روايه جديده ج الاخير
روايه جديده ج الاخير
“الفصل السادس عشر”
في صباح يوم جديد، استيقظت عهد فجأة على ألم حاد ينهش ذراعها.
فتحت عينيها بسرعة، وما إن اتضحت الرؤية أمامها حتى تجمدت ملامحها.
كان والدها يقف بجوار السرير، ممسكًا بذراعها بقوة مؤلمة، حتى شعرت وكأن عظامها تكاد تتحطم بين أصابعه.
كانت عيناه تقدحان شررًا، ونظرته تحمل ذلك البريق الذي تعرفه جيدًا، بريق الطمع والغضب الذي لطالما أخافها منذ طفولتها.
أغمضت عينيها مرة أخرى للحظة، محاولة تحمل الألم، ثم قالت بصوت مختنق امتزج فيه التعب بالسخرية المريرة:
“خير؟ المرادي معاك فيديوهات مخله ليا، وناوي تنشرها علشان الكل يتفرج على فضيحة بنتك وتكسب انت من وراها.”
شد قبضته على ذراعها أكثر، حتى تأوهت دون إرادة.
اقترب بوجهه منها قليلًا، وقال بصوت هامس يحمل قسوة مرعبة:
“لا معايا اللي احسن من الفيديوهات.”
ثم أدخل يده في جيب بنطاله وأخرج س*لاحًا ناريًا صغيرًا.
لمعت فوهته تحت ضوء الصباح الخافت، بينما ارتسمت على وجهه ابتسامة باردة مليئة بالشر، لوح به أمامها قليلًا ثم قال:
“معايا ده اللي هخلص بي على همام، مدام مش قادرة تخليه يتجوزك، أق*تلة، وبطريقتي هخلي أملاكه كلها دي بتاعتي أنا.”
اتسعت عينا عهد فجأة برعب حقيقي.
لم يكن هذا تهديدًا فارغًا.
هي تعرف والدها جيدًا، أكثر مما ينبغي.
تعرف أنه مستعد لارتكاب أي شيء، أي شيء على الإطلاق، مقابل المال.
ارتجف جسدها قليلًا، ثم نظرت إليه برجاء يائس وقالت بصوت مبحوح:
“ليه يا بابا حرام عليك؟ متأذيش همام ارجوك، حتى علشان خاطر بنته، تعالى نمشي من هنا أنا وأنت، ونبدأ حياتنا من جديد، ووعد هدور على شغل تاني ومش هخليك تحتاج أي حاجه ارجوك يا بابا.”
لم تمضي لحظة حتى دوى صدى ضحكاته داخل الغرفة.
ضحكات قاسية، خالية من أي رحمة.
ثم قال بغضب ساخر:
“انتي عبيطه يا بت نمشي فين؟ أنا مش هتحرك من هنا غير لما يكون كل ده ملكي أنا.”
امتلأت عيناها بالدموع، وشعرت بأن الهواء يثقل داخل صدرها.
لكنها حاولت السيطرة على نفسها، ثم قالت بصوت متقطع:
“حاضر يا بابا هخلي همام يتجوزني بأي طريقه، بس ارجوك بلاش تأذي.”
توقفت ضحكاته فجأة.
ثم ظهرت على وجهه ابتسامة انتصار واضحة.
أعاد السلاح إلى جيبه ببطء، وكأنه استمتع كثيرًا برؤية الخوف في عينيها.
ثم قال بنبرة تحذيرية:
“قدامك اسبوع واحد بس، تخليه يتجوزك، ولو ده محصلش يبقى تترحمي على حبيب القلب.”
أنهى كلماته واستدار متجهًا نحو الباب.
لكن قبل أن يخرج، توقف فجأة، ثم التفت إليها مرة أخرى وقال بنبرة خبيثة:
“بس حلوه، عجبتني فكرة انك تنامي عنده فى الاوضه طول الليل، كتري من ده هيجيب نتيجه معاه اسرع.”
ثم خرج من الغرفة وأغلق الباب خلفه بقوة.
ساد الصمت.
بقيت عهد جالسة مكانها للحظات طويلة، تنظر إلى الباب وكأنها لا تصدق ما حدث للتو.
كانت الدموع تتسابق على وجنتيها دون توقف.
ذلك الرجل، الذي يفترض أن يكون حاميها في هذه الحياة، يدفعها بنفسه نحو التهلكة، فقط ليصل إلى ما يريد.
ابتسمت ابتسامة مريرة ارتجف لها قلبها.
ثم همست بصوت مختنق، وكأنها تخاطب شخصًا بعيدًا لا يسمعها:
“ياريت كنتي اخديني معاكي يا ماما، أنا اتعذبت اوي من بعدك.”
ظلت للحظات تحدق في الفراغ، تحاول لملمة شتات نفسها.
لكن شيئًا واحدًا كان واضحًا داخلها الآن.
لن تسمح له بق*تل همام.
حتى لو كان الثمن، حياتها هي.
مسحت دموعها ببطء، ثم نهضت من مكانها.
بدأت ترتب نفسها استعدادًا للخروج من الغرفة.
لم تكن تعرف كيف ستفعل ذلك، لكنها كانت تعرف شيئًا واحدًا فقط.
من هذه اللحظة، ستبدأ حربها الخاصة لحماية همام من بطش والدها.
***************************
طوال اليوم، كان هناك شيء مختلف في عهد.
لم يكن اختلافًا واضحًا يمكن الإمساك به، لكنه كان شعورًا غريبًا يتسلل إلى همام كلما وقعت عيناه عليها.
كانت تتحرك كعادتها داخل البيت، تتحدث قليلًا، تنفذ ما يطلب منها بهدوء.
لكن عينيها، عيناها كانتا تحملان شيئًا ثقيلًا، شيئًا يشبه الوداع، لاحظ همام ذلك أكثر من مرة، لكنه تعمد تجاهله.
ربما لأنه لم يريد أن يصدق أن هناك شيئًا يحدث خارج سيطرته.
أو ربما لأنه خاف أن يسأل، فيسمع إجابة لا يريد سماعها.
مر اليوم ببطء، حتى جاء المساء.
كان همام ممددًا على فراشه داخل غرفته، يحدق في السقف بعينين مرهقتين، يحاول أن يطرد من رأسه كل ما دار بينه وبينها في الأيام الماضية.
لكن الأفكار كانت تعود إليه رغمًا عنه.
وفجأة، انفتح باب الغرفة، التفت برأسه بسرعة، وعندما وقعت عيناه عليها، عقد حاجبيه بدهشة حقيقية.
كانت عهد، تدخل الغرفة بهدوء.
تكلم باستغراب واضح:
“انتي!! بتعملي أيه فى اوضي؟”
لم تجبه، تقدمت نحوه ببطء، ببطء شديد، كأن كل خطوة تكلفها شيئًا من روحها، حتى وصلت إلى السرير، ثم صعدت عليه بهدوء، وتمددت بجواره.
وضعت رأسها على صدره مباشرة.
تجمد جسد همام في مكانه.
وقبل أن يستطيع استيعاب ما يحدث، قالت بصوت محشرج:
“أنا محتاجك يا همام.”
ارتفعت أنفاسه فجأة، شعر بارتباك حاد يجتاحه، ثم قال بتلعثم واضح:
“محتاجني ازاي يعني؟”
أغمضت عهد عينيها بقوة، وكأنها تخشى أن تهرب الدموع منهما إن فتحتها.
ثم قالت:
“محتاجك يا همام، زي اي ست بتحتاج لراجل، ايه مش مفهوم فى كلامي؟”
ابتلع ريقه بصعوبة، كان يحاول استيعاب كلماتها، كأن عقله يرفض تصديق ما يسمعه، بينما قلبه يتمنى أن يكون حقيقيًا.
مد يده ببطء فوق ذراعها، وقال بصوت خافت متأثر:
“اللي انا فهمته صح؟ يعني انتي جايه تعرضي نفسك عليا؟”
في تلك اللحظة، هربت دمعة صامتة من عينيها، لكنه لم يرها.
اكتفت بأن أومأت برأسها تأكيدًا.
كأنها توقع على حكم قاسي على نفسها.
اقترب همام منها بسرعة، وكأن شيئًا داخله انفجر دفعة واحدة.
بدأ يقبلها بشراهة، بلهفة رجل ظن أنه فقد ملاذه إلى الأبد، ثم وجده فجأة بين يديه.
كانت يداه تتحركان بجرأة فوق جسدها.
لكنها لم تستطع الاحتمال.
أمسكت يده فجأة وأوقفته.
وقالت بصوت منكسر موجوع:
“بلاش، مش قادره استحمل اللي بيحصل يا همام، ا انا عارفه ان انا اللي جيت وعرض نفسي عليك، بس كنت بحاول احميك، لكن الموضوع طلع صعب عليا، أنا مش رخيصه صدقني.”
توقف همام فجأة، نظر إليها بدهشة حقيقية، لم يفهم، لم يفهم شيئًا مما تقوله، فسألها بارتباك:
“تقصدي ايه بكلامك ده؟ أنا مش فاهم حاجه.”
اعتدلت في جلستها، وضعت يدها على وجهها، وكأنها تحاول إخفاء انهيارها.
لكن الدموع انفجرت رغمًا عنها.
وانهمرت بغزارة بينما قالت بين شهقاتها:
“مش هقدر اقولك حاجه، أنا بين نارين يا همام، تايهه ومش لاقيه المرسى، أنا عارفه انك مش فاهم حاجه، بس، بس عايزاك تعرف حاجه واحده بس، انا بحبك، وعمري ما حبيت غيرك، ولا هحب غيرك لاخر نفس فيا، ومستعدة اضحي بعمري كله علشانك.”
أنهت كلماتها ونهضت من مكانها.
كأنها قررت الهروب قبل أن تنهار أكثر.
لكن يد همام أمسكت بها بقوة وأعادتها إلى مكانها، وقال بغضب مرتبك:
“استني هنا، فهميني ايه اللي بيحصل، وتقصدي ايه بكلامك ده؟”
رفعت عينيها إليه ببطء، اقتربت منه قليلًا، حتى لامست أنفاسها الساخنة وجهه، ثم همست:
“اخاف عليك لو عرفت، اكون بعرضك للخطر اكتر، جملة واحده بس عايزة اسمعها منك، بحبك يا عهد.”
حاول همام التماسك أمام قربها، لكن أنفاسها المرتبكة، ونظرتها المليئة بالألم، كانت تهدم دفاعاته واحدة تلو الأخرى، قال بصوت لاهث:
“ليه عملتي فيا كده يا عهد؟ انتي كنتي اجمل حاجه فى حياتي.”
ردت عليه بصوت هامس يحمل وجع سنين طويلة:
“وانت كنت ومازالت اجمل حاجه فى حياتي يا همام، اللي حصل زمان ده مكانش بأيديا، لو كنت بصيت فى عيوني وقتها كنت عرفت الحقيقه كلها، كنت فهمت أن انا تحت ضغط كبير، وان اللي قلته ده مش بمزاجي، كان قلبي بيصرخ بحبك وقتها كنت بطلب منك انك متصدقش متمشيش، بس انت عملت ايه؟ عيشت دور الضحيه المصدوم فى حبيبته ومشيت ادتني ضهرك من غير ما تبص وراك وتشوف قلبي المكسور، للاسف يا همام انت مكنتش واثق فيا ولا فى حبي ليك من الاول، مع أن انا متأكده وواثقه فى حبك ليا من اللحظه الاولى اللي شوفتيني فيها، بس كان حب ضعيف مهزوز.”
انفجر غضب همام فجأة.
أمسك ذراعها بقوة وقال بصوت مرتفع:
“عايزاني اعمل ايه يعني وانتي لابسه خاتم الماظ، وفيه راجل غيري محاوطك بدراعه، عايزني اعمل ايه وانتي بتقوليلي أن لو عيشت عمري كله مش هقدر اجيب ربع حق الخاتم، يعني كنتي بتعايرني بفقري، اقولك لا بليز متسبنيش، ارجوكي خليكي معايا وحبيني، اجرحي قلبي اكتر ودوسي عليه بجزمتك براحتك.”
هزت رأسها بقوة وقالت بنبرة موجوعة:
“لا، كنت كل اللي محتاجه وقتها تبص فى عيوني، مش تهرب، وانت كنت هتفهم كل حاجه، أنا هربت يوم الفرح وجيتلك بس انت كنت وقتها هربت، ولما العريس عرف أن هربت خسرنا كل حاجه، بس مفرقش معايا أي حاجه من دي غير بعدك عني فى اكتر وقت كنت محتاجك فيه يا همام.”
ابتسم همام ابتسامة مريرة وقال:
“وهي دي الروايه السخيفه اللي كنتي بتصبري نفسك بيها طول السنين دي؟”
هزت رأسها وقالت بغضب:
“دي مش روايه سخيفه يا همام، دي الحقيقه اللي انت مشوفتهاش، وبتحاول تنكرها.”
ثم وقفت ونظرت إليه بلوم عميق وقالت:
“أنا همشي من هنا يا همام، ومليش دعوه بأي حد هنا، يعني ياريت تمشي بابا وخلي بالك من نفسك علشان العين عليك.”
قفز همام من مكانه بسرعة ووقف أمامها.
أمسكها بقوة من ذراعها وقال بصراخ طفل خائف من فقدان لعبته:
“انتي مش هتتحركي من هنا فاهمه.”
هزت رأسها ودموعها تنهمر:
“مليش مكان هنا يا همام، كفايه ارجوك، أنا لازم امشي من هنا علشان خاطري سيبني امشي.”
ضغط أكثر على ذراعها وقال بغضب:
“قلتلك مش هتمشي، مش هتمشي يا عهد.”
ثم جذبها إلى حضنه بقوة، وقال بصوت موجوع خرج من أعماق قلبه:
“مش هسمحلك تبعدي عني تاني، أنا بحبك يا عهد بحبك.”
تعلقت به بقوة وكأنها وجدت أخيرًا المكان الذي ينتمي إليه قلبها.
وانفجرت بالبكاء وهي تقول:
“وانا بعشقك والله العظيم بعشقك، بس لازم ابعد، قربي منك خطر عليك.”
أبعدها قليلًا عن صدره، أمسك وجهها بين كفيه، ونظر في عينيها بثبات وقال:
“لا لا مش هتبعدي عني، متخافيش عليا وجودك جنبي هي قوتي الحقيقه، أنا ببقى ضعيف من غيرك.”
ابتسمت من بين دموعها، ثم ارتمت في حضنه مرة أخرى.
احتضنته بقوة، كأنها تتمسك بآخر ما تبقى لها في هذه الحياة.
اقتربت من عنقه وقبلته برقة وهمست:
“بحبك اوي يا همام، انت اجمل حاجه حصلتلي.”
شدها إلى صدره أكثر، وفي تلك الليلة، لم يكن ما جمعهما مجرد عناق.
بل كان بداية ضوء جديد، يحاول أن يولد من بين كل ذلك الظلام الذي عاشاه.
*****************************
خارج الغرفة، وقف رياض في الظلام.
عيناه مثبتتان على الباب المغلق أمامه، تلمعان ببريق مظلم يشبه بريق الصياد حين يراقب فريسته وهي تقترب من الفخ دون أن تشعر.
ارتسمت على شفتيه ابتسامة بطيئة مليئة بالخبث، بينما كان يستمع لكل حركة خلف الباب.
لم يكن يسمع الكلمات بوضوح، لكنه لم يكن بحاجة إلى ذلك.
كان يتخيل المشهد كاملًا داخل رأسه.
ابنته، تفعل ما طلبه منها تمامًا.
تقترب من همام، تغويه، تكسر دفاعاته، حتى يقع في الشباك الذي نصبه له.
شعر بلذة انتصار باردة تسري في عروقه.
اقترب خطوة من الباب، وكأنه يحاول التقاط أي صوت إضافي.
لكن اللحظة لم تدم طويلًا.
فجأة، انفتح الباب، انتفض قليلًا وابتعد خطوة سريعة حتى لا يكشف وجوده.
خرجت عهد، كانت ملامحها مختلفة، هادئة، وعيناها تنظران إلى همام بنظرة مليئة بالحب.
وقف الاثنان للحظة قصيرة أمام الباب.
ثم جذبها همام إلى حضنه، عناق طويل،
عناق يحمل سنوات من الاشتياق والندم والوجع.
راقب الأب المشهد من بعيد، وابتسامته تزداد اتساعًا.
كل شيء يسير كما يريد، بعد لحظات ابتعدا عن بعضهما، أغلق همام الباب.
ثم استدارت عهد وتحركت بخطوات بطيئة نحو غرفتها.
فتحت الباب ودخلت.
لكن قبل أن تتمكن من إغلاقه، توقفت الحركة فجأة.
شعرت بقدم تمنع الباب من الانغلاق.
ارتجف قلبها للحظة، رفعت عينيها ببطء.
لتجد والدها يقف أمامها.
يدفع الباب بقدمه ويدخل الغرفة بثقة.
ثم أغلق الباب خلفه.
اقترب منها خطوة وهو ينظر إليها بنظرة فاحصة وقال:
“ها طمنيني عملتي ايه؟”
زفرت بضيق واضح، وكأن مجرد وجوده يضغط على صدرها.
ثم قالت بصوت مختنق:
“عملت ايه فى أيه؟”
قطب حاجبيه بغضب ورد بحدة:
“يعني وجودك عنده فى الاوضه، جاب نتيجه ولا زي قلتها؟”
تنهدت عهد ببطء، بدت وكأنها تحاول كبح شيء يغلي داخلها، ثم قالت بنفاذ صبر:
“اطمن يا بابا، عملت كل اللي انت طلبته مني، وقربت منه زيادة عن اللزوم لحد ما فقد السيطرة على نفسه، واعترف ليا بحبه، وانا كمان عيشت دور الضحيه علشان اصعب عليه، وفى الاخر الأمور كلها اتصلحت وعلاقتنا بدأت تتصلح، وخلال الاسبوع هخليه يجي يتقدم، فيه حاجه تاني؟”
ما إن أنهت كلماتها، حتى تبدلت ملامح وجهه تمامًا، اتسعت ابتسامته، ولمعت عيناه بفرحة جشعة، تحدث بسعادة واضحة:
“بجد!! ايوه كده، شطورة.”
لكن نظرة عهد نحوه كانت مختلفة تمامًا.
كانت مليئة بالاشمئزاز، والكره، ومرارة لا توصف.
نظرة ابنة أدركت أخيرًا أن الرجل الذي يقف أمامها لم يكن يومًا أبًا حقيقيًا.
قالت ببرود واضح:
“ممكن لو سمحت تخرج من اوضي بقى علشان عايزة انام.”
نظر إليها لثواني، ثم ابتسم ابتسامة راضية، أومأ برأسه قليلًا، ثم استدار وفتح الباب وخرج من الغرفة.
بينما كانت خطواته في الممر تحمل خفة غريبة، خفة رجل يعتقد أنه انتصر.
كان يسير وهو غارق في أفكاره.
يرسم داخل خياله عشرات السيناريوهات.
كيف سيستحوذ على كل أملاك همام.
كيف سيعود إلى حياته القديمة.
إلى النفوذ، والمال، والسلطة.
