عقـ.ـيم

عقيم

وربك قادر على كل شيء. التقرير القديم مش حكم أبدي. نعمل التحاليل المطلوبة ونحدد معاد للعملية الدقيقة، ونشوف.
خارج العيادة، كان الشارع المزدحم يبدو لمصطفى وكأنه لوحة سريالية. التفت لعايدة وقال بذهول
انتِ مصدقة اللي الدكتور قاله؟ ولا ده كلام عشان ياخد فلوس وخلاص؟
مسكت عايدة يده بقوة وقالت
أنا مصدقة إن ربنا أكبر من التقارير يا مصطفى. أياً كانت النتيجة، أنا جنبك ومش هسيبك.
أُجريت الفحوصات، وتحدد موعد العملية بعد شهر كامل، تم خلاله تحضير مصطفى بعلاجات هرمونية مكثفة. في هذا الشهر، كان بيتهما محراباً للدعاء. كانت عايدة تقوم الليل، تدعو بدموع حارقة، لا لشيء إلا لترسم البسمة على وجه زوجها وتبرئ ساحته أمام العالم الذي قسا عليه.
جاء يوم العملية في إحدى مستشفيات القاهرة الكبرى. أُدخل مصطفى إلى غرفة العمليات، وظلت عايدة تنتظر في الممر للخارج لثلاث ساعات كاملة، تسبح وتستغفر، ورجلها لا تحملها من الخوف.
خرج الطبيب أخيراً، يخلع قفازه الطبي، والابتسامة تملأ وجهه.
أسرعت عايدة إليه بقلب يخفق كعصفور خائف
بشرني يا دكتور.. أمانة عليك!
ابتسم الطبيب وقال بنبرة مليئة بالبشرى
الحمد لله يا مدام! مع المسح المجهري الدقيق، لقينا حيوانات منوية سالمة وجيدة جداً في أنسجة معينة، وقدرنا نسحب عينة ممتازة ونجمدها! العملية نجحت بنسبة مية في المية، وجاهزين فوراً لنقل العينة وتخصيب البويضات للحقن المجهري! مبروك.. زوجك سليم وعندكم أمل كبير جداً يبقالكم عيال!
سقطت عايدة على أرض المستشفى ساجدة لله، تبكي بكاءً كاد يشق صدرها، بكاء السنين والمظلمة والهم الذي انزاح.
بعد شهرين من عملية التخصيب والحقن المجهري، كانت عايدة تجلس في شقتها بالمنيا، ومصطفى يقف بجوارها يمسك بيده تحليل الحمل الرقمي الذي أجروه في الصباح.
كانت يده ترتجف وهو يفتح الظرف. نظر إلى الورقة، ثم نظر إلى عايدة، ولم يتكلم.
قالت عايدة بلهفة
ايه يا مصطفى؟ قولي بالله عليك!
انهمرت الدموع من عيني مصطفى كالأنهار، وسقط على ركبتيه أمامها، ووضع رأسه في أحضانها وهو ينتحب بصوت عالٍ
حامل يا عايدة.. أنتِ حامل! التقرير بيقول إيجابي.. فيه عيل جاحد في سكتنا!
ارتفع صوت البكاء والزغاريد داخل الشقة. سمعت الحاجة نفيسة الصوت، فصعدت السلم كأنها ابنة عشرين عاماً، ودخلت الشقة لتجد ابنها يلتضن زوجته ويبكيان.
عندما علمت الخبر، خرّت الحاجة نفيسة هي الأخرى، وطبعت قبلة طويلة على رأس عايدة وقالت بدموع الندم
سامحيني يا بنتي.. أنا ظلمتك وفاكرتك أداة، طلعتي أنتِ البركة اللي دخلت بيتنا وسددت عين كل حاقد. أنتِ بنتي الكبيرة من النهاردة!
انتشر الخبر في المنيا كالنار في الهشيم. لم يصدق أحد في بداية الأمر، لكن عندما ظهرت آثار الحمل بوضوح على عايدة، وسار مصطفى في السوق ومحله مرفوع الرأس والبسمة لا تفارق وجهه، سكتت كل الألسنة إلى الأبد.
أما طليقته، فقد انشغلت بخزيها وندمها بعد أن أدركت أنها خسرت رجلاً أصيلاً، وأن استعلاءها وقسوتها هما اللذان حرماها من الخير، بينما نالت البنت الفقيرة الصابرة الشريفة كل العز والكرامة.
بعد تسعة أشهر، وفي ليلة مباركة، وُلد طفل جميل، أطلق عليه مصطفى اسم صالِح؛ ليكون ذكراً للصلاح والفرج بعد الضيق.
في ليلة السبوع، كان الدوار مليئاً بالمهنئين، والذبائح تُوزع على الفقراء والمحتاجين. جلس مصطفى في المندرة، يحمل ولده على ذراعه، ثم استأذن الحاضرين وصعد إلى شقته.
دخل الغرفة، وجد عايدة تجلس على فراشها، جميلة كليلتها الأولى، ولكن بجهد الأمومة ونور الرضا.
وضع مصطفى الطفل في سريره الصغير، ثم تقدم نحو عايدة، وجلس أمامها، وأخذ يدها الخشنة التي طالما أحبها، وقبلها بكل احترام وخشوع.
نظر في عينيها الواسعتين وقال بصوت دافئ مليء بالحب
عرفتي يا عايدة ليه ربنا أخر الرزق ده كله؟
ابتسمت وقالت
ليه يا مصطفى؟
قال وهو يمسح على شعرها
عشان كان مستني الست الصح اللي تستاهل تكون أم أولادي. أنتِ مش بس سترتيني وعوضتيني.. أنتِ أعادتيني للحياة. أنا بحبك يا عايدة، بحبك بجد، والبيت ده مش قايم على الحيطان، البيت ده قايم بيكِ أنتِ.
ابتسمت عايدة، وانسكبت دمعة فرح هادئة على خدها، ونظرت لولدهما النائم بسلام، وهي تعلم أن الصبر والرضا وحسن الظن بالله هم المفاتيح الوحيدة التي تفتح المغاليق وتغير الأقدار.
تمت

الصفحة السابقة 1 2 3

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *