت له بقوة : عشان الكسرة دي مش كفاية يا ياسين. اللي يكسر الوجع هو الذل . لازم يشوفك وأنت بتاخد منه كل حاجة، لازم يعرف إن الخاينة اللي طردها هي اللي ربت الراجل اللي هد عرشه.
وفجأة، الباب خبط بقوة. ياسين فتح وهو حاطط يده على سلاحه، لقى جبل واقف، من غير حراسة، من غير شال، ومن غير كبرياء.
جبل بص لياسين بنظرة استعطاف : مش جاي أطلب سماح، أنا عارف إن ذنبي ملوش مغفرة. بس جاي أقولك حاجة واحدة.. الورق اللي معاك ده ملوش لازمة، أنا النهاردة تنازلت لك عن كل ما أملك بمحض إرادتي في الشهر العقاري. السراية، والأرض، والمال.. كله بقى باسم ياسين جبل الهواري .
زينب طلعت على صوته وقالت بسخرية: فاكر إنك بفلوسك هتشتري سكوتنا؟ ولا فاكر إن الورث هيمحي دموع السنين؟
جبل بص لزينب بكسرة : لا يا زينب، أنا بعمل كدة عشان لما أموت -وأنا حاسس إن ساعتي قربت- ميبقاش فيه حاجة تربطني بالدنيا غير إن ابني ياخد حقه وهو رافع راسه. أنا جبت لك منصور الطحان مربوط في السراية، والاعتراف اللي هيقوله قدام النجع كله بكره هو اللي هيرد لك اعتبارك قدام الخلق، وبعدها.. اعملوا فيّ اللي تعوزوه.
ياسين بص لأبوه وبص لأمه، لقى نفسه مشتت بين غله وبين دموع الراجل اللي شايل ملامحه. جبل سابهم ومشي وهو بيجر رجليه، وفي نص السكة وقع ساجد في الطين وهو بيصرخ صرخة مكتومة هزت النجع.الليل في الصعيد ملوش أمان، صرخة جبل في وسط الطين خلت الكلاب تنبح في كل النجع. ياسين مكنش قادر يتحرك من مكانه، رجله متثبتة في الأرض، بس عينيه كانت بتراقب أبوه وهو بيحاول يقوم ويفشل.
زينب بصوت يرتعش : سيبه يا ياسين.. خليه يدوق طعم العجز اللي دوّقهولي وأنا شايلة فيك ومش لاقية لقمة تبل ريقي.
بس ياسين، اللي رضع العزة من زينب، لقى نفسه من غير وعي بيجري ناحية أبوه. نزل على ركبه في الطين، ومد يده يسند جبل. جبل لما حس بلمسة يد ابنه، مسك فيها كأنه غريق لقى قشة.
جبل بصوت يادوب مسموع : اقتلني يا ياسين.. بس متمشيش وتخليني لوحدي.. أنا شفت موتي في عيونك النهاردة، والموت على يدك رحمة.
ياسين بصوت غليظ ومخلوق : قوم يا حاج جبل.. الموت راحة وأنت لسه حسابك معايا مخلصش. أنا مش عايز ورثك، ولا عايز سرايتك.. أنا عايزك تعيش وتشوفني وأنا بكسر كل اللي بنيته، بس وأنت واقف على رجلك، مش مرمي في الطين.
شاله ياسين بقوته، ودخله السراية وسط ذهول الحراس اللي مش عارفين يضربوا سلام لمين، للكبير القديم ولا للنسخة الشابة اللي شايله بوجع.
في المندرة، كان منصور الطحان مربوط وسلسلة الحديد في رقبته. أول ما شاف زينب داخلة وراهم، ووشها زي البدر في ليلة سودة، صرخ بخوف:
حقك عليّ يا ست زينب! والله جبل هو اللي عمى عيني بفلوسه.. لأ، ده الواشين هم اللي لعبوا بدماغنا!
