كامل الأوصاف الكاتبة صفاء حسنى الفصل ١/٢/٣
كامل الأوصاف الكاتبة صفاء حسنى

كامل الأوصاف، عشق، كنان
الكاتبة صفاء حسنى
الفصل الأول
إنت عاجبك حالك كده؟ هتفضل طول عمرك رافض الجواز؟
رفع الشاب راسه من الورق اللي كان بيقراه ويظهر المكان
مكتب واسع، الإضاءة خافتة، والستائر السودة مغطيّة كل النور اللي ممكن يدخل. كان الشاب قاعد ووشه ملامحه جامدة، عيونه فيها تعب وشرود كأنه بيحاول يهرب من أفكاره، لحد ما قطع تفكيره صوت والده.
هنرجع لنفس الإسطوانة دي؟ إنت مش بتتعب يا والدي العزيز؟
قرب الأب منه بخطوات هادية، ومد إيده بحنان ولمس وشه، عينيه فيها قلق واضح:
الوالد:
إنت ليه بتعمل في نفسك كده؟ ليه حابس نفسك هنا؟
ستاير سودا، في دور لوحدك، وممنوع أي بنت من الشركة تطلع لعندك!
كل شغلك هنا، والأسنسير خاص بيك لوحدك، محدش يدخل ولا يخرج منه.
محدش بيشوفك، ولا حد في الشركة يعرفك يا بني!
طيب، لو أنا موت… قولي، إنت إزاي هتتعامل مع العمال؟
اتنهد الشاب، وبصله بعينين فيها امتنان ممزوج بالضيق:
الابن:
بعد الشر عليك يا والدي، متقلقش… كل حاجة تحت السيطرة.
أنا بتابع كل كبيرة وصغيرة في الشركة، ومعايا أسامة بيساعدني.
رفع الأب صوته شوية وقال بحزم:
الوالد:
أسامة صاحبك، لكن مش ابني!
أنا خلاص قررت… لازم تتجوز.
وقف الشاب بعصبية، حرك كرسيه بعنف وهو بيقول بحدة:
الابن:
هو الجواز بالعافية؟ أنا مش هتجوز!
ولو إنت عايز تتجوز… اتفضل اتجوز!
ضحك الأب بخفة ممزوجة بحزن وقال وهو بيهز راسه:
الوالد:
فكرة حلوة… أتجوز بنت من سن ابني تلعب على شيبتي؟
يا بني، لو كنت عايز أتجوز كنت اتجوزت من زمان… وجبتلك مرات أب!
اتنفس الابن بعمق وقال بنبرة ندم خفيفة:
الابن:
أنا عارف إنك مش عايز تعيد التجربة دي تاني،
ومش عايز تتجوز واحدة تخونك وتسيبك…
وده نفس السبب اللي مخليني مش عايز أتجوز أنا كمان.
مش عايز أي بنت تدخل حياتي.
رد الأب بهدوء مليان صدق:
الوالد:
هو إنت ليه مش عايز تفهم إن مش كل البنات زيها؟
ولا كل الستات كده…
في بنات كويسة ومخلصة، وبتحب من قلبها يا ابني.
ابتسم الابن بسخرية وهو بيبص بعيد وقال ببرود:
الابن:
لكن أنا مش عايز أي بنت.
أنا عايز واحدة تكون “كاملة الأوصاف”.
وقت ما ألاقيها… ساعتها هبقى أوافق.
دلوقتي بعد إذنك يا والدي، سيبني أكمل شغلي،
وابعتلي الفطار مع عمي حسين.
اتعصب الأب من طريقته وبروده، وخطى ناحية الباب وقال بحدة:
الوالد:
عمك حسين تعبان ومش هيقدر يطلعلك.
رد الشاب بنفس الهدوء اللي بيستفز:
الابن:
ما جبتش غيره ليه؟
ولا عايز تدخل بنت مكتبي؟
إنسى… دا مش هيحصل أبداً،
ومفيش أي بنت هتطلع هنا، مفهوم؟
بص الأب له لحظة، عينيه فيها وجع أكتر من الغضب،
ونزل وهو متعصب ناحية الكافيتيريا علشان يشرب حاجة ويطمن على حسين.
—
الفصل الأول – كاملة الأوصاف
الكاتبة صفاء حسنى
رد الشاب ببرود وهو لسه قاعد في مكانه:
“ما جبتش غيره ليه؟ ولا عايز تدخل بنت مكتبي؟ إنسى، دا مش هيحصل أبدًا. ومفيش أي بنت هتطلع هنا، مفهوم؟”
خرج الأب من المكتب متعصب، قلبه مليان غيظ وحزن في نفس الوقت، ونزل ناحية الكافتيريا علشان يشرب حاجة ويطمن على حسين.
—
في الكافتيريا
كانت بنت جميلة واقفة وبتشتغل بهدوء. شعرها الطويل الأسود واقع على ضهرها، وعينيها البُني الغامق فيهم لمعة تعب وشقا. لابسة جيبة وبلوزة بسيطة، بتتحرك بخفة وهي بترتب الصواني.
قرب منها الأب باستغراب وقال بنبرة جدية:
“إنتي مين؟ وجيتي إمتى؟ ومين اللي عيّنك من غير ما أعرف؟”
بلعت البنت ريقها وقالت بخوف وصدق في نفس الوقت:
“حضرتك أنا بنت حسين، عامل الكافتيريا… هو تعبان، وكنت عارفة إنكم هتجيبوا شاب مكانه، والمرتب هيتقطع. وإحنا أكل عيشنا من المرتب دا.
فلو سمحت، أنا هشتغل مكان بابا. ظبطت محاضراتي وأخدت الفترة المسائية في الجامعة، علشان أقدر أداوم هنا كمان.
بالله عليك، ربنا يكرمك ويرزقك… متقطعش عشانا.”
بصّ الأب ليها بشفقة، حس بوجعها الصادق وقال بهدوء:
“مافيش مشكلة يا بنتي… طيب، عم حسين عامل إيه دلوقتي؟ وإنتي اسمك إيه يا بنتي؟”
ابتسمت بخجل وقالت:
“أنا عشق يا حضرة المدير… بابا في جلسات علاج كيميائي، علشان اكتشفنا عنده سرطان.
أنا وديته المستشفى وجيت على هنا.
وهلتزم في شغلي، ومش هأقصّر، وهو هيكون معايا.
ربنا يبعد عنك المرض والحوجة يا فندم.”
مد الأب إيده وربّت على كتفها وقال بتأثر:
“عاشت الأسامي يا عشق… هو راح مستشفى التأمين الصحي، صح؟”
هزّت عشق راسها بحزن وقالت:
“أيوه يا فندم.
والله مش عارفة أشكرك إزاي على إنك وصّيت إن علاجه يكون على حساب تأمين الشركة.
ربنا يجازيك خير.”
سألها المدير وهو بيهز راسه باهتمام:
“هو مين هناك مع أبوكي؟”
ردّت عشق بسرعة:
“جارنا يا فندم، راح معاه المستشفى، وأنا جيت الشغل.
لكن أوعدك إني مش هأقصّر خالص.”
اتنفس المدير وقال بتردد:
“بُصي يا بنتي، أنا معنديش مانع تشتغلي، بس إحنا محتاجين ولد يطلع الدور الرابع يشوف طلباته.”
هزّت عشق راسها بثقة وقالت:
“أنا عرفت يا باشا إن المدير العام رافض أي بنت تطلع عنده.
وعلى ما تجيبوا ولد، أنا لاقيت حل للموضوع دا.”
رفع المدير حاجبه باستغراب وسألها:
“وإيه الحل دا؟”
ابتسمت عشق بخفة وقالت:
“ثواني يا فندم…”
دخلت جوه الكافتيريا، وبعد شوية خرجت وهي لابسة بنطلون أسود، جاكت غامق، وطَاقية مغطيّة شعرها اللي ربطته كحكة.
وقفت قدامه بثقة وقالت بابتسامة بسيطة:
“دا الحل يا فندم.”
اتصدم المدير من شكلها الجديد وضحك بخفة:
“واضح إنك مرتباها! بس إنتي عارفة لو انكشفتي هيحصل إيه؟”
قالت عشق بصوت مطمئن:
“متقلقش يا باشا…
أنا هطلع أحط الصينية وأنزل على طول.
مش هفتح بُؤي خالص، وهطلع قبل ما حضرته ييجي.
أنا عارفة إن ليك حق ترفض، وإن حلّي دا يمكن مايكونش مثالي، بس والله العظيم إحنا محتاجين كل قرش من المرتب دا.”
وقف المدير لحظة، شايف قد إيه البنت دي فيها قوة وبساطة في نفس الوقت. قلبه رقّ ليها وقال بعد تفكير:
“تمام يا عشق… أنا هحطك شهر تحت الاختبار.
لو كنتي عند حسن ظني… هتكملي معانا.”
ابتسمت عشق بامتنان وقالت:
“بإذن الله، هكون عند حسن ظنك يا فندم.”
باسِت إيده بسرعة، وبدأت تشتغل.
—
بعد مرور أيام
كانت عشق كل يوم بتطلع الفطار والقهوة لمكتب المدير العام، تحطهم على المكتب وتنزل فورًا، وبعدها تغير هدومها التنكرية وترجع تكمّل شغلها في الكافتيريا.
كانت مجتهدة، مهتمة بعلاج أبوها، ومسكه كتبها بتذاكر بينها وبين شغلها.
المدير كان بيتابعها في صمت، مبهور بنظامها وأخلاقها.
عدّى الشهر… وقرر الأب ياخد قرار مصيري.
—
المواجهة الأولى
زي كل يوم، طلعت عشق السلم وهي لابسة لبسها التنكري. قلبها بيدق بسرعة، بتدعي ربنا اليوم يعدّي على خير.
خبطت على باب المكتب بخفة.
كان الشاب واقف قدام الستارة، بيبص للفراغ كعادته.
ولما سمع الخبطة قال بهدوء بارد:
“اتفضل.”
دخلت عشق، وإيديها بتترعش وهي شايلة الصينية.
حطت عينيها في الأرض، ومشت بخطوات محسوبة.
من غير ما يلف، قال الشاب بلهجة حادة:
“حطهم هناك… وبلاش تتأخري تاني، مفهوم؟
عدم الالتزام بيعصبني.”
هزّت عشق راسها بسرعة، وهي كاتمة نفسها من الخوف.
لكن ريحة البرفان النسائي اللي كانت دايمًا بتحاول تخفيها، وصلت لأنفه.
تجمد مكانه، وابتدى يشك.
لفّ بنصف وجهه وقال بحدة:
“هو في بنات بتطلع معاك هنا؟
أنا عرفت إن بنت عم حسين استلمت الشغل مكان أبوها…
أوعى تكون بتطلعها!”
بلعت عشق ريقها، وحاولت تسيطر على صوتها، وقالت وهي مقلدة نبرة رجولية:
“لا يا حضرتك… أنا اللي بطلع لوحدي.”
اتنفس بعصبية وقال وهو مش شايفها كويس:
“قولها تخف البرفان اللي بتحطه…
علشان ريحته بيلزق في صينية الأكل.
وياريت من بكرة… إنت اللي تحضر الفطار.”
هزّت عشق راسها بسرعة، وهو كان شايف ظلها في المراية اللي قدامه،
شاف كل حركة، كل ارتباك، لكنه سكت وقال بهدوء غامض:
“انزل إنت.”
نزلت عشق بسرعة وهي بتحاول تلم نفسها، قلبها بيدق بشدة، ودموعها على وشك النزول.
كانت بتتنفس بصعوبة من شدة التوتر والخوف من انكشاف أمرها.
لكن القدر كان بيجهز لمواجهة أكبر…
—
كاملة الأوصاف
انتهاء الفصل الأول.
—