كان يبتسم لنفسه، غارقًا في أوهام المستقبل.
أما داخل الغرفة، فبقيت عهد واقفة في مكانها.
تحدق في الباب المغلق.
وعيناها تمتلئان بدموع صامتة.
كانت تشعر وكأنها تدفع خطوة أخرى، نحو هاوية لا تعرف نهايتها.
*************************
“الفصل السابع عشر”
مرت عدة أيام، أيام لم تكن عادية على الإطلاق.
كان هناك شيء جديد يولد بينهما ببطء، شيء يشبه الحياة بعد سنوات من الجفاف.
اقتربت المسافات بين همام وعهد كثيرًا.
لم يعد الصمت بينهما مؤلمًا كما كان، بل صار مليئًا بنظرات خجولة، ولمسات عابرة، وابتسامات صغيرة تحمل اعترافات لم تقال بعد.
كلاهما بدأ يستعيد شيئًا ضائعًا، الطمأنينة.
أصبح وجود عهد داخل البيت طبيعيًا أكثر من أي وقت مضى، وكأن المكان كان ينتظر عودتها منذ زمن طويل.
الجميع لاحظ هذا التغيير.
ابتسامة همام التي غابت لسنوات عادت تظهر على وجهه بلا وعي، وعهد، التي كانت دائمًا متحفظة وصامتة، صار الدفء يفيض من ملامحها.
وكأن القلوب التي تكسرت يومًا، بدأت تلتئم ببطء.
جلست عهد بجوار الطفلة على السرير، تساعدها في دراستها.
كانت تمسك الكتاب بيدها وتشرح لها بهدوء، بينما كانت روفان تتابع بعينيها الصغيرتين بتركيز طفولي بريء.
توقفت الطفلة فجأة عن القراءة.
رفعت عينيها إلى عهد، وظلت تنظر إليها للحظات طويلة، كأنها تفكر في شيء مهم، ثم قالت بتردد صغير:
“ابله عهد هو أنا ينفع اقولك مامي؟”
تجمدت عهد في مكانها، اتسعت عيناها بصدمة حقيقية.
الكلمة كانت بسيطة، لكن وقعها على قلبها كان أشبه بزلزال.
“مامي.”
كم مرة تمنت أن تسمع تلك الكلمة، وكم مرة تخيلت كيف سيكون شعورها إن نادتها طفلة بها.
امتلأت عيناها بالدموع فورًا.
لكن هذه المرة، لم تكن دموع ألم، بل دموع دفء، واحتواء، وشيء يشبه العوض.
ابتسمت لها بسعادة حقيقية، وأومأت برأسها بينما كانت عيناها تلمعان بتلك الدموع وقالت:
“طبعا يا حبيبتي ينفع، الكلمة دي هفرح بيها اوي، وهكون سعيده ان اكون ام لاجمل بنوته فى الدنيا.”
ثم فتحت ذراعيها بحب وقالت:
“ممكن حضن كبير من بنوتي القمر؟”
ابتسمت روفان ابتسامة طفولية واسعة.
ثم ارتمت داخل أحضانها فورًا.
تمسكت بها بقوة، كأنها وجدت مكانها الطبيعي أخيرًا.
ضمتها عهد بقوة إلى صدرها.
وللحظة، عادت بها الذاكرة سنوات إلى الخلف.
إلى تلك الطفلة الصغيرة التي كانت هي، طفلة فقدت أمها مبكرًا، وكانت تتمنى فقط حضنًا يحتوي خوفها ووحدتها.
انزلقت دمعة هادئة على خدها.
دمعة تحمل وجع الماضي، ودفء الحاضر في نفس الوقت.
كان هناك شخص آخر يشاهد المشهد من بعيد.
وقف همام عند باب الغرفة، مستندًا بظهره إلى الحائط، عاقدًا ذراعيه على صدره.
لم يشعر أحد بوجوده، كان يراقب المشهد بصمت، مشهد محبوبته وابنته وهما متعانقتان.