جبل، وهو مسنود على الكرسي، بص لمنصور بغل وقال:
انطق يا كلب.. قول قدام ابني، مين اللي دفع لك عشان تزور الورق؟ مين اللي كان عايز يخلص من زينب ويحرق قلبي عليها؟
منصور وهو بيترعش : كانت… كانت هنية مرتك التانية يا جبل بيه! هي اللي خافت زينب تجيب لك الولد وتورث السراية، فاتفقت معايا نرمي عليها تهمة الخيانة عشان تطلقها أو تقتلها وتخلص منها!
الكلمة نزلت على جبل زي مية النار. هنية ؟ اللي عايشة معاه في السراية سنين، اللي كانت بتواسي فيه وهي اللي دابحة قلبه؟
زينب وقفت قدام جبل، وابتسامة نصر مريرة على شفايفها:
عرفت يا جبل؟ قتلتني وعشت مع القاتلة الحقيقية في بيت واحد. ظلمت اللي صانتك، وعمرت مع اللي خانتك في غيبتك. ده البرهان اللي كنت بتدور عليه، بس جه بعد ما العمر فات.
ياسين ساب يد أبوه، وبص له بنظرة أخيرة قبل ما يلتفت لمنصور الطحان وبصوت زي الرعد قال:
أما أنت يا منصور.. فحسابك معايا أنا. والست هنية اللي في السراية فوق، تنزل هنا دلوقت بحجابها، عشان نتحاسب على الشرف اللي اترمى في التراب. صراخ هنية وهي نازلة على السلالم بين يدين رجالة السراية كان مسمع لآخر النجع، كانت بتولول وتخبط على صدرها زي النسوان في المآتم، بس عين زينب كانت مرشقّة فيها زي السهم، عين مفيهاش ذرة رحمة.
رموها تحت رجلين جبل، اللي كان وشه قالب ألوان، عروق رقبته كانت هتنفجر من الغيظ والقهر. بص لها جبل بصة خلت ركبها تخبط في بعض، وبصوت طالع من قاع الجحيم قال:
عشر سنين وأنا واخد الحية في حضني؟ عشر سنين بآكل وأشرب معاكي وأنتِ اللي دبحتي عمري؟
هنية وهي بتبكي بشهقة مكتومة :
سامحني يا جبل.. خفت، خفت تاخدك مني، خفت تجيب الولد وتنساني، أنا حبيتك واصل.. والحب بيعمي القلوب!
زينب قربت منها ودست راسها في الأرض بصوت واطي :
الحب اللي يخليكي ترمي عرض ولية زيّك في الوحل ميبقاش حب، يبقى نجاسة. شفتي ربنا كبير كيف؟ لفيتي لفتك ورجعتي تحت رجلي، والولد اللي كنتِ خايفة منه، جه وواقف يهد السراية فوق راسك.
ياسين كان واقف بعيد، مربع إيده، عينه بتبدل بين أبوه المكسور وبين الست اللي كانت سبب في يتمه وهو حي. مشي بخطوات تقيلة لحد ما وقف قدام أبوه.
ياسين: سمعت يا جبل بيه؟ سمعت الحقيقة اللي كانت تحت نخرتك وأنت عامل فيها كبير النجع؟ دلوقت، السراية دي ميدخلهاش واصل حد من ريحة الست دي. هنية تخرج من هنا بعبايتها اللي عليها، وتترمي في المخروبة اللي جت منها، والنجع كله يعرف إنها هي اللي خانت الأمانة.
جبل بصوت مكسور : واللي تأمر بيه يا ولدي.. السراية دي من اللحظة دي، مفيهاش غير ست واحدة، هي زينب الهواري. قسماً بالله يا زينب، لو عايزة رقبتي سدادة للظلم اللي شفتيه، لقطعها بيدي قبل ما يطلع الصبح.
زينب بشموخ : رقبتك متهمنيش يا جبل، السنين اللي ضاعت مش هترجع بدمك. أنا عايزة حاجة واحدة.. عايزة النجع كله يجمع الصبح، ومنصور الطحان والست دي يتحاسبوا قدام الخلق، والكل يعرف إن زينب اللي طردتها، رجعت وهي شايلة شرفك ووريثك.
التفتت زينب لياسين وقالت له: يا ولد جبل.. خد بيدك أبوك، وديه أوضته.. كفاية عليه ذل لحد كدة النهاردة.
جبل بص لزينب بذهول، مكنش متوقع إنها لسه بتخاف عليه بعد كل اللي عمله. أما ياسين، فمسك يد أبوه، بس المرة دي مكنتش مسكة قهر، كانت مسكة فيها ريحة الدم اللي بيحن، رغم كل الوجع.
طلع ياسين مع أبوه، وفضلت زينب واقفة في نص المندرة، بصت للحيطان، للصور، للكرسي اللي كانت بتحلم تقعد عليه وهي عروسة. مسحت دمعة هربت من عينها وقالت بمرارة: رجعت يا جبل.. بس رجعت والقلب فيه سم، مش عارفة الأيام هتقدر تدويه، ولا السم هيحرقنا كلنا؟
طلع الصبح على نجع الهوارة وهو شايل خبر مكنش حد يتخيله، المنادي لف في الشوارع ينبه على الكبير والصغير يحضر في ساحة السراية. الكل جه، اللي شمتان واللي مذهول، والهمس زاد لما شافوا جبل الهواري واقف وفي ريحه شاب زي الصقر، وزينب واقفة فوق في البلكونة زي الملكة، لابسة توبها الصعيدي وشالها الحرير، وعينيها بتلمع بنصر مر.
جبل وقف قدام الناس، وبصوت هز الجدران قال:
يا هوارة.. أنا النهاردة مش جاي أحكم، أنا جاي أتحكم لي. جبل الهواري اللي كنتوا بتسمعوا كلمته، انضحك عليه من حية عاشت في وسطه، وظلمت مرتي وشريكة عمري زينب، وطردتها وهي حبلى في وريثي.
النجع كله سكت، مفيش غير صوت الهوا. جبل شاور على ياسين وقال:
ده ياسين جبل الهواري.. ابني اللي اتحرمت منه سنين، واللي جاي النهاردة ياخد حقه وحق أمه. ومنصور الطحان وهنية، حسابهم هيكون قدامكم، عشان الكل يعرف إن العرض ملوش غير تمن واحد عند الصعايدة.
ياسين نزل من الساحة، ومسك هنية من يدها ورمى قدامها شنطة هدومها القديمة اللي جت بيها السراية أول يوم. وبصوت فيه جبروت قال:
أنتِ ملكيش حساب بالدم، لأن دمي ميتلوش بواحدة زيك. أنتِ حسابك النبذ .. تخرجي من النجع ده، ولو رجلك خطت حدوده تاني، هيدفنك التراب اللي مشيتي عليه.
هنية خرجت والكل بيحدفها بالكلام واللعنات، ومنصور الطحان اتاخد للمركز يتربى على شهادة الزور.
بعد ما الناس مشيت، والسراية هديت، جبل طلع لزينب فوق. وقف قدامها والمسافة بينهم سنين وقهر.
جبل بهمس : برد نارك يا زينب؟ رديتي اعتبارك قدام النجع كله.. دلوقت، هل فيه مكان في قلبك للغفران؟
زينب بصت له ببرود : الاعتبار رده ابني بوجوده، مش أنت بكلامك. أما قلبي يا جبل، فالسنين اللي عشتها في الخوف والفقر والوحدة، قست عروقه. أنا هعيش هنا، في السراية، عشان ابني ميبقاش غريب في ملك أبوه، لكن أنت في طريق وأنا في طريق.
جبل: حتى لو بقيت خادم تحت رجلك؟
زينب بضحكة وجع : الخدم كتير يا جبل بيه، بس الوفا لما بيتدبح، ملوش دية. عيش وشوف ابنك بيكبر قدامك، وشوفني وأنا الست اللي بتدير كل حاجة من ورا الستار، ودي أقصى أمانيك اللي مسموح لك بيها.
ياسين كان واقف ورا الباب، سامع كلام أمه، وشايف كسرة أبوه. دخل عليهم وفي إيده مفاتيح السراية اللي جبل سلمهاله.
ياسين: يا بوي.. يا أمة.. السراية دي من اللحظة دي مفيهاش كبير غير الحق. ومن بكره، أراضي الهوارة هتبقى شركة كبيرة باسمنا إحنا التلاتة. الندم مش هيرجع اللي فات، بس الشغل هو اللي هينسينا الوجع.
جبل حس إن ابنه بيحاول يرمم اللي انكسر بطريقته، بص لزينب ولقى في عينيها لمعة كانت انطفت من زمان، لمعة تحدي بس فيها ريحة عشرة قديمة.مرت الشهور، والسراية ملمحها اتغير.. مابقيتش دار للكبير اللي بيأمر وينهي بس، بقت خلية نحل بيديرها ياسين بفكره الجديد وقوة أمه، وجبل قاعد في المندرة، عين على الأرض وعين على زينب اللي كانت بتمر قدامه زي الطيف، لا بتكلمه ولا بتبصله، كأنه هوا .
وفي يوم، ياسين كان راجع من الأرض وشاف أبوه قاعد في ركن لوحده، ماسك سبحته وعينه دبلانة. قعد جنبه لأول مرة من غير ما يكون في صوته نبرة التحدي.
ياسين: تعبان يا بوي؟
جبل بابتسامة باهتة : التعب في القلب يا ولدي، مش في الجسد. اللي يوجعني إن الدار بقت ملكي بالاسم، لكن روحها مش طايقة وجودي. أمك يا ياسين.. عقلها سمح، لكن قلبها قفل بوابته ورمى المفتاح في بحر ملوش آخر.
ياسين: حقها يا بوي.. اللي شافته مش قليل. بس هي برضه بتسأل عليك من ورايا، بتسأل أكلت ولا لسه، خدت دواك ولا نسيت. زينب لسه بتحبك، بس الكرامة عندها واعر من الحب.
في اللحظة دي، دخلت زينب وشافتهم قاعدين مع بعض. كانت شايلة صينية قهوة، حطتها قدام ياسين وبصت لجبل بجمود، بس يدها ارتعشت وهي بتحط الفنجان قدامه.
زينب: ياسين.. المكن الجديد وصل، قوم شوف المهندسين، وأنا هقعد مع أبوك شوية.. فيه كلام لازم يتقال.
ياسين بص لهم، وفهم إن دي لحظة المواجهة الأخيرة. انسحب بهدوء، وفضل جبل وزينب لوحدهم. الصمت كان تقيل، لحد ما زينب اتكلمت وصوتها فيه بحة وجع قديم.
زينب: ليه يا جبل؟ ليه سلمت ودنك للغير؟ أنا كنت عيلة يتيمة، ماليش في الدنيا غيرك، كنت بشوف فيك الأب والسند قبل الجوز.. ليه هانت عليك تفرط فيّ بالسهولة دي؟
جبل والدموع نزلت من عينه لأول مرة : الغيرة يا زينب.. الغيرة كانت بتاكل في قلبي زي النار. كنت بشوفك حلوة زيادة، والكل بيبصلك، والواشين لعبوا على الوتر ده. قالوا لي زينب مش ليك ، زينب عينها لبره . عموني يا زينب، عموا عيني وسدوا ودني، ومن يوم ما مشيتي والنور انطفى من السراية ومن قلبي.
قام جبل من مكانه، ووقف قدامها، وطلع من جيبه منديل قديم كان لسه فيه أثر دم خفيف.. دمها يوم ما انضربت بالرصاص.
جبل: المنديل ده مغسلتهوش يا زينب.. كنت كل ليلة بشمه وأبكي، وأقول يا رب لو ظلمتها احرقني بناري. وربنا استجاب، وحرقني ببعدك وحرمان ولدي مني. أنا مش طالب إنك ترجعي لي مراتي ، أنا طالب بس إنك تسامحيني عشان أقابل ربي وأنا خفيف.
زينب بصت للمنديل، وبصت لجبل اللي هيبته انكسرت قدامها. مدت يدها وخدت المنديل، ومسحت بيه دمعة نزلت من عينها.
زينب: السم اللي في قلبي بدأ يبرد يا جبل.. مش عشانك، عشان النسخة اللي سبتهالي وبرأتني قدامك. ياسين هو اللي غسل وجعي. وعشان خاطره، وعشان اللقمة اللي أكلناها سوا في الحلال زمان.. أنا مسمحاك يا جبل. بس متبقاش طماع، السنين اللي انكسرت، مبيصلحهاش كلام.
جبل حس بإن جبل وانزاح من فوق صدره، باس راسها بدموع ونفس طويل.
جبل: كفاية عليّ الكلمة دي يا زينب.. كفاية إني هعيش اللي باق لي وأنا شايفكم قدامي. النجع كله اتقلب حاله، وبقت السيرة اللي على كل لسان مش خيانة زينب ، لكن جبروت ياسين وعودة الحق لأصحابه. ياسين قرر ينهي الحكاية بمشهد يخلي الصعيد كله يتحاكى بيه، مشهد يمسح فيه آخر أثر للدموع والكسرة.
ياسين وهو واقف في وسط المندرة :
يا بوي.. يا أمة.. إحنا عيشنا في الضلمة كتير، والنهاردة النور لازم يدخل كل ركن في السراية. أنا قررت أعمل أكبر ليلة شافها النجع، ليلة رد اعتبار ليكي يا أمة، وليلة فرح بمشروعاتنا الجديدة اللي هتشغل شباب الهوارة كلهم.
زينب بصت لياسين بفخر، وجبل لأول مرة يبتسم من قلبه. وفعلاً، بدأت التجهيزات، الذبائح اتدبحت، والزينة اتعلقت من أول مدخل النجع لحد باب السراية.
في ليلة الفرح، المزمار البلدي كان بيعزف ألحان النصر. ياسين كان لابس القفطان الصعيدي والشال الكشمير، واقف يرحب بالناس وكتفه في كتف أبوه. جبل كان بيبص لياسين ويقول في نفسه: سبحان اللي وهبني السبع ده من صلب المظلومة . ماياخالد
أما زينب، فكانت قاعدة في وسط النسوان، لابسة دهبها اللي ياسين جابهولها، ووشها منور زي البدر. وفجأة، ياسين دخل عليها وخدها من يدها وطلع بيها للبلكونة الكبيرة اللي بتطل على الساحة.
ياسين بصوت عالي خلى المزمار يسكت والكل يرفع راسه :
يا أهالي النجع.. الست دي هي شرف الهوارة، وهي اللي ربت وعلمت، وهي اللي صانت اسم أبوي في غيبته وفي ظلمه ليها. اللي يميل عينه عليها بكلمة، كأنه ميلها على ياسين جبل الهواري!
الناس كلها هتفت باسمها، وجبل طلع ووقف جنبهم، ومسك يد زينب وباسها قدام الكل، في حركة هزت مشاعر الصعيد كله، وكأنه بيعتذر لها قدام الدنيا كلها.
جبل بهمس لزينب :
السم راح يا زينب؟
زينب بابتسامة صافية لأول مرة :
راح يا جبل.. مفيش سم بيعيش في قلب فيه ولد زي ياسين.
وفي وسط الفرح، عيون ياسين وقعت على بنت غريبة واقفة بعيد، عيونها كانت بتلمع وهي بتبص عليه بإعجاب وخجل.. بنت كبير نجع تاني كان بينه وبين جبل عداوة قديمة، وكأن القدر عايز يبتدي حكاية جديدة، بس المرة دي حكاية حب تبني جسور مش تهدم بيوت.
ياسين ابتسم في سره وقال: الظاهر إن السراية دي مش هتهدى واصل يا جبل الهواري.
وانتهت الليلة، والنجع نام وهو مطمن إن فيه كبير جديد، قلبه حديد بس عقله بيعرف يفرق بين الحق والباطل، وإن البرهان الحي مكنش بس ملامح جبل، لكن كان أصل زينب اللي غلب كل شر.
تمت.