حارة الدخاخنى القسم الاخير
حارة الدخاخنى القسم الاخير
لم تكن الفوضى التي اندلعت في موقع التسليم هي نهاية اللعبة كما ظن الجميع، بل كانت اللحظة التي سقطت فيها الأقنعة عن الوجوه، وبدأت فيها حسابات قديمة تُصفّى بطرق لم يتوقعها أحد.
وسط أصوات الړصاص وصيحات رجال الشرطة بعد هروب عزام، ظل حمزة يتابع تأمين المكان بعينين يقظتين، بينما كان عقله في مكان آخر تمامًا.
لم يكن يشغله صالح، ولا عزام، ولا حتى النظرات التي لاحقته من رجال المنظمة، بل كانت ملك هي كل ما يفكر فيه الآن.
ثلاثة أشهر كاملة قضتها حبيسة مكان لا تعرف إن كانت ستخرج منه يومًا، وثلاثة أشهر عاش خلالها الجميع على كڈبة مۏتها والآن، بعدما انتهى الجزء الأكبر من مهمته، لم يعد هناك ما يجبره على تركها تحت رحمة رجال صالح ولو لدقيقة واحدة.
اقترب منه أحد الضباط، وكان يتابع معه ما يجري حولهما، فسأله حمزة بلهفة حاول إخفاءها خلف نبرة عملية
كل حاجة تحت السيطرة؟
أومأ الضابط
الرجالة اللي هنا أغلبهم اتقبض عليهم، وفيه قوة تانية بتتحرك عشان تطارد عزام دويدار.
توقف حمزة للحظة، ثم سأله
المكان اللي ملك محپوسة فيه، اتأكدتوا إنه لسه فيه رجالة؟
أجابه الضابط
آخر المعلومات بتقول إن فيه حراسة موجودة، لكن مش عارفين عددهم بالضبط.
تبدلت ملامح حمزة، والضابط يخبره
حمزة، انا عارف إنك عايز تروحلها بس إحنا لسه بنلم الدنيا هنا، وأي تحرك لوحدك ممكن يعرضك للخطړ.
مش هتحرك لوحدي، بس مش هقدر أستنى لحد ما الدنيا تخلص هنا.
تأمله الضابط للحظات، وكأنه فهم من نبرة صوته أن الأمر لا يحتمل مزيدًا من النقاش، ثم استدعى اثنين من رجاله وأخبرهما بالمهمة المطلوبة منهما، قبل أن يلتفت إلى حمزة
خلي بالك، وأول ما توصل للمكان محدش هيتصرف من دماغه، مفهوم؟
أومأ حمزة
مفهوم.
تحركوا، بينما بقيت عينا حمزة معلقتين بالطريق أمامه.
قبض يده بقوة، وأعاد إلى ذهنه آخر حديث دار بينهما في الحديقة.
كانت تنظر إليه يومها بعينين أنهكهما الخۏف، تسأله عن مصيرها بعدما اكتشفت أنها عاشت طوال الفترة الماضية داخل كڈبة كبيرة.
لم تكن تطلب منه أن ينقذها فحسب، بل كانت تريد أن تعرف إن كان هناك مكان في هذا العالم تستطيع أن تعيش فيه دون أن يقرر الآخرون عنها كل شيء.
وقد وعدها وحمزة لم يكن من النوع الذي يقطع وعدًا لا ينوي الوفاء به.
جاءت أصوات متداخلة من الداخل، أعقبها صياح حاد يأمر الموجودين بعدم الحركة، ثم تعالت أصوات اعتراض وارتباك حتى سيطر رجال الشرطة على الموقف.
تحرك حمزة نحو الداخل، يتبعه أحد أفراد القوة، حتى وصل الغرفة التي مكثت بها الشهور المنصرمة.
ما إن فتح الباب حتى ظهرت ملك جالسة بأحد الأركان، لم تتحرك للحظات، وكأنها لم تستطع استيعاب ما تراه.
ثم وقع بصرها على حمزة
حمزة؟
اقترب منها بسرعة، وجثا أمامها واحتواها بذراعيه، فراحت تتفحص وجهه
إيه اللي حصل؟ إنت كويس؟ إيه البوليس ده؟
تلاحقت أسئلتها، ولم تستطع أن تمنع الخۏف من الظهور في صوتها، فأمسك حمزة بيديها وقال بحزم ممزوج بالحنان
اهدي، أنا كويس، وصالح ورشوان ورجالتهم كلهم اتمسكوا.
توقفت أنفاسها للحظة، ثم سألت بصوت متردد
وو وبابا؟
نظر حمزة إلى عينيها مباشرة
اللعبة خلصت يا ملك، أو على الأقل كل الكروت اتكشفت، بس عزام بيه هرب هو ويوسف.
هزت رأسها بحزن على حال شقيقها، فانهمرت دموعها، واحنت رأسها وهي تحاول استعادة أنفاسها، فضمھا حمزة إليه مرة أخرى، وتركها تبكي دون أن يطلب منها التوقف.
كان يعرف أن الأشهر الماضية لم تترك لها فرصة حقيقية للشعور بالأمان، وأن مجرد سماعها بأن الأمر انتهى لن يمحو ما عاشته في لحظة واحدة