عقـ.ـيم

عقيم

لمحة نيوز

الحاجة نفيسة، بل كانت تبكي خوفاً من أن يتأثر مصطفى بهذا الجو المححون ويرى فيها مجرد عبء جديد.
عندما رجع مصطفى مساءً، لاحظ احمرار عينيها وآثار التعب على وجهها. جلس بجوارها على المائدة أثناء العشاء وسألها بلهجة دافئة لم تعتدها منه
مالك يا عايدة؟ أمي قالت لكِ كلمة ضايقتك؟
حاولت التملص
مفيش حاجة يا أستاذ مصطفى.. شوية بصل بس وأنا بسبك للأكل.
مسك مصطفى يدها بخفةوهي المرة الأولى التي يلمس يدها باختيارهوقال بصوت جاد
أنا عارف أمي كويس، وعارف إنها شديدة وممكن تدوس على القريب قبل الغريب عشان كبرياء العيلة. لو ضايقتك في حاجة قوليلي، أنا مش هسمح لحد يظلمك، حتى لو كانت أمي.
رفعت عايدة عينيها إليه، ونظرت له بتوسل
بالله عليك يا أستاذ مصطفى، بلاش مشاكل مع والدتك بسببي. هي ست كبيرة ومقامها عالي، وأنا مستحملة عشان خاطرك أنت بس. أنا مش عايزة أكون سبب خناق في البيت ده.
سكنت روح مصطفى في تلك اللحظة. بساطتها ونبل أخلاقها جعلته يقارن بينها وبين طليقته التي كانت تحول أصغر الهفوات إلى بركان ملتهب ينتهي بالإهانات. بدأ مصطفى يرى في عايدة ملاذاً، نخلة ثابته في أرض جافة.
مرت أربعة أشهر. كانت الحياة تأخذ مجراها الهادئ والجميل بين مصطفى وعايدة. تحول التفاهم الصامت إلى ود حقيقي، والود إلى اهتمام عميق. مصطفى الذي كان يخرج من المحل ثقيلاً هرباً من النكد، أصبح الآن يترقب لحظة العصر ليعود إلى بيته، حيث يجد الشقة تفوح برائحة البخور الزكي، وعايدة تتلقاه بابتسامتها الهادئة، وأكلاتها البسيطة المطبوخة بحب.
بدأت أسرار عايدة تنكشف له بالتدريج؛ وجدها تقرأ كتاباً قديماً باللغة العربية كانت تحتفظ به، ووجد أنها تمتلك ذاكرة متقدة وعقلاً راجحاً يسعفه بالرأي في تجارته وأموره. بدأ يطلب رأيها، وينصت لها بشغف.
في ليلة من ليالي الشتاء الباردة، كانا يجلسان أمام مدفأة صغيرة. قال لها مصطفى وهو ينظر للإناء الفخاري بين يديه
تعرفي يا عايدة.. أنا ساعات بحس إن ربنا حرمنا من الخلفة عشان يعوضني بيكي. أنا كنت فاكر إن الجواز دوشة وعيال وبس، بس اكتشفت إن السكن أهم من كل ده.
دمعت عينا عايدة، وقالت بصوت متهدج
أنت عندي بالدنيا يا مصطفى.. العيال أرزاق، لو ربنا كتبهم أهلاً وسهلاً، ولو مكتبهمش، أنت عيلتي ودنيتي.
لكن الظلال القديمة لم تكن لترحل بسهولة.
طليقة مصطفىوالتي ساءت حالتها النفسية بعد أن رأت استقرار مصطفى وعدم انهياره كما تمنتلم تتوقف عن بث السموم. علمت أن مصطفى يعامل عايدة بكل إحترام وأنه يتودد لها، فبدأت تبث شائعات جديدة في البلدة ده جاب بت فقيرة ومش متعلمة عشان تخدمه هو وأمه، ومفيش بينهما جواز حقيقي، ده مستأجرها عشان يغطي على عيبه!
وصل هذا الكلام للحاجة نفيسة، فاشتعل رأسها نادياً. جمعت الحاجة نفيسة العائلة مجدداً، ونادت مصطفى وعايدة لمجلسها.
قالت الحاجة نفيسة بصوت قاطع أمام محمود وزوجته
البلد مابتسكتش. والطليقة وقرايبها نازلين طعن في عرض البت وفي رجولتك يا مصطفى. الحل الوحيد إننا نسافر القاهرة، ونروح لدكتور كبير تاني، ونبدأ خطوات حقن مجهري أو أي زفت من اللي بيعملوه دلوقتي، حتى لو نسبتك صفر! لازم الناس تشوفنا بنحاول وبندخل مستشفيات وعيادات، عشان نكسر عينهم!
نهض مصطفى غاضباً
تاني يا أمي؟ تاني نلف على الدكاترة ونتبهدل عشان أفكار الناس وكلام السوق؟ التقرير معايا، والدكتور قال لي فرصتك صفر! أروح أبهدل نفسي وأهين مراتي في عيادات القاهرة عشان الستات تسكت؟ مش رايح في حتة!
وهنا، انطلقت عايدة من صمتها، وقالت بصوت هادئ ولكن قوي أذهل الجميع
بعد إذنك يا حاجة نفيسة.. وبعد إذنك يا أستاذ مصطفى.
التفت الجميع إليها. تابعت عايدة
أنا جاهزة أروح القاهرة مع الأستاذ مصطفى. مش عشان كلام الناس، ولا عشان نكسر عين حد.. الناس كده كده بتتكلم. بس عشان ربنا قال وابتغوا فيما آتاكم الله الدار الآخرة، والعلم بيتطور كل يوم. لو فيه أمل واحد في المليون، نعمل اللي علينا عشان ميبقاش في نفسنا حاجة. ولو مفيش، نكون عملنا اللي علينا ورضينا بقضاء ربنا وحكمه وأديك مسكت التقرير بإيدك وما يبقاش حد له حاجة عندنا.
نظر مصطفى إليها بدهشة. كانت عيناها تقولان له أنا معك، لن أتركك تواجه هذا الخوف وحدك.
في الأسبوع التالي، سافر مصطفى وعايدة إلى القاهرة. حجزوا موعداً لدى أكبر أطباء الذكورة والعقم في مصر، دكتور شهير في منطقة المهندسين.
كانت العيادة مكتظة بالمرضى، والوجوه تعتليها الحسرة والأمل المعلق بقشة. جلس مصطفى ممسكاً بيد عايدة، وجسده يرتجف. كانت ذكريات العيادات القديمة، والتحاليل القاسية، والكلمات الصادمة تعود لتطارده.
دخلوا إلى غرفة الدكتور. طبيب كهل ذو نظارات سميكة ووجه بشوش. أخذ الملف القديم، وقرأ التقارير الفحوصات المنيا وأسيوط، وحللها بعناية.
قال الدكتور وهو يضع أوراق الفحص جانباً
يا أستاذ مصطفى.. التقارير دي من سنتين. وقتها الفحوصات كانت بتقول إن العينة شبه معدومة، والفرص النسيجية تكاد تكون صفر. بس العلم في الخمس سنين الأخيرة اتطور جداً في المسح المجهري الدقيق للخصية MicroTESE. بالإضافة إن الحالة النفسية والضغط العصبي الشديد بياثروا بشكل مباشر على الهرمونات والدورة الدموية.
ثم نظر إلى عايدة وسألها
المدام عاملك ضغط يا أستاذ مصطفى؟
ابتسم مصطفى ابتسامة انكسار وقال
بالعکس يا دكتور.. المدام هي الحتة الوحيدة الشريفة والصافية في حياتي.
رد الدكتور بابتسامة
طب تمام. هنعمل مسح مجهري متطور جداً بأجهزة حديثة نزل مصر من سنة بس.

الصفحة السابقة 1 2 3الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *