حارة الدخاخنى القسم الاخير

حارة الدخاخنى القسم الاخير

أمشي.
رفع عينيه إليها، فتابعت والدموع تنساب على وجهها
متخلينيش أضطر أحاربك إنت كمان عشان آخد حقي في إني أعيش. أنا مش بطلب منك غير حقي في إني أقرر مصيري ده لو فعلًا بتحبني.
ظل حسن ينظر إليها طويلًا، كان يستطيع أن يرفض، أن يتمسك بكونها زوجته، وأن يطالبها بأن تمنحه فرصة بعد كل ما عاناه. لكنه أدرك أن عودتها لم تكن وعدًا بعودة الحب، وأن المرأة التي أمامه تحتاج إلى أن تتحرر، لا إلى قيد جديد مهما كان اسمه.
تنفس بعمق، ثم قال
أنا قضيت شهور بتمنى اليوم اللي أشوفك فيه تاني. كنت فاكر إن لو رجعتي، كل حاجة هترجع مكانها، وإننا هنقدر نبدأ من جديد سوا.
ارتجفت شفتا ملك، فأكمل
بس أنا كنت بفكر في نفسي، في ۏجعي، وفي إني مش قادر أعيش من غيرك، مكنتش بفكر إنتي عايزة إيه.
اقترب منها، وجلس على المقعد المقابل لها
أنا مش هقرر عنك يا ملك زي عزام ورشوان، ولا هحبسك معايا ولا هخلي جوازنا يبقى سجن تاني ليكي.
رفعت رأسها إليه بذهول
يعني موافق؟
ابتسم ابتسامة حزينة.
موافق، وهسيبك تعيشي الحياة اللي إنتِدي عايزاها، حتى لو أنا مش جزء منها.
اڼهارت ملك في البكاء، بينما أطرق حسن برأسه، محاولًا السيطرة على الألم الذي اجتاحه.
بعد لحظات، سألته بصوت خاڤت
بس أنت لازم تطلقني عشان إحنا متحوزين شرعي.
رفع عينيه إليها، ورأى في وجهها رجاءً لم يستطع أن يرده
حاضر
نظر لها وبكى قبل أن ينطق
إنتي طالق يا ملك.
لم تكن هناك كلمات كافية لتوديع سنوات كاملة، ولا اعتذار قادر على محو ما حدث، ولا وعد يمكنه أن يضمن لهما أن الألم سينتهي قريبًا.
نهضت ملك، ووقفت أمامه
شكرًا يا حسن.
ابتسم لها بحزن.
متشكرينيش إنتي تستحقي تعيشي، بس عايزك توعديني بحاجة.
إيه؟
متخليش اللي حصل ېخوفك من الحياة، ابدئي من جديد فعلًا، وعيشي لنفسك المرة دي.
أومأت، ثم مدت يدها نحوه، فتردد لحظة قبل أن يمسكها، كانت تلك آخر مرة يمسك فيها يدها باعتبارها زوجته.
بعد مرور عامين…
وقفت ملك أمام المرآة في غرفتها الجامعية، تتأمل انعكاس وجهها بهدوء. لم تعد المرأة التي عاشت سنواتها الماضية مطاردة بالخۏف، ولم تعد تلك الفتاة التي كانت تجد نفسها دائمًا في قلب صراعات لم تخترها.
كان لها اسم جديد، وأوراق رسمية جديدة، وحياة لا يعرف عنها أحد من ماضيها شيئًا سوى القليل ممن ساعدوها على البدء من جديد.
في الخارج، كانت أصوات الطلاب تتعالى في أروقة الجامعة، بينما استقرت فوق مكتبها كتبها ومحاضراتها وأوراق بحث تعمل عليها. اختارت أن تدرس بعيدًا عن بلدها، في مكان لا يحمل ذكريات تلاحقها عند كل زاوية، ولا يعرفها فيه أحد باسمها القديم
نانسي، هيا لنأكل أنا أتضور جوعًا.
حسنًا نيكول أنا قادمة.
أغلقت كتابها، والتقطت حقيبتها، ثم خرجت من الغرفة.
في طريق خروجها من قاعة الطعام إلي قاعة المحاضرات، توقفت أمام لوحة إعلانات الجامعة، حيث عُلقت أسماء الطلاب المشاركين في مشروع بحثي جديد. بحثت عن اسمها الجديد، وحين وجدته، ابتسمت ابتسامة صغيرة.
كان مجرد اسم على ورقة، لكنه بالنسبة إليها كان بداية حقيقية.
دخلت قاعة المحاضرات وجلست في مقعدها، ثم أخرجت دفترها وكتبت في الصفحة الأولى
هذه المرة، سأختار حياتي بنفسي، نانسي.
تأملت الجملة للحظات، وتوقيعها باسمها الجديد، فابتسمت ثم أغلقت الدفتر مع بدء المحاضرة.
لم تعد ملك التي تنتظر أن ينقذها أحد، ولم تعد أسيرة حكاية كتبها الآخرون عنها.
كانت إنسانة تحاول أن تتعلم، وأن تحب الحياة من جديد، وأن تصنع لنفسها مستقبلًا لا تحكمه أخطاء الماضي.
وفي تلك اللحظة، حين رفعت رأسها تستمع إلى أستاذها، لم تفكر
في عزام، ولا صالح، ولا في القپر الذي حمل اسمها يومًا، ولا حتى في حسن الذي تركها ترحل رغم حبه لها.
فكرت فقط في اليوم التالي، وفي المحاضرة التي ستدرسها، وفي المدينة التي بدأت تشعر أنها تنتمي إليها.
وللمرة الأولى منذ سنوات، لم يكن المستقبل مصدر خۏفها بل كان ملكها وحدها.
النهاية

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *