ادم والأميرة انجي الخطيب

ادم والأميرة انجي الخطيب

عمي… بتربطني ليه في الشجرة؟! متسبنيش هنا لوحدي… الغابة دي فيها حيوانات مفترسة!”
كان آدم بيشد الحبل بكل قوته، لكن العقدة كانت محكمة لدرجة إنها جرحت إيديه، وصوته كان بيتهز من الخوف أكتر من الغضب.
عمه وقف قدامه بوش جامد، وكأنه مش سامع توسلاته.
قال آدم بصوت مكسور:
“عمي، أنا عملت لك إيه؟ أنا عمري ما عصيت لك كلمة… من وأنا عندي عشر سنين وأنا تحت أمرك. بعد ما أبويا وأمي ما ماتوا، أنت الوحيد اللي فاضل لي في الدنيا.”
ضحك عمه بسخرية وقال:
“وكنت فاكر إنك هتفضل حمل على كتفي لحد إمتى؟”
اتجمد آدم مكانه.
“حمل؟! أنا اشتغلت عندك من وأنا طفل… كنت بصحى قبل الفجر، أرعى البهايم، وأنضف الزريبة، وأنام جنبهم، وعمري ما طلبت منك حاجة!”
قرب عمه منه وقال ببرود:
“وده كان كرم مني… لولا إني ربيتك، كنت هتموت من الجوع.”
دمعت عيون آدم:
“حتى لو شايفني عبئ عليك … متسبنيش هنا. الغابة دي مش أمان، بالله عليك يا عمي.”
بص له عمه للحظات، وبعدها لف ضهره.
صرخ آدم: “عمييي…. !”
وقف الرجل من غير ما يبص وراه وقال:
“لو ليك عمر… هتعيش .. وبعدها مشي.
“عمييي!”
فضل صوت آدم بيتردد بين الأشجار، لكن عمه اختفى وسط الضباب، وكأن الأرض ابتلعته.
مرت دقائق…
وبدأت الشمس تختفي ورا الأشجار، والليل ينزل على الغابة واحدة واحدة.
آدم حاول يفك نفسه للمرة الأخيرة، لكن إيديه كانت خلاص فقدت قوتها.
وفجأة…
سمع صوت حوافر حصان رفع راسه بسرعة.
من بين الأشجار ظهرت شابة على حصان بني، لابسة لبس بسيط جدًا، وشعرها بني وطويل وناعم ملامحها جميلة جدا ووشها هادي بشكل غريب وسط المكان المرعب ده.
وقفت قدامه وبصت له باستغراب.
قالت:
“إنت مربوط هنا ليه؟”
آدم حاول يخبي ضعفه وقال:
“عمي هو اللي ربطني.”
نزلت من على الحصان وقربت خطوة.
“وعمل فيك كده ليه؟”
سكت آدم لحظة، وبعدها قال:
“معرفش.”
رفعت حاجبها:
“متعرفش؟”
هز راسه:
“والله ما أعرف. عمري ما زعلته… ولا طلبت منه حاجة. من وأنا عندي عشر سنين وأنا عايش معاه بعد موت أبويا وأمي. كان بيخليني أنام في الزريبة، ويخليني أشتغل طول اليوم، وبرضه كنت بقول الحمد لله… عشان هو الوحيد اللي ليا.”
بصت له الشابة فترة طويلة، وكأنها بتحاول تعرف إذا كان بيكدب ولا لأ.
#بقلم_انجي_الخطيب
وبعدين قالت:
“إنت متأكد إنك محكتليش نص الحكاية؟”
رد بسرعة:
“والله دي الحقيقة.”
قربت منه ومدت إيدها ناحية الحبل، لكنها وقفت فجأة.
قالت بحدة:
“اسمعني كويس… الغابة دي مش مكان للهزار. لو أنا فكيتك وطلعت بتكدب، هتكون أنت اللي جنيت على نفسك.”
آدم بص لها باستغراب.
كملت:
“ومتفتكرش إني بنت وخيالك يصورلك انك تقدر تعمل فيا اي حاجة إنت متعرفنيش، ومتعرفش أنا أقدر أعمل إيه فيك
لأول مرة، آدم ابتسم ابتسامة ضعيفة وقال:
“أنا مش عايز أعمل فيكي حاجة… أنا بس عايز أعيش.”
فضلت ساكتة ثواني.
وبعدين طلعت خنجر صغير من حزامها وقطعت الحبل.
وقع آدم على الأرض وهو بيحاول يلقط نفسه.
مدت إيدها له:
“قوم.”
مسك إيدها وقام بصعوبة.
قال:
“أنقذتيني… مش عارف أشكرك إزاي.”
ردت بهدوء:
“متشكرنيش دلوقتي.”
“ليه؟”
بصت له في عينه وقالت:
“لأني عندي شرط.”
اتغيرت ملامح آدم:
“شرط؟”
“أيوه.”
“إيه هو؟”
سكتت لحظة وقالت:
“تيجي معايا.”
بصلها بعدم تصديق:
“أروح معاكي فين؟”
“قريتي.”
“وليه؟”
“هناك هقولك.”
آدم بص ناحية الغابة المظلمة، وبعدها بص للحبل المقطوع.
قال:
“ولو رفضت؟”
ابتسمت ابتسامة صغيرة وقالت:
“هترجع تتربط في الشجرة لوحدك؟”
سكت آدم.
ثم قال:
“موافق.”
قالت:
“استنى… إنت وافقت قبل ما تعرف الشرط كامل.”
رد من غير تردد:
“مش مهم. إنتي أنقذتيني من الموت… وليكي دين في رقبتي. أي شرط هتطلبيه مني هعمله.”
لأول مرة، ظهر على وشها شيء يشبه الدهشة.
قالت بهدوء:
“خلاص… افتكر إنك أنت اللي اخترت.”
ركب آدم خلفها على الحصان، وانطلقوا وسط الغابة.
طول الطريق، كان آدم بيحاول يسألها عن نفسها، لكنها كانت بترد بكلمات قليلة.
لحد ما بدأت تظهر أضواء القرية من بعيد.
قال آدم:
“دي قريتك؟”
“أيوه.”
بعد دقائق، دخلوا القرية.
آدم بدأ يستغرب…
الناس أول ما شافوها كانوا بيبعدوا عن طريقها، وبعضهم كان بينحني باحترام، لكنها كانت بتكمل طريقها من غير ما تتكلم.
آدم همس:
“هو إنتِي معروفة هنا ولا إيه؟”
ما ردتش.
وصلوا أمام بوابة ضخمة من الحديد، وحراس واقفين على الجانبين.
أول ما شافوها، فتحوا البوابة فورًا.
آدم اتفاجئ.
الحصان دخل ساحة واسعة محاطة بالأشجار والنافورات، وفي آخرها ظهر قصر ضخم عمره ما شاف زيه في حياته.
نزلت الشابة من على الحصان، وآدم نزل وراها.
فضل واقف مبهور وهو بيبص للقصر.
قال:
“إحنا جينا هنا ليه؟”
مفيش رد.
دخلت الشابة من البوابة الرئيسية بكل ثقة.
آدم جري وراها وهو بيقول:
“استني! هو إنتِي شغالة هنا؟”
وقفت فجأة.
لفت له ببطء.
آدم ابتسم بإحراج وقال:
“أصل… لبسك بسيط، فافتكرت إنك واحدة من الخدم هنا.”
في اللحظة دي، الحراس اللي حوالين المكان اتجمدوا.
واحد منهم بص لآدم وكأنه مش مصدق اللي سمعه.
والتاني نزل راسه بسرعة.
الشابة قربت من آدم خطوة.
قالت بهدوء:
خدم؟”
آدم هز راسه:
“أيوه… يعني… قصدي…”
قاطعه صوت رجل مسن جاي من داخل القصر:
“سمو الأميرة… أخيرًا وصلتي.”
اتسعت عيون آدم.
بص للراجل…
وبعدين بص للشابة…
ثم رجع بص للقصر.
الأميرة؟
البنت اللي أنقذته من الموت… هي أميرة القصر؟!
لكن الصدمة الحقيقية كانت لسه مستنياه.
الأميرة بصت لآدم وقالت:
“أهلاً بيك في مملكتي يا آدم.”
اتجمد مكانه.
مملكتك ؟!”
ابتسمت ابتسامة غامضة، وقالت:
“من النهارده… حياتك القديمة انتهت.”
وهتشتغل عندي في المملكة لمدة سنة كملتها كلها واديت مهمتك هديك وزنك دهب واللي هطلبة وزيادة فشلت فيها وحاولت تمشي قبل السنة ما تخلص هتواجه مصير عمرك ما هتتخيلة وهسيبك تعرفة بنفسك …
وقبل ما يسألها عن قصدها، فتح كبير الخدم باب القصر وقال جملة خلت آدم يحس إن الحكاية دي أكبر بكتير من مجرد شغل لمدة سنة…
“يا سمو الأميرة… أنتي قولتيلة لية اخترتيه هو بالذات؟”
اختفت الابتسامة من على وشها.
وبصت لآدم نظرة طويلة…
وقالت:
“لسه… مش وقته.”
وسابته واقف في مكانه، من غير ما يعرف إن دخوله القصر ده وراه سر كبير مش مجرد شغل لمدة سنة وهتعدي …
وإن السنة اللي وافق يقضيها هنا، هتغيّر حياته كلها بطريقة عمره ما كان يتخيلها وهيشوف فيها حاجات عمرة ما يتخليها وان الشغل دا ما هو الا ستار لسر بيهدد المملكة كلها وان الاميرة كانت خارجة تدور علي الضحية الجديدة للملكة وانه مش اول واحد الاميرة تجيبة من الغابة وتعرض علية انه يشتغل معاها لمدة سنة عشان يخلصها من السر اللي بيعدد مملكتها لكن اللي صدمة اكتر ان ولا واخد من اللي قبلة عاشوا وخرجوا من القصر سالمين بس للاسف ادم كان وافق علي شرط الاميرة ومفيش قدامة غير انه بواجهه مصيرة اللي اختارة من غير ما يعرف اية هو ومن هنا بدأ كشف بداية السر …
وقبل ما يمشي ادم من قدام الاميرة عشان يستلم الشغل قالتة…
خليك فاكر يا ادم ان مصيرك علي اد نيتك متنساش……
#انجي_الخطيب
اختفت خطوات الأميرة على الرخام الأبيض، وتسحب السكون الخانق في المكان، بس صوت خطوات كبير الخدم المسن كان بيقطع الصمت وهو بيقرب من آدم. الرجل كان وشه جاف، خطوط السن محفورة فيه بقسوة، وناظره بعيون ملهاش أي تعبير.
“اتفضل ورايا يا بني.”
آدم وقف لحظة، ريقه ناشف، ورجليه تقال كأنه شايل جبال. الفخامة اللي حواليه والنجف المذهب اللي نازل من السقف العالي ما حركوش فيه أي انباه، كل اللي كان بيدور في دماغه جملة واحدة: “أنت الضحية الجديدة.”
مشى ورا الرجل المسن في طرقات طويلة وضيقة تفرعت من الصالة الرئيسية. الضوء كان بيبدأ يقل كل ما ينزلوا لأسفل القصر، والرائحة اتغيرت من ريحة البخور الغالي لرطوبة وعفن مكتوم.
وقف كبير الخدم قدام باب خشب تقيل، مصفح بالحديد، طلع سلسلة مفاتيح كبيرا وسحب مفتاح منهم، وفتحه بصوت صرير يوجع الضهر.
“دي أوضتك… من الفجر هتكون في الساحة، شغلانة الزرع والمواشي في الجناح الشرقي تحت إيدك.”
آدم بص جوه الأوضة، كانت صغيرة، فيها سرير خشب بسيط ولمبة زيت صغيرة بتترعش على الحيطة. بص للرجل وقال بنبرة طالع منها الخوف بالعافية:
“هو… هو مين اللي كان قبلي هنا؟”
كبير الخدم ثبت عينه في عين آدم، ملامحه متغبرتش، وقال بصوت واطي ومكتوم:
“إنت مش أول واحد يسأل السؤال ده يا آدم… بس كل اللي يسأل، بيختفي قبل ما يسمع الإجابة. المطبخ هتلاقي فيه أكلك، نام دلوقت، لأن النهار لو طلع وإنت مش في مكانك… الأميرة مش هي اللي هتتحاسبك.”
قبل ما آدم ينطق كلمة زيادة، الباب اتقفل في وشه. الصوت كان مكتوم بس يرعب. سمع صوت المفتاح وهو بيلف في القفل من بره.
آدم قعد على السرير ودموعه نزلت من غير ما يحس. افتكر عمه وهو بيربطه في الشجرة، افتكر كلامه البردان، وافتكر نبرة الأميرة وهي بتقول له: “على أد نيتك.”
هو كان فاكر إن حظه ابتسم له، إن القسوة اللي عاشها مع عمه انتهت، بس اتاري المكان اللي جاله ألعن بمية مرة.
عدت ساعات، وآدم مش عارف يغمض عينيه. الجو جوه الأوضة كان ساقط وساقع، والصمت كان تقيل. وفجأة… في وسط الليل، سمع صوت.
مش صوت مشي ولا صوت حراس… كان صوت خربشة خفيفة على الحيطة الخشبية اللي ورا سريره.
اتسمر مكانه، أنفاسه هديت، وودنه اتجمعت ناحية الصوت. الخربشة كانت منتظمة، وكأن حد بيحفر بضوافره في الخشب!
قام ببطء شديد، وقرب أيديه المرجوفة من الحيطة. المسافة بين الخشب كانت بسيطة، وفيها فتحة صغيرة كأنها تشقق قديم. بصلها، ومسك لمبة الزيت وبدأ يقربها من الشق.
اللي شافه خلى قلبه يقع في رجليه.
على الخشب من جوه، كان فيه حروف متشعثرة، مكتوبة بآلة حادة… أو بضوافر دمها نشف على الخشب. الحروف كانت متلخبطة، بس قدرت تجمع جملة واحدة:
“السر مش في القصر… السر تحت الشجرة اللي اتربطت فيها. لا تصدق الأميرة… هي مش عايزه تخُلس نفسها، هي عايزه…”
الكلام اتقطع هنا، كأن اللي كان بيكتب اتسحب فجأة.
إيد آدم كانت بتترعش واللمبة كادت تقع من إيده. اللوحة دي كتبها واحد من اللي كانوا قبله!
وفجأة، اتسمع صوت خطوات تقيلة بره الأوضة، جاية من آخر الممر. خطوات مسرعة بتأرب ناحية بابه.
آدم طفى لمبة الزيت بسرعة ورمى نفسه على السرير، وغمض عينيه وهو بيسمع صوت القفل بيلف ببطء… والباب بيتفتح.
دخل نفس هوا هسيس الساقعة جوة الأوضة، ومعاه ريحة بخور غريبة، مزيج بين المسك وريحة حاجة محروقة.
آدم كتم أنفاسه، وغمض عينيه نص غمضة وهو باصص ناحية الباب في الضلمة.
الظل وقف على العتبة. ما كانش كبير الخدم… الظل كان أرفع وأطول، وطرحة خفيفة بتتحرك مع الهواء الساقع.
الأميرة!
مشت بخطوات مالهاش صوت لحد ما وقفت جنب السرير. آدم حس ببرودة قريبة من وشه، وكأنها موطية عليه وتتأمل ملامحه وهو نايم. قلبه كان بيدق بصوت عالي لدرجة إنه كان خايف تسمعه.
مدت إيدها ببطء، ودمست ببطن صباعها على الخدوش اللي في جبهته من الحبل، وقالت بصوت واطي جدًا، أقرب للمسرحة، نبرة مفيهاش أي قسوة من اللي ظهرت بره:
“يا خسارة يا آدم… نيتك الصافية دي هي اللي جابتك لحد هنا. يا ريتك كنت خبيث… كان زمانك هربت.”
سكتت ثواني، وآدم كل خلية في جسمه مشدودة. وبعدين كملت وهي بتبعد إيدها:
“بس خلاص… الميعاد قرب، وما أظنش إنك هتتحمل اللي جاي.”
لفت ضهرها ومشت بنفس الهدوء المرعب، والباب اتأفل وراها بصوت تكّة خفيفة، بس المرة دي… ماسمعش صوت المفتاح وهو بيلف. الباب سابوه مفتوح!
قعد آدم بسرعة وهو بيلهث، وشه عرقان رغم البرد. كلامها كان زي السكين. يعني هي مش عايزة تقتله بكتها، هي بتستغل حاجة فيه… حاجة تخص “نيته”!
والجملة المكتوبة على الحيطة رجعت تزن في دماغه: “السر تحت الشجرة اللي اتربطت فيها.”
آدم أدرك في اللحظة دي إن كل دقيقة بيقضيها في القصر ده وهو مستني، بتقربه من موته. لو الباب مش مقفول بالضبة والمفتاح دلوقتي، دي ممكن تكون فرصته الوحيدة عشان يهرب… أو على الأقل يعرف هو متورط في إيه.
اتسحب من على السرير بالراحة، وخرج رجله على الأرضية الساقعة. مشى على أطراف صوابعه ناحية الباب، وفتحه ببطء شديد.
الممر كان ضلمة كحل، بس في آخره كان فيه نور خافت جاي من سلم حجري نازل للتحت.
آدم كان قدامه طريقين: يا يرجع يستخبى في أوضته ويستنى مصيره زي اللي قبله، يا يمشي ورا الخيط ده ويفهم القصة.
فرك إيديه المبتلة بالعرق، وافتكر كلام عمه، وكلام الأميرة، والحروف المنقوشة في الخشب.
اختار يمشى…
نزل السلم الحجري ببطء، وكل خطوة كانت بتنزل بيه للأعماق بتخليه يشم نفس الريحة الغريبة بتزيد. وتحت… في آخر الممر السفلي، شاف باب حديد مفتوح حتة صغيرة، وطالع منه ضوء أحمر خافت وصوت همس جماعي كأنه تعاويذ بتتريل بلغة مش مفهومة.
قرب آدم وبص من الشق الضيق…
واللي شافه جوه، خلى أسنانه تخبط في بعضها من الرعب.

1 2 3 4 5الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *