لو مش مستعدة تساعدي في مراعاه البيبي١

لو مش مستعدة تساعدي في مراعاه البيبي١

حصري لصفحة روايات رولا
“لو مش مستعدة تساعدي في مراعاة البيبي،” قالها بصوت ناشف، “يبقى هنضطر نرفع عليكي الإيجار.”
​أمي كانت قاعد جنب منه ومربعة إيدها.
​وقدامي، أختي الشحرورة ميادة اللي عندها اتنين وتلاتين سنة، أخيرًا رفعت عينها من على الموبايل.
​وابتسمت.
​مش بتوتر.
​ولا بأسف.
​ابتسمت كأن الخناقة اتقتلت بحثًا وخلاص خلصت لصالحها.
​كأن أهلي أخيرًا لقوا الكارت اللي هيضغطوا بيه عليا عشان أسمع الكلام وأبقى تحت جزمتهم.
​أنا كان عندي خمسة وعشرين سنة، بقالي كام شهر بس شغالة مدرسة ابتدائي في أول شغلانة ليا، ولسه عايشة في بيت عيلتنا في منطقة هادية في الشروق.
​كانوا عارفين إن الإيجارات برة نار.
​وعارفين إني بحوش كل جنيه أقدر عليه.
​وعارفين كويس إني أستحالة أقدر أأجر شقة لوحدي مرتاحة.
​عشان كده لما أبايا جاب سيرة رفع الإيجار، كل اللي قاعدين على الترابيزة فهموا المعنى المداري.
​تبقي دادة وببيسيتر لأختك ببلاش.
​يا إما نخلي العيشة هنا جحيم ونكدرك.
​نزلت الشوكة بالراحة على الطبق.
​”أنتوا بتتكلموا جد؟ هتاخدوا مني إيجار أكتر عشان مش عايزة أطلع خدامة ومربية لميادة ببلاش؟”
​وش أبايا اتخشب.
​”دي مش عقوبة. ده اسمه إنك تشيلي معانا وتبقي فرد من العيلة دي.”
​ميادة اتسندت لورا على الكرسي.
​والابتسامة لسه على وشها.
​دي كانت اللحظة اللي قررت فيها إنه مفيش فايدة من الكلام معاهم.
​عشان الموضوع ده مكنش وليد الليلة دي.
​طول عمرها ميادة هي الشخص اللي أهلي بينقذوه وبيجروا وراه.
​اترفدت وسبت الكلية مرتين.
​كل شوية شغلانة وسيبان شغل.
​مشاكل في إيجار شققها القديمة.
​عربيتها عطلانة وعايزة تصليح.
​دايمًا فيه مصيبة جديدة، وحجة جديدة، وسبب يخلي مفيش أي حاجة مسؤوليتها هي.
​وسبحان الله، أمي وأبويا دايمًا يلاقوا طريقة يحلوا بيها بلاويها.
​في الوقت نفسه، أنا كنت بطحن نفسي.
​أخدت قروض عشان أكمل تعليمي.
​كنت بمسح ترابيزات وأغسل أطباق في مطعم عشان أصرف على نفسي في الكلية.
​بعد ما اتخرجت، مسكت شغلانة التدريس، وبقيت أدفع إيجار لأهلي كل شهر، وأشتري أفي وأكلي بنفسي، وأساعد في البيت، وأقلم الجنينة، وأصلح الحاجات المكسورة، ونضفت الروف كله لما أبايا ضهره توجع.
​ماكنتش بطلب من حد يشيلني.
​كنت بحاول أعمل لنفسي حياة.
​فجأة، ميادة أعلنت إنها حامل.
​واللي كان معاه الاختفاء المريب والأب فص ملح وداب على طول.
​في خلال أسبوع، أمي وأبويا كانوا بينزلوا البدروم ويجددوه عشان يعملوه شقة ليها.
​عفش جديد.
​مطبخ صغير.
​كراتين في كل حته.
​حتى إني سمعت أمي بالصدفة بتتكلم عن إنها هتاخد من فلوس المعاش بتاعهم عشان تجهز الشقة.
​أنا كبرت دماغي وما اتكلمتش.
​بيتهم.
​فلوسهم.
​هما حرين.
​بس بعد كده سمعت حاجة تانية.
​في ليلة، كنت بعمل شاي في المطبخ وأمي وأبويا كانوا بيتكلموا في الصالة.
​”هي هتحتاج مساعدة كبيرة أول ما البيبي ييجي،” أمي قالت كده.
​رد أبويا: “أكيد، كلنا هنشيل مع بعض.”
​أمي اترددت.
​”كلنا؟”
​”أنا، وأنتِ… ونورهان.”
​إيدي اتسمرت على المج.
​محدش جه سألني.
​محدش جاب سيرة مواعيد.
​محدش كلّف خاطره يسألني إذا كنت عايزة أقضي فترة بعد الظهر ألضم بيبي بعد ما بقضي اليوم كله بحرق دمي مع أطفال في المدرسة.
​هما قرروا وخلاص.
​بعد كام يوم، حولوا القرار ده لعزومة عشا عائلية.
​أمي ابتسمت ابتسامة صفرا أوي وهي بتفتح الموضوع.
​”أنتِ شاطرة أوي مع العيال يا نورهان. أنتِ مدرسة أساسًا، والموضوع راكب على بعضه.”
​أبويا هز رأسه.
​”كده كده أنتِ بتبقي في البيت على الساعة تلاتة معظم الأيام.”
​”كده كده.”
​كأن الساعات اللي بعد شغلي ملكهم هما.
​كأن شغلي بيخلص وأنا بتحول لخدمة تحت أمرهم.
​لما اعترضت، ميادة أخيرًا دخلت في الكلام بقمة البجاحة.
​”يا باي يا نورهان،” قالتها وهي بتلوي بقها. “ماكنتش اعرف إن مساعدة أختك تقيلة على قلبك أوي كده.”
​بصيت لها.
​واحدة حامل، مابتشتغلش، قاعدة في شقة متوضبة على حس أمي وأبويا وبفلوسهم، وفوق ده كله طالعة أنا اللي أنانية ومفردة!
​بعدها أمي قالت إن لازم أفكر في العيلة.
​وأبويا فكرني إني عايشة تحت سقف بيته.
​وفجأة… جابوا سيرة الإيجار.
​كل ده وكان ممكن يتبلع.
​بس الموضوع زاد عن حده.
​ميادة بدأت تتعامل مع البيت كأن كل حاجة جواه بتاعتها هي.
​في ليلة، فتحت التلاجة لقيت نص أفي بخر.
​عيش.
​زبادي.
​حتى بواقي الأكل اللي كنت شايلاها من امبارح.
​”أنتِ أكلتي أكلي؟” سألتها.
​من غير ما تبص حتى بعيد عن التلفزيون.
​”ماما قالتلي عادي.”
​”بس هي مدفعتش حق الأكل ده.”
​ميادة لوت عينها.
​”اهدي يا نورهان، ده شوية أكل يعني مش قصة.”
​الصبح، أمي زنقتني في المطبخ.
​”لازم تتأسفي لأختك.”
​أنا افتكرت نفسي سمعت غلط.
​”أتأسف على إيه؟”
​”على إنك حسستيها إنها غير مرحب بيها.”
​في اللحظة دي، فيه حاجة اتكسرت جوايا.
​مش بدراما.
​ما صرختش.
​ما هددتش حد.
​أنا ببساطة قاطعت فكرة إن كلام تاني هيصلح العك ده.
​بعدها بكام ليلة، أبويا ظهر ومسك شيت إكسيل مطبوع.
​قال إن مصاريف البيت زادت، ميادة نازلة تقعد، والبيبي جاي في الطريق.
​ولازم الكل يشارك.
​”هتزودوا الإيجار كام؟” سألته.
​هز كتفه.
​”بنشوف الحسبة. بس لو مش مستعدة تساعدي في البيبي، يبقى ده أحسن حل.”
​بصيت في ورقة الحسبة.
​وبعدين بصيت له.
​ولأول مرة، عرفت إنهم غلطوا غلطة عمرهم.
​هما افتكروا إن احتياجي لوقت عشان أمشي معناها إني مش هعرف أمشي أصلاً.
​طلعت أوضتي من غير ما أجادل.
​قفلت الباب.
​فتحت اللابتوب.
​وبدأت أجمع الأرقام.
​إيجار.
​أكل وشرب.
​بنزين.
​قروض الدراسة.
​تحويشة.
​كل جنيه كان يفرق.
​فجأة افتكرت حاجة كانت زميلتي في المدرسة قالتها من أسابيع.
​كانت تدور على شريكة معاها في شقة في المعادي.
​بعتلها مسج واحدة.
​”هو القوضة اللي عندك لسه فاضية؟”
​الرد جه في ساعتها.
​أيوة.
​الليلة دي، بدأت ألم حاجتي.
​مش بطريقة تلفت النظرة.
​كام حتة هدوم.
​أوراقي الشخصية.
​الحاجات اللي مش هعرف أشتري غيرها لو ضاعت.
​نقلتهم بالراحة في شنطة عربيتي وغطيتهم ببطانية.
​بعدين صورت أوضتي.
​العفش بتاعي.
​الأجهزة.
​أي حاجة ممكن ميادة تطلع في دماغها بعدين وتقول إنها بتاعتها.
​عيلتي افتكروا إني سكت عشان اتكسرت وخسرت.
​ماكنوش فاهمين إني بطلت نهد وحرق دم عشان خلاص خلصت كلام ومفيش تفاوض تاني.
​بعدها بكام ليلة، وبعد ما الكل نام، قعدت لوحدي على المكتب.
​قدامي ورقة واحدة.
​قريتها لآخر مرة.
​طبعتها.
​طبقتها بشرص.
​وحطيتها في ظرف.
​الساعة ستة الصبح، الطابق كان ساكت تمامًا.
​مشيت لحد باب أوضة أمي وأبويا.
​وطيت.
​وزقيت الظرف من تحت الباب.
​ونزلت رحت شغلي.
​لما رجعت العصر، مفيش حد كان بيمثل خلاص.
​أمي كانت قاعد مشدودة ومحشورة على الكنبة.
​ميادة واقفة جنبها.
​وأبويا واقف في نص الصالة ماسك الظرف في إيد والجواب بتاعي في الإيد التانية.
​شيت المصاريف اللي كان فاكر هيذلني بيه اختفى.
​وراح معاه لوية بق ميادة وضحكتها الصفرا.
​أبويا رفع الورقة في وشي.
​وشه كان مختلف تمامًا عن الليلة اللي هددني فيها بزيادة الإيجار.
​”إيه ده؟”
​قفلت باب الشقة ورايا.
​ولأول مرة من ساعة ما ميادة رجعت البيت، كنت عارفة إن هما اللي ميعرفوش خالص إيه اللي جاي على دماغهم.

1 2 3 4 5الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *