لو مش مستعدة تساعدي في مراعاه البيبي١

لو مش مستعدة تساعدي في مراعاه البيبي١

الدنيا كانت ماشية تمام ورايقة، لحد ما أختي الكبيرة ميادة رجعت ظهرت في الصورة تاني.
​ميادة عندها اتنين وتلاتين سنة، وشهد الله مفيش طريقة شيك أقول بيها الكلام ده: المسؤولية دي عمرها ما كانت من صفاتها ولا تعرف عنها حاجة.
​وأنا صغنونة، كانت هي الابنة المدللة ونجم العيلة.
​عمر ما عرفت السبب إيه، هل عشان هي البكرية ولا عشان أمي وأبويا كان عندهم نقطة ضعف أبدية ناحيتها، بس في نظرهم، ميادة دي مستحيل تغلط.
​سابت الكلية مرتين.
​أول مرة قالت إنها مش حاسة بشغف ولا إلهام.
​المرة التانية رمت التهمة على الدكاترة وقالت إن طلباتهم تعجيزية.
​عمرها ما عرفت تمسك شغلانة أكتر من كام شهر.
​أول ما أي حاجة تتقل عليها، تسيب الشغل وتدور على حجة ترمي بيها اللوم على أي حد تاني.
​وفي كل مرة، أمي وأبويا يجروا ينقذوها.
​تتأخر في إيجار الشقة؟ يدفعوه.
​عربيتها تعطل؟ هما اللي يشيلوا التصليح.
​تاخد مخالفة سرعة؟ أمي تطلع الشيكات وهي بتتحسبن وتقول الشرطة بتترصد للبنات الصغيرين.
​في الوقت ده، أنا كنت بمسح ترابيزات وبغسل أطباق في مطعم عشان أحوش مصاريف الكلية، وواخدة قروض عشان أكمل باقي المصاريف.
​على مدار السنتين اللي فاتوا، كنت فاكرة إن ميادة استقلت وعايشة لوحدها.
​واضح إني كنت غلطانة.
​هي في الحقيقة كانت بتتنقل من شقة لشقة، وكل شوية تتأخر في الإيجار وتتسحب من القاع على حس أمي وأبويا.
​ماعرفتش كل ده غير لما ظهرت فجأة في يوم وأعلنت بكل برود إنها حامل.
​أنا مش حابة أحكم على حد ولا أقيم ظروف غيري، بس ميادة ماكنتش جاهزة لا مادياً ولا نفسياً للخطوة دي خالص.
​أبو اللي في بطنها كان واحد تعرفه بقالها كام شهر بس.
​وعلى حد علمي، مكنش ططاير من الفرحة بالموضوع.
​أول ما قالتله، الراجل فص ملح وداب واختفى.
​تفتكروا إن خبر زي ده هيفوق ميادة ويخليها تشيل المسؤولية؟
​أبداً.
​طلعت تجري على أمي وأبويا، وهما بطبيعة الحال فتحوا وضع الطوارئ والإنقاذ على طول.
​في خلال أسبوع، بدأوا يجددوا البدروم ويقلبوه شقة صغيرة ليها.
​حتى المطبخ الصغير عملوه.
​ما سألتش الفلوس دي جاية منين بالظبط، بس سمعت أمي بالصدفة بتتكلم إنها هتاخد من فلوس المعاش بتاعهم.
​حاولت أبعد نفسي عن الموضوع.
​فلوسهم وهما حرين فيها.
​لو عايزين يصرفوها عشان ينقذوا ميادة تاني، دي حريتهم.
​بس كنت شايفه المكتوب من أوله.
​أمي وأبويا عندهم طبع غريب.. يقلبوا مشاكل ميادة لـ مسؤولية على الكل.
​كل ما هي تعك عكة، فجأة يبقى مطلوب من العيلة كلها تضحي عشان الموقف يعدي.
​في الأول، أقنعت نفسي إن الموضوع مش هيطالني.
​البدروم هيبقى شقة ميادة.
​هيبقى ليها مكانها الخاص.
​وأنا هكمل في شغلي، وأحوش فلوس، وأعيش حياتي.
​كان شيء ينرفز وأنا شايفاهم بيلفوا حولين نفسهم عشانها، بس حاولت ما أركزش.
​الموضوع ده استمر حوالي شهرين.
​بعدها بدأت النغزات والكلام اللي ملوش لازمة.
​أمي بدأت تقول لي المفروض تقعدي مع ميادة أكتر عشان هي بتعاني ومظلومة.
​وطبعاً كون إني بشتغل دوام كامل وبرجع البيت مهدودة، ده مكنش يسوى عندها شيء.
​بعدين دخلنا في موشح الذنب والتأنيب.
​أمي تقول كلام زي: “أنتِ عارفة يا نورهان، ميادة ملهاش حد تسند عليه دلوقتي، صعب أوي تتنسل وهي لوحدها وحامل.”
​وكل ما تقول الجملة دي، تبصلي في عيني كأني أنا المفروض أحل مشكلة ميادة.
​وأبويا مكنش أحسن منها.
​كان بيدخل اسم ميادة في أي حوار.
​”المفروض تحمدي ربنا على النعمة اللي أنتِ فيها يا نورهان،” يقولها وهو بيناولني الملح على العشا، “مش كل الناس محظوظة زيك.”
​محظوظة!
​أنا كنت بالعافية مشية أموري وبحاول أثبت نفسي في شغلي كمدرسة وأحوش قرشين.
​في الوقت اللي ميادة بتاخد فيه شقة متوضبة على الفرازة، ودعم مادي، وحنان غير مشروط.
​في ليلة، سمعت كلام بين أمي وأبويا.
​هما كانوا في الصالة وأنا في المطبخ بعمل شاي.
​”هي هتحتاج مساعدة كبيرة أوي لما البيبي ييجي،” أمي قالت كده.
​أبويا رد: “أكيد، كلنا هنشيل مع بعض.”
​أمي اترددت: “كلنا؟”
​”يعني.. أنا وأنتِ.. ونورهان،” أبويا قالها ببديهية غريبة.
​المج كان هيقع من إيدي.
​محدش فيهم جابلي سيرة عن الخطط دي.
​ومع ذلك، قرروا نيابة عني إني هشارك!
​من اللحظة دي، الموضوع أتحول من مجرد حاجة تنرفز لتهديد صريح.
​ماكنتش عارفة هما مستنيين مني إيه بالظبط، بس الأكيد إنهم ناويين يجرجروني لحياة ميادة غصب عني.
​الإحساس ده زاد لما ميادة بدأت تيجي البيت كتير.
​ترمية نفسها على الكنبة وتقعد تشتكي من صعوبة الحمل وكد إيه الدنيا غير عادلة إن اللي كان معاها يخلع.
​وبعدين تتأفأف وتقول يا بختك يا نورهان شغلك ثابت ومعندكيش عيال تشيلي همهم.
​في كل مرة، كنت بضغط على سناني وأسكت.
​بس جوايا سؤال واحد بيصرخ:
​هو ليه موضوعها ده لازم يتقلب ويبقى مشكلتي أنا؟
​لما قعدنا نتعشى في ليلة من الليالي، كنت عارفة إن فيه مصيبة بتطبخ.
​الكل كان بيمثل الهدوء زيادة عن اللزوم.
​أمي وأبويا بيتكلموا في حاجات مالهاش لازمة، زي سور الجيران الجديد.
​وميادة قاعدة تتصفح في الموبايل.
​كان المشهد متفصل، كأن الكل عارف الموضوع الأساسي إلا أنا.
​العشا كان مكرونة سباجيتي، وده الأكل المفضل عند أبويا لما يحب يفتح موضوع عائلي خطير.
​حاولت ما أفرطش في التفكير.
​في نص العشا، أمي تنحنحت.
​”إحنا كنا بنفكر كده…” بدأت كلامها وهي بتبص لأبويا.
​أنا اتجمدت.
​عمر ما جيه خير بعد الجملة دي.
​”بما إن ميادة راجعة تعيش هنا، هي هتحتاج مساعدة،” أمي كملت بنبرة مليانة تمثيل ونعومة.
​”مساعدة في إيه بالظبط؟” سألت بهدوء.
​أبويا رد قبل ما هي تنطق:
​”في البيبي طبعاً. ميادة وراها حاجات كتير ومش هتقدر تشيل الشيلة لوحدها.”
​بصيت لميادة.
​كانت لسه باصة في الموبايل وكأن الكلام مش عليها.
​”تمام، وده علاقته إيه بيا أنا؟” سألت ونزلت الشوكة.
​أمي وأبويا تبادلوا النظرات.
​”يعني…” أمي بدأت، “أنتِ كده كده عايشة معانا، وشاطرة أوي مع الأطفال، وأنتِ مدرسة أساساً. فكرنا إنه الطبيعي إنك تساعديها في مراعاة البيبي.”
​”أساعدها؟” كررت الكلمة وأنا برفع حاجبي.
​أبويا هز رأسه بحماس:
​”أيوة، يعني تخلي بالك من البيبي عقبال ما ميادة تقف على رجلها. مش هيبقى دوام كامل يعني، بس وأنتِ قاعدة في البيت.”
​بصيت له وذهولي بيزيد:
​”أنتوا عايزين أرضع وأشيل بيبي بعد ما أرجع من شغل يوم كامل؟”
​”ما أنتِ بتبقي في البيت على الساعة تلاتة معظم الأيام،” أمي قالتها.
​”وبعدين أنتِ مبتدفعيش إيجار السوق،” أبويا أضاف وكأنه بيحسم الق\ضية.
​ساعتها بس فهمت.
​هما مكنوش بيطلبوا مساعدة وقتية.
​هما كانوا ناويين يحولوا كل ساعة فاضية بعد شغلي لخدمة ومراعاة ببلاش.
​”استنوا كده عشان أفهم،” قلت وأنا برجع بظهري لورا، “أنتوا عايزين أرجع من مدرستي وطول اليوم مع عيال، عشان أقعد أراعي ابن ميادة؟”
​أمي أتنهدت كأني أنا اللي بنكد عليهم:
​”مش كده يا نورهان، إحنا كلنا هنشيل.”

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *