روايه جديده ج الاخير

روايه جديده ج الاخير

وقالت: “أيووه، انتي بنتها الشرعية يا عهد.”
انهارت عهد في البكاء، كان بكاءً عميقًا، كأنه يخرج وجع سنوات كاملة دفعة واحدة.
ثم قالت بصوت مكسور:
“طيب، ليه ماما خبت ده عني؟ اه لما ماتت، كنت لسه صغيرة، بس ليه مكانش فيه أي دليل على أن انا بنت راجل تاني غير رياض؟!”
تنهدت العجوز، وقالت: “علشان كانوا خايفين من رياض، كان ممكن يق*تلهم، ويأذي أي حد عزيز عليهم.”
رفعت عهد رأسها ببطء، وقالت بمرارة:
“طيب ما هو ق*تلهم.”
أومأت العجوز ببطء.
“ايوه، لما عرف ده بعد سنين إنه مش بيخلف، بدأ يشك.”
ارتجفت شفتا عهد، وأكملت العجوز:

“ولما اكتشف الحقيقة.”
توقفت لحظة، كأن الكلمات تخنقها، ثم قالت بصوت مخنوق:
“ق*تل أمك، وبعدها ق*تل أبوكي، وكان عايز يق*تلك انتي كمان.”
انفجرت عهد في البكاء، وضعت يديها على وجهها وهي تقول بانهيار:
“يا رب، أنا كل يوم قلبي بيوجعني اكتر من اليوم اللي قابلة، حتى لما عرفت الحقيقه طلعت ظلمتهم.”
اقترب همام منها بسرعة، احتضنها بقوة بين ذراعيه، دفنت رأسها في صدره وهي تبكي بحرقة، بينما كان يمسح على شعرها محاولًا تهدئتها.
أما العجوز فكانت تنظر إليهما بدموع صامتة، ثم قالت بصوت خافت:
“أنا فضلت سنين بدور عليكي يا بنتي.”
رفعت عهد رأسها ببطء.
نظرت إليها بعيون غارقة بالدموع، وقالت بصوت ضعيف:
“كان اسمه ايه؟”

ابتسمت العجوز بحزن.
وقالت: “اسم أبوكي.”
توقفت العجوز لحظة، ارتجف صدرها وهي تستجمع أنفاسها، وكأن الاسم الذي نطقته منذ قليل أعاد إليها عمرًا كاملاً من الذكريات المؤلمة، ثم أكملت بصوت مختنق، يحمل في نبرته وجع السنين:
“خالد الدهشوري، كان محاسب في شركات ابورياض، وفى يوم امك راحت ليه الشركه علشان كانت عايزة منه فلوس تشتري حاجة، شافها رياض وأعجب بيها، بس هي صدته وده خلاها عجبته اكتر، عرف انها مرات موظف عنده، الاول اتعامل مع ابوكي بذوق وأدب وبدأ يزورهم فى البيت، ولما خالد مرتاحش لتقربه ده ودخوله البيت عنده، قدم استقالته، وطبعا علشان رياض مكانش سهل، وفلاتي بتاع بنات، فهم استقالة ابوكي بسبب ايه، وبدأ يظهروشه الحقيقة، الاول حاول يلبسه قضية اختلاس.”

بينما كانت العجوز تتحدث، كانت ملامح عهد تتغير ببطء، كل كلمة كانت تكشف لها جانبًا جديدًا من الماضي، ماضي لم تعرف عنه شيئًا طوال حياتها.
التفتت بعينيها نحو همام للحظة، نظرة قصيرة، لكنها كانت مليئة بالألم.
فجأة تذكرت ما حدث معه هو أيضًا، وكيف كاد نفس الرجل أن يدمر حياته بنفس الطريقة، شعرت بوخز مؤلم في قلبها، أما العجوز فواصلت حديثها، وكأنها تحاول أن تفرغ كل ما احتفظت به في صدرها لسنوات طويلة.
“بس وقتها ربك مرداش بالظلم، وظهرت الحقيقه، وزميل ليه كشف الورق الحقيقي وكانت حسابات الشركة كلها مظبوطه وقت ما قدم الاستقالة، كل ده طبعا زود عناد رياض وتمسكه بأمك، وقتها، بدأت تهديداته تكون صريحه بق*تل أهاليهم، واي حد عزيز عليهم، بس ابوكي
متنازلش عن امك برضه بسهولة، اتفقوا أنهم هيسافروا أي مكان تاني ويسيبوا ليه البلد، بس أثناء ما كانوا في العربيه رايحين المطار علشان يسافروا هجموا عليهم رجالة رياض وخطفوهم، وفضل يعذب في ابوكي علشان يطلقها، وهوكان رافض برضه، لحد ما جاب امك قصاد خالد ابني واعتدى عليها، كسر رجولته وامك في وقت واحد، وكل ما ابوكي يرفض يطلق، كل ما هو كان يعتدي على امك قصاده، لحد ما ابوكي استسلم وطلقها ودموعه موقفتش على خده، سابوا رياض واتجوز امك بالغصب، وفي كل مرة ترفضه يغتصبها، ابوكي لما حس بقلة الحيلة وأنه مقدرش يحميها، نار كانت بتقييد جواه، وقرر يسافر ويهرب من ضعفه، بس كان هيتجنن على امك، راح اتسحب ونط من الشباك ليها، وفي لحظة ضعف، حصل ما بينهم علاقة، طبعا وقتها امك فكرت نفسها خاينه لأنها كانت مانعه رياض يقرب منها وسمحت لابوكي يلمسها، رياض طبعا لما اخد امك من ابوكي هو كده حس انه
صفحة 437
انتصر وكسب الجولة، وعاش حياته طبيعي جدا مع البنات وكان بيرجع وهو مش شايف قصاده من كتر الشرب، فضل ابوكي يأنب نفسه على اللي حصل وضعفهم لبعض لحظة عتاب ووجع، قرر يسأل الشيوخ ويعرف إذا كان اللي عملوا ده ذنب ولا لا، وقتها كلام الشيوخ ريحهم لما قالوا إن الطلاق اللي تم ده طلاق بالإكراه وباطل، وأنهم لسه زوجين زي ما هما وان جوازها من رياض باطل واي حاجه تحصل ما بينهم بالرضا تكون زنا.”
مع كل كلمة كانت تقال، كانت دموع عهد تتساقط دون أن تشعر، لم تعد تحاول إيقافها، كانت تستمع، فقط تستمع، قلبها يضيق، وأنفاسها تتثاقل، وكأن تلك القصة لا تخص شخصين ماتا منذ سنوات، بل تخص قلبها هي، تنهدت العجوز بوجع عميق، ثم تابعت حديثها بصوت خافت، كأنها تحكي ذكرى ما زالت تؤلمها حتى الآن:
“وفي نفس الشهر طلعت امك حامل فيكي، اسودت الدنيا في عيونها
صفحة 438
وقتها، وخافت على ابوكي وعلى نفسها وعلينا من جنان رياض لو عرف انها حامل من راجل غيروا، جاتها فكرة أنها تقوله حامل منه، وهو طبعا كان هيصدق لانه اعتدى على امك كتير، ولما عرف الخبر الاول اتصدم وبعد كده فرح بيكي، وفضل الوضع كده مفكر انك بنته، لحد ما في يوم عمل حادثه بسيطه بالعربيه بتاعته ودخل المستشفى وبعد ما خرج نظراته كانت مش مطمنه لامك، وبعد فترة بسيطه عملتوا حادثه انتي وهي بس امك الله يرحمها ماتت، وانتي محصلش ليكي حاجه، ومافيش شهر ابوكي مات عربيه خبطته في الشارع، وانقطعت اخبارك عني حاولة اوصلك كتير بس كان هو مانع اي حد يشوفك ولسه من قريب عرفت أنه هو اللي ق*تل امك وابوكي، لما اكتشف من التحاليل أنه مش بيخلف اصلا، بس يا حبيبتي هي دي كل الحكايه.”
ساد صمت ثقيل داخل الغرفة، صمت مليء بالوجع، كانت شهقات عهد ترتفع بين الحين والآخر، بينما كان همام يمسح على كتفها برفق،
صفحة 439
محاولًا تهدئتها دون أن يقاطع تلك الحقيقة التي خرجت أخيرًا إلى النور، رفعت عهد عينيها ببطء نحو العجوز، كان الألم واضحًا في ملامحها، لكنه كان ممزوجًا بشيء آخر، ضياع، نهضت ببطء، وكأن جسدها يتحرك دون وعي، ثم قالت بصوت مختنق:
“أنا ماشيه، مش عارفه ألوم عليكم ولا عليها ولا عليه أنا تايهه بجد، أنا كانت حياتي مش احسن حاجه، بس على الاقل كنت عايشه ومفكرة أن ليا ام واب عادين زي أي حد في سني، إنما دلوقتي أنا بقيت تايهه لا عارفه اسامح هنا ولا اغفر هنا، عموما أنا مش عارفه هنقابل تاني ولا لا، كان نفسي اقابلك في فرصه سعيدة سلام.”
لم تنتظر ردًا، استدارت فورًا، واتجهت نحو الباب، خطواتها كانت سريعة، كأنها تهرب من المكان قبل أن ينهار ما تبقى من قوتها، ثم خرجت من الشقة دون أن تلتفت خلفها، نظر همام إلى جدتها لحظة، كانت عيناها ممتلئتين بالدموع.
صفحة 440
لكنه لم يستطع البقاء، قال بسرعة وهو يتحرك نحو الباب:
“هبقى أكلمك فون، عن اذنك.”
ثم اندفع خلف عهد، هبط السلم مسرعًا، حتى وصل إلى الأسفل.
هناك، وجدها تقف بجوار الحائط، ظهرها مستند إليه، وكتفاها يهتزان بعنف، كانت تبكي بوجع حقيقي، بكاء شخص تحطمت داخله أشياء كثيرة في لحظة واحدة، اقترب منها فورًا، فتح ذراعيه، واحتضنها بقوة، تكلم بنبرة هادئة محاولًا تهدئتها:
“شش، اهدي يا حبيبتي، انا عملت كده فكرت انك هتكوني مبسوطة لما تعرفي ابوكي مين، دورت لحد ما عرفت الحقيقة وجبتك تسمعيها بودنك، علشان ترتاحي ونقفل على الموضوع ده، واديكي اهو سمعتي بودنك، امك ست شريفه، وانك جايه بطريقه شرعيه، مش زي ما كنتي مفكرة أنك بنت حرام، واعتقد يعني معاملة رياض معاكي طول السنين اللي فاتت مكانتش احسن حاجه، يعني اكيد مش زعلانه أنه
مطلعش هو ابوكي، أنا فاهم مشاعرك واللغبطه اللي انتي فيها، بس على الاقل قلبك ارتاح لما الحقيقه ظهرت، وكل واحد هياخد جزائه.”
تمسكت به بقوة، كأنها تتشبث بشيء ثابت وسط عاصفة، وقالت من بين شهقاتها: “أنا مش زعلانه عليه يا همام ولا زعلانه أن مطلعش بنته، بس الحقيقه صعبه عليا اوي، لما اعيش عمري كله وانا أسمي على اسم راجل زي ده غريب معرفهوش واتحرمت من امي وابويا وانا صغيرة ومعرفش حتى شكله ايه ده يقهر اوي.”
ابتعد قليلاً عنها، رفع يديه، وأمسك وجهها برفق بين كفيه، نظر في عينيها بحنان واضح وقال بهدوء:
“المهم انك عرفتي ابوكي الحقيقي مين، شكله هتعرفي من صورته، واحمدي ربنا في حد من ريحته جدتك وعماتك وبقى ليكي عيلة بسيطه وجميله زي دي، اهدي بقى يا عمري وخلينا ننسى الماضي بكل ما فيه، ونعيش المستقبل لينا احنا وبس، وحشتيني يا عمري، ونفسي نبدأ
ال
حياتنا مع بعض عايز اجيب منك اطفال كتير.”
احمر وجهها فورًا، نظرت إليه بتوتر، ثم ابتلعت ريقها بصعوبة. وأومأت رأسها بخجل، ابتسم همام بسعادة واضحة، ثم أمسك يدها وقبلها بخفة وقال بمزاح:
“يلا يا حبيبتي ورانا دخله متأجلة، وانا مش قادر استنى خلاص.”
شهقت بخجل واضح، وضعت يدها على وجهها سريعًا، ثم ركضت مبتعدة عنه، توجهت نحو السيارة وصعدت إلى المقعد الأمامي بسرعة، كانت دقات قلبها تتسارع، فغلقت عينيها محاولة أن تهدئ نفسها، وقف همام للحظة يتابعها بنظرات عاشقة، كان سعيدًا، ليس فقط لأنها خجلت من كلماته، بل لأنه استطاع أخيرًا أن يخرجها قليلاً من تلك الدوامة المظلمة التي كادت تبتلعها، تقدم نحو السيارة، جلس خلف المقود، مد يده نحوها وأمسك يدها برفق، ثم قبلها ببطء شديد، بعدها أدار المحرك، وتحرك بالسيارة عائدًا بها إلى الفيلا، بينما
ال
كانت بداية حياة جديدة تلوح لهما في الأفق.
**
بعد مرور عدة أعوام…
كان الصباح هادئًا داخل الفيلا، أشعة الشمس تتسلل من النوافذ الكبيرة لتغمر المكان بدفء لطيف، وكأن الحياة أخيرًا قررت أن تمنح تلك الأسرة بعض السلام بعد سنوات طويلة من الألم.
هبطت عهد من أعلى الدرج ببطء.
كانت تحمل ابنتها الصغيرة بين ذراعيها بحنان، بينما تمسك باليد الأخرى يد روفان التي كانت تقفز بجوارها بخفة طفولية، وحقيبة المدرسة تتأرجح فوق ظهرها مع كل خطوة.
كان المشهد بسيطًا، لكنه مليء بالحياة.
عهد التي عاشت سنوات من الألم، أصبحت الآن أمًا لطفلتين، وعينها لم تعد تحمل ذلك الحزن القديم، بل أصبح فيها دفء مختلف.
ا
عندما وصلت إلى آخر الدرج، ابتسمت لحليمة بحب وقالت:
“صباح الورد يا ماما.”
ثم التفتت إلى جدتها الجالسة على مقعدها المتحرك، والتي أصبحت جزءًا أساسيًا من البيت منذ سنوات، وقالت بحنان:
“صباح الفل يا نانا.”
ارتسمت الابتسامة على وجهيهما معًا.
تكلمت حليمه قائلة:
“صباح النور يا حبيبتي، ايه اخرك النهاردة كده يا حبيبتي؟”
تنهدت عهد بخفة، ثم نظرت إلى روفان بنظرة عتاب خفيفة وقالت:
“أعمل ايه؟ فيه بنوته هنا شقيه طلعت عيني على ما صحيت ولبست هدوم المدرسه.”
رفعت حليمة حاجبها ونظرت إلى روفان بنفاذ صبر وقالت:
“برضه كده يا روفا؟ احنا مش اتفقنا انك مش هتتعبي مامي معاكي.”
الصف
ابتسمت عهد فورًا واحتضنتها بحب، وكأنها لم تسمح حتى للفكرة أن تمر أن طفلتها يمكن أن تكون عبئًا عليها، وقالت بنبرة هادئة:
“لا طبعا بهزر يا ماما، روفان واختها اميرة واحد عندي، وعمري ما اتعب منهم ابدا، دول اللي طلعت بيهم من الدنيا، ربنا يخليهم ليا يارب.”
ابتسمت الجدة بسعادة واضحة.
كانت تنظر إلى عهد دائمًا وكأنها ترى في ملامحها ابنها الراحل، وقالت بصوت مليء بالحنين: “ربنا يبارك فيكي يا بنتي، طبعك كله زي خالد ابوكي بالظبط، ربنا يرحمه ويخليكي يا حبيبتي.”
ارتسمت ابتسامة حزينة على وجه عهد.
ذكرى والدها ما زالت تسكن قلبها، رغم أنها لم تره يومًا.
أخرجت تنهيدة حارة وقالت بهدوء:
“ربنا يرحمه هو وماما يا نانا كان نفسي اشوفه اوي.”
ثم نظرت حولها باحثة بعينيها وقالت بتساؤل:

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *