انتقام الاخ ج الاخير
انتقام الاخ ج الاخير
الفصل الاخير حكايات مني السيد حصري
الهوا جوه الصالة كأنه اتجمد مرة تانية، بس المرة دي مكنش تجمد خوف من هشام ولا من قهرة الإهانة، ده كان هبوط غريب نزل على صدر مريم، خلاها تسند بكف إيدها التانية على حرف السفرة الخشب. عينيها كانت متعلقة بالورقة المتطبقة اللي في إيد طارق، ورقة صفرا شوية من حروفها، الحبر الأزرق اللي فيها مألوف لدرجة توجع القلب؛ خط باباها، المهندس شريف، الخط الهندسي المسطر اللي مكنش بيعرف يكتب غير بيه، حتى لما كان بيكتب لست الكل قايمة طلبات السوق.
حنان وبنتها شيماء كانوا بره في الطرقة بيجروا شنطتين متهالكين، وصوت كعوب جزمهم وسحب السوست كان مسموع على رخام السلم زي الفيران المطرودة. أمين الشرطة اللي كان واقف بيأمن نزولهم زعق بنبرة ناشفة انزلي يا ست إنتِ وهي من غير لكاعة، البوكس مستني تحت ومش عايزين كلام فارغ مع الجيران!، وقفل باب الشقة وراهم برزعة أخيرة، رنة الترباس كانت زي إسدال الستار على مسرحية مقرفة استمرت تلات سنين.
الشقة فضيت تماماً. مابقاش فيها غير مريم، وطارق، ورامي المحامي اللي كان واقف على جنب
جنب الباب وماسك في إيده كشف محاضر النيابة.
مريم بلعت ريقها بالعافية، وصوتها طلع مخڼوق سر حاډثة بابا وماما؟ وسر الشقة؟ طارق أنت بتقول إيه… فهمني، هو مش بابا وماما ماتوا لما التريلا قطعت عليهم الطريق الصحراوي والفرامل فلتت؟ الكلام ده النيابة قفلته من سنين قضاء وقدر!
طارق سحب نفس طويل، كأن النفس ده طالع من قاع صدره ومحمل بتراب الغربة وسهر الليالي. قعد على كرسي السفرة وشاور لمريم تقعد قدامه اقعدي يا مريم، واسمعيني كويس وبلاش تتوتري… الحاډثة قضاء وقدر في ظاهرها، والتريلا والسواق اللي هرب اتحكم عليه غيابي، بس السؤال اللي عمره ما فارق خيالي من يوم ما سافرت ليه بابا كان مسافر إسكندرية يوم التلات الفجر في عز الشتا ومن غير ما يقول لحد فينا؟
مريم قعدت، إيديها بتفرك في بعضها بتوتر، واللسعة اللي في معصمها مكنتش حاسة بيها خلاص، كل حواسها كانت مشدودة لملامح أخوها بابا قال لماما ساعتها إن في شغل طارئ في مينا إسكندرية، استلام شحنة حديد لشركة المقاولات اللي كان شغال فيها مستشار فني.
وده اللي الكل كان فاكره، طارق قالها وهو بيفرد الورقة
بالراحة على الخشب الورقة دي لقيتها مدسوسة في قاع الخزنة القديمة بتاعة بابا اللي كانت في البنك الأهلي فرع الألفي، الخزنة اللي مكنش حد يعرف برقمها السري غيري أنا وهو، ومفتحتهاش غير من تلت أسابيع لما طلبت جرد التركات بعد ما بدأت أشم ريحة الڼصبة بتاعة هشام.
طارق قرّب الورقة من مريم. عينيها جت على أول سطر، وقرأت بصوت بيتهدج إلى ابني طارق… لو الورقة دي وقعت في إيدك وأنا مش موجود، اعرف إن الشراكة مع عاصم المنياوي كانت أكبر غلطة ارتكبتها في حياتي. عاصم استغل توقيعي على رسومات برج سابا باشا لتمرير دورين مخالفين ومواد بناء مغشوشة، ولما واجهته هددني بالحبس أو الڤضيحة. أنا مسافر إسكندرية ومعايا أصول تقارير المعمل الجنائي الهندسي عشان أسلّمها للنيابة العامة بنفسي، ومستندات ملكية شقة مصر الجديدة اللي هو بيحاول يضغط عليا بيها عشان أتنازل عن المحاضر… لو حصلي حاجة، حق أختك مريم في رقبتك يا طارق، أوعى تسيب الشقة دي بالذات، الشقة مش مجرد حيطان، الشقة تحت بلاط مكتبتي فيها الميكروفيلم اللي عليه أصل التحويلات البنكية لشبكة المقاولات المشپوهة