كامل الأوصاف الكاتبة صفاء حسنى الفصل ١/٢/٣

كامل الأوصاف الكاتبة صفاء حسنى

الفصل الثالث

دخل كنان على أبوه بعد ما سمع كلام الدكتور، وقاله، وكان غضبه مكبوت، قبض على إيده جامد، ولسانه اتعصّب، سكت شوية، بس عيونه كانت بتطلق نار، حسّيت إنه ممكن ينفجر في أي لحظة:

كنان (بعصبية):
ـ لو البنت اللي إنت بتتكلم عنها دي موافقة إنها تعيش مع أخوها، فأنا موافق.

استغرب رفيع وسأله، وكان واضح عليه إنه متردد، ابتسامة خفيفة، وبعدين حط إيده على قلبه، كان فرحه مختلط بشيء من التردد والقلق:

رفيع:
ـ مع أخوها إزاي يعني؟ فهمني، إنت بتتكلم في إيه؟

مد كنان إيده وأعطاه الورق، وقال، ودموعه على وشك النزول، وصوته كان بيترعش:

كنان:
ـ ده ورق يثبت إن عندي مشاكل ومابقدرش أكون راجل يقوم بحقوقه الزوجية… لو شايف إنه ينفع تكسر إبنك وتجوزه واحدة، ويظهر قدامها ضعيف، وتكون ضامن إنها متجيش تقولك نفس الكلام اللي سمعته زمان من مراتك بعد ما اتعرضت للحادثة…
فاكر؟ وقتها لما الدكاترة قالوا إن عندك مشاكل في العمود الفقري، وإن دا أثر عليك، وإنك هتقعد على كرسي متحرك فترة كبيرة؟
وقتها عملت إيه؟… مكملتش معاك سنة، مقدرتش تستحمل، وقالت بالنص:
“أنا تعبت… أنا ست وعندي متطلبات، ومش هدفن نفسي وشبابي”.

فاكر؟ ولا أفكّرك؟
ولا علشان ربنا عافاك وبقيت كويس وبتروح وبتيجي نسيت كل ده، وبقى كل همك تجوز إبنك؟
أهو إبنك طلع عنده مشاكل…

كان رفيع الجراحي مصدوم، مش عارف يقول إيه. جسمه بيرتعش، وشه شاحب، وكأنه فقد كل حاجة.
إيه الذنب اللي عمله علشان زمان يعمل حادثة تكون السبب إنه يخسر حبيبته، ومراته تتخلى عنه؟
وليه دلوقتي إبنه يعاني كمان؟

رفيع كان محتار، عيونه كانت بتطلق نار، حسّيت إنه ممكن ينفجر في أي لحظة.

أما كنان، لبس ملابس رياضة وطلع يجري…
مش عايز يفكر، ولا يسمع، ولا يتكلم.
يجري وبس… لحد ما تعب.

كنان لقى نفسه قدّام الشركة.
في الوقت ده كانت عشق فوق بتظبط المكتب قبل ما تمشي، وكنان طلع فوق وهو متعصّب.

قابلته عشق، وقفته وقالت بهدوء، وعيونها مليانة نور، وكان فرحها هادي، بس فيه راحة نفسية واضحة:

عشق:
ـ إنت الشاب الجديد صح؟ اللي جاي يستلم مكاني في مكتب المدير كنان؟

بصلها كنان وهو مش فاهم حاجة، وقال في نفسه وهو متوتر، لكنه حاول يظهر الهدوء:

كنان:
ـ هو مين اللي طلب أصلاً إن شاب جديد يجي؟
هو إنت مش شغال هنا؟ إزاي هقدر أشتغل مكانك؟

عشق كانت بلبس شاب، وفهمت قصده، ابتسمت وقالت رغم توترها:

عشق:
ـ أنا هفهمك… تعالى معايا.

نزل كنان معاها، وكانت أول مرة يدخل فيها الكافتيريا، ومش عارف ليه وافق.

طلبت عشق منه يقعد، وقلعت الطاقية وفكت الكُحكة…
شعرها الناعم انفرد كله على ظهرها، وكانت جذابة.

بدأت تشرحله بهدوء:

عشق:
ـ شوف يا أستاذ، أنا بنت مش ولد زي ما إنت شايف.
أنا بنت عمك حسين اللي قاعد قصادك.
لما تعب الأستاذ كنان طلب بديل عن بابا، وطبعاً أكل عيشنا من هنا…
وأبويا مريض سرطان، وأنا بدرس في الجامعة، فاستسمحت المدير الكبير إني أشتغل في الكافتيريا، والدور الرابع يكون مسؤول منك.

حضرتك لما اتأخرت، أنا كنت مجبورة ألبس لبس العمال وأطلع أنضف المكتب.
لكن من النهاردة، إنت هتقوم بشغلك، وأنا هقوم بشغلي.
مش مشكلة، هنقسم المرتب بالنص، وأنا اتفقت مع صيدلية إني أشتغل عندهم بالليل علشان أقدر أصرّف على علاج بابا.

نزلت دموع عم حسين، وقال وهو جسمه بيرتعش ووشه شاحب:

حسين:
ـ ليه يا بنتي تعملي كدا؟
هتذاكري إمتى؟
الصبح هنا وبالليل هناك؟
دا وقت محاضراتك، بردو هتشتغلي فيه؟

قربت عشق منه، ومسحت دموعه وقالت بابتسامة هادية، وصوت دافي:

عشق:
ـ أنا كلي ملكك يا بابا، وفداك أي حاجة…
ولا إنك تتحوج لمخلوق في الكون.

إنت قولتلي إن أستاذ كنان عصبي أوي…

قطعت كلامهم شهد، اللي دخلت من غير ما تاخد بالها من وجود كنان، وقالت:

شهد:
ـ عصبي وبس؟ دا معقّد يا بنتي!
أنا سمعت إنه بيكره البنات، ربنا سترها معاكي إنه مكشفكيش، وإلا كان طلعك برا الشركة إنتي وأبوكي.

إتنهدت عشق، وقالت بصوت بيترعش ودموع على وشها:

عشق:
ـ عارفة يا شهد…
آخر مرة لما اتأخرت وهو كان موجود، أنا كنت مرعوبة أوي…
علشان كدا ما صدقت إن عمي إبراهيم قال هيبعث واحد يشتغل معايا…
والحمد لله الأستاذ جه في معاده.

كنان كان واقف مصدوم، وبيحاول يفهم الكلام اللي بيسمعه.

ولسه هيتكلم، دخل رفيع عليهم وهو بيكلم عشق، وكان صوته هادي لكن واضح عليه التوتر:

رفيع:
ـ عشق يا بنتي، أنا عندي ليكي عرض…
هيريحك من الشغل والتعب، وكمان تقدري تكملي تعليمك، وهيكون علاج أبوكي في أحسن مستشفى.
ممكن دقيقة؟ عاوز أتكلم معاكي.

قبل ما عشق ترد، كنان رد وقال بصوت قوي:

كنان:
ـ محسوبك أيمن يا فندم…
ومتقلقيش، أنا هكون معاكي، وهقوم بدور الأستاذ كنان، لو يسمحلي حضرة المدير.

اتصدم رفيع لما شاف كنان، وفهم من نظراته كل حاجة، فرد باستغراب:

رفيع:
ـ إنت الشاب الجديد؟

كنان:
ـ آه يا فندم.

رفيع:
ـ طيب تعالى معايا على المكتب.

عشق:
ـ وأنا كمان يا فندم؟

بصلها رفيع، وبص لإبنه، وقال بابتسامة خفيفة فيها تردد:

رفيع:
ـ وقت تاني يا بنتي.

ووجه كلامه لكنان:

رفيع:
ـ هات ورقك وتعالى.

كنان:
ـ حاضر يا فندم.

رواية كامل الأوصاف

الكاتبة: صفاء حسني

كنان كان معاه الملف، أخده معاه ودخل مع رفيع، وكل واحد فيهم كان عايز يسأل التاني.

اتكلموا في نفس الوقت، وكان باين عليهم التوتر، لكنهم حاولوا يظهروا الهدوء:

كنان ورفيع (سوا):
ـ إنت بتعمل إيه؟

سكتوا بعدها، وعم الصمت.

اتنهد كنان، ودموعه كانت على وشك النزول، وصوته بيترعش:

كنان:
ـ مين فيهم اللي إنت كنت عايز تذل إبنك قدامها؟
تتجوز إبنك علشان محتاج فلوسه؟
هي دي “كاملة الأوصاف” اللي عايزها؟ تستحمل عجز إبنك؟
مش معنى إنها بتشيل أبوها في مرضه إنها كدا هتشيل إبنك كمان… فاهم؟

رد عليه رفيع، وكان متردد، لكن ابتسم ابتسامة خفيفة، وحط إيده على قلبه، كان فرحه مشوب بالقلق:

رفيع:
ـ البنت مفيهاش غلطة… إنسانة كويسة أوي.
أراهنك إنها هتوافق، وهتكون في ظهرك.

مد كنان إيده في إيد أبوه، وقال وهو بيحاول يبان هادي:

كنان:
ـ أنا موافق على الرهان…
بس سيبني أختبرها الأول، وأشوف عندها استعداد تضحي بكل حاجة علشان اللي بتحبه؟
ولا كل طموحها الفلوس؟

استغرب رفيع وسأله:

رفيع:
ـ هتعمل إيه؟

كنان قبض على إيده جامد، وعينيه كانت نار، قال:

كنان:
ـ هشتغل مع عشق في الكافتيريا، ومفيش حد يعرفني…
هتعامل مع الكل على إني “أيمن” الولد البسيط.
ومع الوقت هقرب منها، وأعرف إذا كانت بتحب حد أو مرتبطة بحد…
مينفعش نختار واحدة قلبها مع حد، ونطلب منها تكون مخلصة.
اللي تبيع حد بتحبه، ممكن تبيعني أنا كمان!
وأنا هثبتلك إن مفيش ست كاملة الأوصاف.

ابتسم رفيع، وتردده باين، لكن حط إيده على قلبه وقال:

رفيع:
ـ وأنا موافق على الرهان ده.
ويوم ما تقولي “نفّذ”… هنفّذ.
بس عندي حاجة صغيرة.

كنان:
ـ إيه هي الحاجة دي؟

رفيع:
ـ كله في وقته حلو…
أخرج، وابعتلي عم حسين.

استغرب كنان، لكنه هز راسه وقال، وعينيه لسه نار:

كنان:
ـ ابقى حطني في الصورة…
وأوعى تخليني أتفاجئ بحاجة، زي ما خليتها تطلع بهدوم شاب وتضحك عليا!

ابتسم رفيع وقال:

رفيع:
ـ بس متنكرش إنها كانت مؤدبة.

رفض كنان الرأي، ودموعه على وشك النزول، صوته بيرتعش:

كنان:
ـ دا عيب مش صفة…
اللي يقدر يكذب في حاجة صغيرة، يقدر يكذب في الكبيرة.
منكرش إني كنت حاسس بحاجة مختلفة… بس…

(سكت كنان وهو بيفتكر الملاحظات اللي كانت بتحطها على مكتبه)

—

✨ فلاش باك ✨

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *