عقـ.ـيم

عقيم

الجزء الثاني
جلس مصطفى في المندرة الكبيرة بجامع العزايزة، المأذون يفتح دفتره العريض، وعن يمينه شقيقه محمود وعن يساره الحاج مرزوق، والد عايدة، الذي يبدو على ثيابه التواضع الشديد مقارنة بوجهاء البلدة وجالسي الصفوف الأولى. كانت الهمسات تتصاعد وتخبو بين الحاضرين؛ فالجميع يعلم بالقيل والقال الذي ملأ أرجاء المنيا، والجميع يترقب هذه الزيجة التي تمت بسرعة البرق.
وضع مصطفى يده في يد مرزوق، والمناديل الأبيض يغطي أيديهما. وفي لحظة وضع الإبهام على الإبهام، ألقى مصطفى نظرة خاطفة نحو ساحة النساء المحجبة بستر خشبي معشق. كان يعلم أن أمه الحاجة نفيسة تجلس هناك كالملكة، تحيط بها النظرات، وكان يعلم أيضاً أن طليقته حاضره تتطلع بقسوة وتشفي. ارتفع صوت المأذون بالدعاء الشهير بارك الله لكما وبارك عليكما وجمع بينكما في خير، وانطلقت الزغاريد لتهز أركان المكان.
في تلك اللحظات، لم يكن مصطفى يشعر ببهجة العريس؛ كان قلبه محقوناً بمرارة الغصب، وشعور بالذنب تجاه هذه الفتاة الغضّة التي زُفّت إليه لتعوض نرجسية عائلة وتخرس ألسنة الناس. أما عايدة، فكانت خلف الستر الخشبي تبكي بدموع صامتة.. لم تكن دموع حزن، بل كانت دموع إنسان أُنقذ للتو من الغرق، يُقتاد إلى أمانٍ طالما حلمت به، حتى لو كان هذا الأمان مع رجل يحمل قلباً مكسوراً وضغينة للدنيا.
انتهى عقد القران، وانتقل الجميع إلى الدوار الكبير لآل العزايزي. أُقيمت الموائد، وطُهيت الذبائح، وسالت المشروبات، وكان كل شيء مصمماً بعناية من الحاجة نفيسة ليصرخ في وجه الجميع ابننا رجل، وعائلتنا لا تنكسر!
عند منتصف الليل، هدأ الصخب، وانفض السامر. دخل مصطفى إلى بيته الجديدوهو الدور العلوي في منزل العائلةليجد عايدة تجلس على طرف الفراش بعباءتها البيضاء البسيطة، متخفية تحت طرحتها، ترتجف شفتها السفلى كلما سمعت خطوة منه.
وقف مصطفى عند الباب، ألقى السلام بصوت حزين ومجهد السلام عليكم يا بنت الناس.
ردت بصوت خفيض للغاية وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.. مبروك يا أستاذ مصطفى.
تقدم خطوات، ثم جلس على كرسي خشب يبتعد عنها مسافة كافية. نظر إلى الأرض وقال ناصحاً وموضحاً
عايدة.. أنا مش عايزك تخافي مني. اللي حصل ده كله ترتيب أمي وأخي، وأنا دخلت البيت ده وأنا شارط عليكِ الحقيقة. أنتِ هنا في بيتي مكرمة معززة، كلمتك من رأسك، وأي حاجة تطلبيها مجابة. بس عشان نكون على نور من أول ليلة.. أنا راجل مكسور، والقلب اللي اتجرح مش بسهولة يطيب. أنا مش هظلمك معايا في حقوقك، بس مش هقدر أوعدك بحب أو عواطف أنا نفسي مش لاقيها جواه دلوقتي. هل أقدر أطلب منك نعيش على التفاهم والاحترام لحد ما ربنا يفرجها؟
رفعت عايدة رأسها، ونظرت في عينيه بثبات نادراً ما يوجد في فتاة بأسرتها وظروفها. حركت يديها الملتفتين بحياء وقالت
يا أستاذ مصطفى.. أنت بتبص لنفسك على إنك راجل مكسور، بس أنا بتبص لك على إنك الراجل الوحيد اللي فتح لي باب الرحمة. أنا مكنتش عايشة في بيت أبوي، أنا كنت خدامة تحت رجلين زوجة أبوي. خرجت من هناك عشان أكون حرة في بيتك. مش مستنية منك غير الإنسانية والاتقاء فيا. الحب ده بتاع ربنا، والخلفة رزق. أنا راضية ومبسوطة، وشايفة إن ربنا أكرمني بيك.
كانت كلماتها كقطرات الماء البارد على جمر مشتعل في صدره. تعجب مصطفى من منطقها وشدة رضاها، وشعر لأول مرة منذ أشهر بقليل من السكينة.
مرت الأيام الأولى بطيئة وهادئة. كانت عايدة تسابق الريح لخدمة البيت. تستيقظ مع الفجر، تنظف، تطبخ، وتعد كل شيء بدقة متناهية. لم تكن تشتكي من شيء، ولم تطلب يوماً قرشاً واحداً لنفسها. وإذا نزل مصطفى إلى محله صباحاً، كانت تودعه بدعوات بسيطة تخرج من قلب صادق ربنا يجعل لك في كل خطوة سلامة، ويكفيك شر خلق الله.
لكن المعركة الحقيقية لم تكن داخل الشقة المصونة، بل كانت في الأسفل.. حيث الحاجة نفيسة.
الحاجة نفيسة لم تكن لترضى ببساطة؛ كانت تنظر لعايدة على أنها مجرد أداة جاءت لوظيفة محددة إثبات العز والمنعة أمام الناس. كانت تتعامل معها بفوقية صريحة.
في صباح أحد الأيام، نزل مصطفى للمحل، فنادت الحاجة نفيسة على عايدة لتنزل إلى شقتها بالمطبخ الكبير.
قالت الحاجة نفيسة وهي تجلس على أريكتها الخشبية، ممسكة بسبحتها العاجية
تعالي يا عايدة.. اسمعي يا بت، أنتِ دخلتي بيت العزايزية، يعني أهلك اللي هناك ننسيهم شوية. أنتِ هنا كنزك بيتك وجوزك. طليقة مصطفى ماشية تغزل في المحاكم والأسواق، وتقول إننا جيبنا لكِ عشان نستر عليكِ وعشان ابني فيه وعايب. أنا عايزاكي تخرجي معا في السوق يوم الخميس الجاي، وتلبسي الدهب اللي جبته لكِ، وتقفي وسط الستات وتضحكي، وتبيني للكل إنك سمن على عسل ومبسوطة.
ردت عايدة بأدب، ولكن دون ضعف
يا حاجة نفيسة، الحجاب والستر أحسن من الفشر قدام الستات. الأستاذ مصطفى معاملني بما يرضي الله، وأنا مش محتاجة أثبت لحد حاجة. اللي يسأل يقول ربنا يسعدهم، واللي يغل يكفيه غله.
صاحت الحاجة نفيسة وهي تضرب الأرض بعصاها
أنتِ هتتكلمي في الأصول معايا يا بت مرزوق؟ أنتِ نسيتي أنتِ كنتِ إيه وصرتِ إيه؟ أنا اللي خادكي من الفقر والقرف وخليتك هانم! تعملي اللي أقولك عليه من غير كثرة كلام!
خرجت عايدة وصعدت لشقتها، ودخلت غرفتها وصارت تبكي بصمت. لم تكن تبكي من قسوة

1 2 3الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *