رواية جديدة الليل الذي جمعنا

رواية جديدة الليل الذي جمعنا

الليل الذي جمعنا

 

كانت الصمت الوحيد الذي يملأ الشقة الصغيرة في منطقة الزاوية الحديدية بالقاهرة هو صوت ضربات قلبها، وكلام الأم الذي يردد من جهة الغرفة الأخرى عن الحاجة إلى تحديد موعد عرس قبل أن تبلغ من العمر الخامسة والعشرين. لمسة ياسمين كانت تساعد الأم في تدليك العظام المتعبة، ودموعها تسيل ببطء تحت عيونها المغمضتين، تحاول أن لا ترى الألم في عينيها.

“يا بنت العزيزة، أنا ما أطلبش غير خير لك”، قالت الأم بصوت هادئ، وتدليكها أصبح أبطأ. “البلد ده مش هيناسب المرأة اللي متخلفة عن زواجها، وتعرفين إن والدنا كان يحبك كتير ويبيك تتزوجين من رجل كويس.”

ياسمين ابتسمت برهة، ودفعت شعرها الزنجابيل اللون إلى الخلف. كانت تعمل كمعلمة في مدرسة إبتدائية في نفس المنطقة، وتقضي معظم أيامها بين أطفال يحاولون فهم أحرف الأبجدية، بينما كانت هي تحاول فهم معنى الحياة التي يفرضها عليها المجتمع. كان عمرها أربعة وعشرون سنة، ولكنه كان يبدو وكأنه مئة سنة في ظل الضغوطات التي تتلاقى بها من كل جهة.

في يوم من الأيام، بينما كانت تسير إلى المدرسة عبر الشارع الضيق المحاط بالحانات والمتاجر الصغيرة، صادفت رجلاً يدفع عربة مليئة بالأعمال الفنية الخشبية. كانت الأشياء تنتشر على الأرض بعد أن انحرفت العربة عن مسارها، فسارعت للمساعدة دون تفكير.

“شكرًا جزيلًا، يا ست”، قال الرجل بروح خفيفة، وبدأ يجمع قطع الخشب المنقولة. كان وجهه واسع الابتسامة، وعيناه ذات لمسة من الحكمة التي لا تتناسب مع عمره الذي يبدو أنه يتراوح بين الخامسة والعشرين والثلاثين.

“لا شكر على واجب، يا سيدي”، أجابتها ياسمين براحة، وتستطاعت أن ترى أنه يصنع أدوات منزلية وأعمال فنية بيديه. كانت تحب الشيء اليدوي، فهي نفسها كانت تقوم بعمل منديلات خزفية في أوقات فراغها لتساعد في تكاليف المنزل.

“اسمي كمال”، قال وهو يمتد يده للتقبيل. “أنا بصنع هذه الأشياء لأبيعها في الأسواق الشعبية، ومحاول أفتح محل صغير لو سمح الله.”

“ياسمين، أنا معلمة في المدرسة المجاورة”، أشارت إلى المدرسة الحمراء الجدار التي تطل على الشارع. “هل أقدر أساعدك تحمل العربة للمنزل أو للمكان اللي بتبي تعمل فيه؟”

كمال ابتسم مرة أخرى، ورفع رأسه إلى السماء الملبدة بالضباب. “إذا ما تمانعت، ممكن نروح إلى محل صغير بقرب هنا، بيع بيض وبسكويت، ونستريح شوية قبل ما أروح للعمل.”

لم تكن تؤمن بالصداقات المفاجئة، لكن شيء ما في ابتسامه وجرأة كلامه جعلها توافق. بينما كانا يجلسان في المحل الصغير، وتشربان شايًا ساخنًا، بدأ يحدثها عن حياته: كيف ترك دراسته في السنة الثانية من كلية الهندسة لأنه لم يستطع تحمل تكاليف الدراسة، وكيف تعلم فن التصنيع الخشبي من جده الذي كان يعمل به قبل أن يمت.

“الجماعة بتاعتنا اللي ما عندها فلوس ولا علاقة، لازم نعمل جهد أوي عشان نحيا”، قال كمال وهو يصرخ قليلاً ليتمكن من سماع صوته فوق ضوضاء الشارع. “لكني متقاعدش على الحظ، محاول أطور نفسي وأتعلم حاجات جديدة كل يوم.”

ياسمين كانت تحس بأنها تتحدث إلى شخص تعرفه من زمن بعيد. كانت هي نفسها تعاني من نقص المال، وتسعى دائمًا لتحسين حياتها وحياة أهلها، لكن المجتمع الذي تعيش فيه كان يفرض عليها أن تكون متقنة وأن تنتظر الفرصة المناسبة بدلاً من البحث عنها.

1 2 3 4الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *