لو مش مستعدة تساعدي في مراعاه البيبي١
لو مش مستعدة تساعدي في مراعاه البيبي١
في ليلة، رجعت لقيت أبويا قاعد في الصالة ومقعد ورقة حسابات وإكسيل قدامه.
”عايزين نتكلم،” قال وهو بيشاورلي أقعد.
ترددت قبل ما أقعد.
”إحنا بنراجع المصاريف،” أبويا قال وهو بيخبط بالقلم على الورقة. “ومع نزول ميادة، المصاريف زادت. وشايفين إن الطبيعي تدفعي أكتر.”
”أنتوا بتاخدوا مني إيجار أساساً،” قلت. “عايزين كام تاني؟”
أبويا هز كتفه:
”بنشوف الحسبة، بس لو مش مستعدة تساعدي في البيبي، يبقى ده أحسن حل.”
رجعنا لنفس النقطة.
الإيجار وسيلة ذل وضغط.
”ده تهريج،” قلت وأنا بقوم. “أنا بدفع أكتر من حق القعدة هنا. لو عايزين أمشي قولوا من الآخر.”
”محدش قالك امشي،” أبويا قال بسرعة. “إحنا بنقول شيلي معانا.”
”أشيل مع مين؟” كررت، “قصدم أشيل شيلة ميادة؟”
أبويا بدأ يرد، بس أنا سبته ومشيت.
طلعت أوضتي وقفلت الباب.
كنت عارفة إني مستحيل أستمر في البيت ده.
مقدرش أعيش في مكان حدودي فيه ملهاش قيمة، وأهلي شايفيني مجرد شغالة ببلاش.
ماكنتش عارفة هخرج إزاي بالظبط.
بس كنت عارفة إني لازم أخرج.
الفكرة دي كانت بتكبر كل ما ميادة تتمشى في البيت كأنه ملكها، أو أمي وأبويا يمارسوا عليا الابتزاز العاطفي.
طبعاً، قرار الخروج حاجة والتنفيذ حاجة تانية.
تحويشتي كانت على قدها.
ما تكفيش إني أأجر شقة لوحدي مرتاحة.
النقلة الفجائية كانت مرعبة.
بس القعدة كانت أرعب.
لو سبتهم يحولوني لدادة لميادة دلوقتي، السلسلة مش هتخلص.
كل شوية خدمة جديدة.
مصيبة جديدة.
سبب جديد يخلي حياتي مالهاش قيمة قصاد طلباتهم.
ماكنتش عايزة أصحى بعد خمس سنين ألاقي نفسي لسه محبوسة هنا، مغلولة وعاجزة.
الصبح، قعدت مع القهوة وفتحت شيت الحسابات بتاعي.
إيجار.
أكل.
بنزين.
قروض التعليم.
أنا مكنتش عبقرية في التحويش، بس كنت بشيل قرشين كل شهر.
بعد ما حسبتها، لقيت إن النقل ممكن لو لقيت سكن مع شريكة بسعر معقول وضغطت المصاريف.
ساعتها افتكرت زميلتي في المدرسة، أمنية.
من كام أسبوع، كانت جابت سيرة إنها تدور على شريكة شقة.
وقتها ما ركزتش.
دلوقتي، كانت هي طوق النجاة.
بعتلها مسج: “هو موضوع شريكة الشقة ده لسه قائم؟”
ردت في ساعتها:
”أيوة لسه بدور! إيه، مهتمة؟”
”يعني، ممكن نتكلم بعد الشغل؟”
أمنية ردت:
”أكيد طبعاً.”
بعد الظهر، استنيت لما الطرقات في المدرسة فضيت ورُحت لأمنية في أوضتها.
كانت بتصحح كراسات.
”خير يا نورهان؟” سألت.
ترددت، ماكنتش عارفة حابة أشرح قد إيه.
في الآخر قلت: “بفكر أخرج من بيت أهلي، الأمور معقدة هناك.”
أمنية هزت رأسها من غير ما تضغط عليا في تفاصيل:
”العرض لسه شغال،” قالت. “الشقة مش كبيرة أوي بس ناضفة في المعادي، وهنقسم كل حاجة بالنص. الإيجار هيبقى حوالي 4 الآف جنيه بالخدمات.”
كان أكتر شوية من اللي متوقعاه.
بس هقدر أدبره.
”محتاجة حد ينقل إمتى؟” سألت.
”من امبارح،” قالت وهي بتضحك، وبعدين أضافت: “بس بجد، في أي وقت. لو أنتِ معايا، الاوضة بتاعتك.”
قلتلها هأكد عليكي على آخر الأسبوع.
بس في عقلي، القرار كان اتأخذ خلاص.
لقيت خطة الخروج.
المشكلة الجاية كانت إزاي أمشي من غير دراما وجنان.
لو أهلي عرفوا بالخطة بدري، كنت عارفة إيه اللي هيحصل.
ابتزاز عاطفي.
خناقات.
يمكن يرفعوا الإيجار عليا فوراً. أو يعملوا أي حركة تصعب عليا المشيان.
عشان كده سكت.
بدأت ألم حاجتي بالتدريج.
هدوم.
أوراق شخصية.
أي حاجة غالية أو صعب أشتري غيرها.
كنت بشيل شنط صغيرة أحطها في شنطة العربية وأغطيها ببطانية.
في نفس الوقت، وثقت كل أملكي.
صورت عفش أوضتي، الأجهزة، وكل حاجة ممكن ميادة تدعي بعدين إنها بتاعتها.
ميادة عندها هوس إنها تتلخبط في ملكية الحاجات لما الموضوع يكون في مصلحتها.
ماكنتش باخد المخاطرة دي.
في ليلة، بعد ما الكل نام، طبعت جواب رسمي بديهم فيه مهلة 30 يوم إخطار بإخلائي المكان.
عملت بحث وعرفت إن حتى لو مفيش عقد إيجار رسمى، إن كل حاجة تبقى مكتوبة وموثقة ده أضمن لي.
ماكنتش عايزة يخرجوا بعدين ويقولوا إني هربت واختفيت فجأة.
الليلة دي تقريباً ما نمتش.
الساعة ستة الصبح، زقيت الظرف من تحت باب أوضة أمي وأبويا.
رد فعلهم جه في نفس اليوم.
لما رجعت من الشغل، أمي وأبويا كانوا مستنييني في الصالة.
”إيه ده؟” أبويا سأل وهو ماسك الجواب كأنه دليل خيانة.
”ده إخطار بإني ماشية،” قلت بهدوء.
”أنتِ بتتكلمي جد؟” أمي سألت وصوتها بيرتعش.
”أيوة،” قلت، “لقيت مكان وهنقل على آخر الشهر.”
”متقدرش تمشي كده،” أمي قالت، “ومعادة؟ والبيبي؟”
أخدت نفس طويل:
”ميادة والبيبي مش مسؤوليتي. أنا عملت كل اللي أقدر عليه عشان أساعد هنا، بس مقدرش أعيش كده.”
”أنتِ جرى لعقلك إيه؟” أبويا زعق بصوت عالي. “أنتِ مكنتيش ناشفة كده! إحنا إد يناكي كتير، سايبينك عايشة ومستحملينك لحد ما تقفي على رجليكي، وده رد الجميل؟”
إيدي اتعصرت:
”أنا بدفع إيجار!” قلت من بين سناني. “وبشتري أكلي! وشايلة نفسي من يوم ما اتخرجت! أنا مش عيلة، ومش خطة بديلة لميادة!”
أمي بدأت تعيط:
”إزاي تعملي فينا كده؟” صرخت، “في أختك؟”
ما رديتش.
ما بتمش فاضل حاجة تتقال.
الأيام اللي بعد كده كانت بيئة مسمومة وتوتر يسد النفس.
أمي وأبويا يادوب بيتكلموا معايا إلا لو فيه موشح ذنب جديد.
وميادة ولا كأن حاجة بتحصل.
مكملة نقل كراكيبها للبدروم وفردها في البيت كله.
في ليلة، رجعت لقيت كراتين زيادة محطوطة.
”يارب ما أكونش بضايقك،” قالتها أول ما شافتني.
ما رديتش.
طلعت أوضتي وقفلت الباب.
الأيام الأخيرة قبل النقل، ركزت كلياً على التجهيز.
لميت باقي الشنط.
راجعت ميزانيتي ميت مرة.
نسقت مع أمنية عشان آخد المفاتيح.
كل حاجة كانت جاهزة.
بس لسه كان عندي إحساس إن فيه مصيبة هتطلعلي.
يوم النقل الرسمي، أمنية جيت بعربيتها عشان تساعدني في آخر كراتين.
كنت مختارة وقت بدري قصداً.
كنت أتمنى ميادة تكون نايمة وأمي وأبويا مشغولين فيسيبوني في حالي.
طبعاً، ده ما حصلش.
كنت في نص تحميل العربية لما سمعت شبشب أبويا جاي في الطرقة.
ظهر فوق السلم:
”بتعملي إيه؟” سأل بحدة.
كملت حركة:
”قلتلك إني ماشية النهاردة،” قلت وأنا شايالة كرتونة رايحة للباب.
”مش هتمشي وتسحبي نفسك كده!” زعق وهو طالع ورايا برة. “إحنا عيلة يا نورهان! أنتِ بتتخلي عن عيلتك؟”
حطيت الكرتونة في الشنطة وبصيتله:
”أنا مش بتخلى عن حد،” قلت، “أنا بختار أعيش حياتي. فيه فرق.”
قبل ما أبويا يرد، أمي ظهرت عند الباب.
مربعة إيدها والدموع نازلة على وشها:
”أنتِ بجد هتعملي كده؟” سألت وصوتها بيرتعش.
”أيوة،” قلت.
”ومعادة؟” عيطت، “والبيبي؟”
أتنهدت:
”يا ماما، قلتلك قبل كده. ميادة والبيبي مش مشكلتي. مقدرش أفضل أضحي بحياتي عشان أصلح غلطاتها.”
الجملة دي ولعت فيها:
”إزاي تتجرأي تتكلمي عن أختك كده؟” صرخت. “هي بتعمل كل اللي تقدر عليه!”
”بجد؟” رديت، “عشان من موقعي ده، شايفاها مستنية الكل يشتغل بدالها.”
في اللحظة دي، ميادة طلعت من البدروم.
شكلها تعبان بس صاحية.
بصت للشارع وابتسمت ابتسامة صفرا:
”متقلقيش يا ماما،” قالت بنبرة مليانة تريقة، “لو نورهان عايزة تبقي أنانية براحتها، إحنا مش محتاجينها في حاجة أصلاً.”
مسكت نفسي بالعافية وما رديتش.
درت لأمنية اللي كانت لسه واصلة:
”يلا نخلص.”
أمنية بصتلي بنظرة تعاطف وبدأت تساعدني في الكراتين فاضلة.
ورانا، أمي وأبويا مكملين تزعيق.
”مين هيساعدنا دلوقتي؟” أبويا يصرخ.
”إزاي معندكيش قلب كده؟” أمي تعيط.
وميادة سانده على الباب بتتفرج وكأنها مسرحية.
على ما العربيات اتحملت، كنت مهدودة جسدياً.
وقفت في الشارع وبصيت أخر بصة على البيت اللي سميته بيتي لسنين.
كنت متوقعة لحظة مؤثرة.
بس اللي حسيت بيه كان راحة نفسية رهيبة.