رواية جديدة الليل الذي جمعنا
رواية جديدة الليل الذي جمعنا
بدات علاقتهما تتطور ببطء، وكأنه نبات ينمو في ظل الرياح القوية. كانا يجتمعان كل يوم بعد انتهاء عملهما، إما في المحل الصغير، أو في حديقة صغيرة بالقرب من النيل، أو في شقتها عندما تكون الأم في الزيارة للجدات في محلة الصوفية.
كانت الأم تعرف على كمال، ولكنها لم تكن على رأي العلاقة. “هو راجل طيب، لكن ما عندو ولا عمل ثابت ولا منزل ولا علاقة”، قالتها ذات يوم بينما كانتا تطبان الخبز في المطبخ الصغير. “أنتي بنت محترمة، لازم تتزوجين من راجل كويس، يكون عندو عمل ومستوى.”
ياسمين غضبت، وضغطت الخبز بقوة حتى تغير لونه إلى اللون الداكن. “المستوى ده إيه يا أمي؟ المستوى اللي بتقوله هو فلوس ولا قلب طيب؟ كمال بيعمل جهد أكتر من أي راجل تقدر تعرفيه، وهو بيدعم أهلته وهو بنفسه محتاج للدعم.”
الأم سكتت، ودفعت يدها فوق يدها. “أنا ما أبيش غير خير لك يا بنتى، لكني عارفة كيف الحياة بتتحمل المرأة اللي ما تكونش عندها ميزات.”
كانت تلك الحديثات تجعلها تشعر بالحزن، لكن علاقتها بكمال كانت تعطيها قوة. كانوا يتحدثان دائمًا عن مستقبلهم: كيف سيعملان معًا لفتح محل للعمال الفنية والمنتجات اليدوية، وكيف سينشئان أسرة مبنية على المحبة والاحترام المتبادل.
في يوم من الأيام، دعاها كمال للذهاب إلى معرض فني صغير في منطقة المعادي. كانت هي أول مرة تشاهد مثل هذا المعرض، حيث كان يعرض أعمال فنية من يد شبان من مختلف أنحاء البلاد، يعملون في المجالات المختلفة كالرسامية والتصنيع والخياطة.
“هنا كل واحد بيحاول يعبّر عن نفسه ويوصل رسالته للجمهور”، قال كمال وهو يشير إلى لوحة رسمية تعبر عن الفقر والصراع في الشوارع. “أنا أريد أكون منهم، أريد أعمل أعمال تعبر عن حياتنا وعن التحديات اللي بنواجهها.”
ياسمين نظرت إلى الوجه الذي يضيء عندما يتحدث عن شغفاته، وقررت أن تساعده بكل ما تستطيع. بدأت تعمل على تصميم ملابس يدوية بتصاميم فريدة، وتساعدته في تسويق أعماله على مواقع التواصل الاجتماعي. بدأ عدد العملاء يزداد، وكانت هناك فرصة لفتح محل صغير في منطقة باب الشعرية، التي كانت تُعرف بتركيز المتاجر الشعبية والفعالية التجارية العالية.
لكن التحديات لم تنتظر طويلاً. عندما علم أهل كمال بالعلاقة، رفضوا إعترافها نهائيًا. “هي بنت من طبقة مختلفة، وإن شاء الله هي متزوجة من راجل كويس قبل ما نحطم عليها حياتها”، قال والد كمال بصوت شديد، وهو يقف في منزله الصغير في منطقة الشبرا. “أنت لازم تركز على عملك وتحافظ على سمعة العائلة.”
كمال لم يكن مستعدًا للتخلي عن ياسمين، فقال: “السمعة ده إيه يا أبي؟ السمعة اللي بتقولها هي تبع المجتمع اللي بيفصل الناس حسب المال والعلاقات، أما ياسمين فهي أحسن ما في الناس، وهي بتدعمني وتؤمن بي.”
الحديث انتهى بصراع، وطرد والد كماله من المنزل. كان كمال لا يملك مكانًا للذهاب، فقرر البقاء في مكان عمله الصغير الذي كان يستخدمه كورشة لتصنيع أعماله. عندما علمت ياسمين بذلك، دفعت له للايجار في شقة صغيرة بالقرب من محل العمل المقترح، وتساعدته في ترتيبها وتجهيزها.
كان ذلك الوقت صعبًا جدًا على كليهما، لكنه جعل علاقتهما أقوى. كانوا يعرفان أن المجتمع لا يُقبل علاقتهما، وأن التحديات ستظل قائمة، لكنهم قرروا أن يواجهواها معًا.