وكان قلبه يمتلئ بشيء لم يشعر به منذ زمن طويل، السلام.
اقترب منهما أخيرًا بخطوات هادئة.
ثم انحنى واحتضنهما معًا بقوة.
وقال بصوت مليء بالحب والامتنان:
“انتوا اجمل ما في حياتي، ربنا يخليكم ليا وميحرمنيش منكم يارب.”
ابتسمت عهد بسعادة، وتشبثت به أكثر.
في تلك اللحظة شعرت أنها وجدت أخيرًا المكان الذي ينتمي إليه قلبها.
ملاذها الحقيقي، صدر همام.
اقترب منها قليلًا وهمس بصوت خافت جدًا:
“وحشتيني.”
ارتسمت ابتسامة خجولة على شفتيها وقالت:
“وانت كمان، وصلت إمتى؟”
اجابها وهو يقف مرة أخرى بجسده:
“لسه واصل دلوقتي، ملاقتش حد تحت عرفت انكم هنا.”
استقامت عهد بجسدها وقالت بابتسامة:
“حمدالله على السلامه، هنزل ابلغهم يحضروا الغدا.”
لكن همام أمسك ذراعها بسرعة.
وقال:
“لا استني، عايزك تعالي معايا.”
اعترضت روفان فورًا بصوت طفولي متذمر:
“انت كل يوم تيجي تخدها مني، أنا عايزة مامي عهد تقعد معايا هنا.”
تعالت ضحكات همام بسعادة.
انحنى قليلًا وحمل طفلته بين ذراعيه، يقبل خدها بحب وقال:
“معلش يا روفا، بابي بيسيب معاكي مامي طول النهار وهو بيروح الشغل، ما بيصدق يرجع علشان يقعد معاها شوية.”
عقدت الطفلة ذراعيها على صدرها وقالت بزعل طفولي:
“ماليش دعوة مامي عهد بتاعتي أنا وبس.”
ضحكت عهد بحب.
ثم أخذت الطفلة من بين ذراعي همام وقالت بهدوء:
“أنا بتاعت روفا روح قلب مامي، بس ممكن اشوف بابي عايز ايه واجيلك تاني بسرعه؟”
ابتسمت الطفلة فورًا وقالت:
“ماشي، موافقة، بس أوعي تتأخري عليا.”
قبلت عهد وجنتها بحب، ثم أنزلتها على الأرض.
نظرت بعدها إلى همام بابتسامة دافئة مليئة بالمحبة.
انحنى همام وقبل رأس ابنته.
ثم أمسك يد عهد وقبلها بخفة، وغمز لها بمكر.
تحركا معًا إلى الخارج، اتجها إلى غرفة همام، دلفا إلى الداخل، ثم أغلق الباب خلفهما بهدوء، أسند ظهر عهد على الباب، اقترب منها حتى صارت المسافة بينهما لا تكاد تذكر، نظر في عينيها طويلًا، ثم قال بصوت خافت يحمل غيرة عاشق:
“انتي مش بتاعة حد غيري، فاهمه؟”
ابتسمت له وكأنه طفل مدلل.
رفعت يدها ولمست خده بحنان وقالت:
“أنا بتاعتك انت وبس، وعمري ما كنت ولا هكون غير ليك.”
اقترب منها أكثر، وكانت أنفاسه تزداد اضطرابًا، تحدث بصوت لاهث:
“عهد أنا مبقتش قادر استحمل بعدك عني، عايز يتقفل علينا باب واحد بالحلال، عايزك فى حضني طول الليل ومافيش حد يخدك منه مهما كان.”
أغمضت عينيها من شدة الخجل.
ثم قالت بتلعثم:
“و وانا كمان، نفسي يتكتب اسمي على اسمك وابقى مراتك وملك ليك.”
كان ينظر إلى شفتيها حين قال:
“أنا هكلم ابوكي ونتجوز على طول، كفايه الوقت اللي راح مننا فى البعد.”
في تلك اللحظة، تغير وجهها فجأة.
كأن اسم والدها سحبها فجأة من هذا الحلم الدافئ، وأعادها إلى الواقع القاسي، الواقع الذي تخفيه عنه، ابتسمت له بتوتر.
لاحظ همام ذلك فورًا، فقال باستغراب:
“مالك يا عهد؟”
هزت رأسها سريعًا وقالت بابتسامة مرتبكة.
“م مافيش.”
ابتعد قليلًا عنها، ثم جلس على الأريكة وأمسك يدها وأجلسها بجانبه.
نظر إليها بعينين مليئتين بالعشق وقال بهدوء:
“عهد انتي فيه حاجه مخبياها عني، من يوم ما جيتي ليا هنا وكلامك اللي قولتيه، كان وراه حاجه، كنتي جايه تنبهيني من حاجه انتي عرفاها بس خايفه تقوليها، اتكلمي يا عهد قولي ومتخافيش.”
ابتلعت ريقها بصعوبة، وقلبها بدأ يخفق بعنف، ثم قالت بتوتر:
“م مافيش يا همام، ا أنا بس بخاف عليك اكتر من اللازم مش اكتر.”
اقترب منها وقبل وجنتها بحنان.
ثم قال بنبرة هادئة:
“أنا متأكد انك بتكدبي عليا، بس مش هغصب عليكي تتكلمي، وقت ما تحسي انك محتاجه تتكلمي، هتلاقيني موجود وبسمعك.”
أومأت برأسها بسرعة، ثم نهضت فجأة وقالت:
“أنا هروح بقى علشان متأخرش على روفان وتزعل مني.”
لكن قبل أن تفتح الباب، كان همام قد سبقها.
اقترب منها وأسندها مرة أخرى على الباب.
انحنى قليلًا ووضع قبلة هادئة على وجنتها، ثم همس:
“بعشقك، انتي اجمل حاجه حصلت فى حياتي.”
رفعت عينيها إليه، ونظرت له نظرة طويلة.
نظرة مليئة بالحب، ومليئة بالخوف في نفس الوقت، ثم قالت…
***************************
باليوم التالي…
كان الصباح هادئًا على غير العادة.
الفيلا الكبيرة غارقة في سكون ثقيل، لا يقطعه سوى صوت أوراق تتقلب ببطء فوق مكتب ضخم داخل غرفة المكتب.
جلس همام خلف مكتبه.
ظهره مستقيم، وملامحه هادئة بشكل مريب.
لكن خلف تلك الهدوء، كان هناك شيء آخر.
شيء يشبه العاصفة التي تنتظر اللحظة المناسبة لتنفجر.
طرق خفيف على الباب، ثم دخل رياض.
كان يمشي بخطوات واثقة، كأنه يدخل أرضًا يعرفها جيدًا.
رفع همام نظره إليه ببطء.
وعلى شفتيه ارتسمت ابتسامة هادئة لا تكشف ما يدور داخله، وقال:
“اتفضل اقعد يا رياض باشا.”
جلس رياض أمامه وهو ينظر له باستغراب واضح، ثم قال متسائلًا:
“خير يا همام باشا؟ أنا استغربت لما قالولي انك عايزني فى مكتبك، هي البت عهد عملت حاجه ولا أيه؟”
ابتسم همام ابتسامة أوسع قليلًا، وكأنه يستمتع بلحظة لا يعرف رياض حقيقتها بعد، ثم تحدث بهدوء:
“هو فعلا عهد عملت حاجه، وخطيرة كمان، للاسف بنتك حراميه، سرقت قلبي مني، وانا جيبك علشان ترجعوا ليا.”
في تلك اللحظة، تغير وجه رياض فجأة.
سقط قلبه للحظة حين سمع الجزء الأول من الجملة، لكن ما إن أكمل همام كلامه، حتى عاد النفس إلى صدره.
ابتسم فورًا وقال بمزاح:
“أما بنت حرامية بجد، لا ده موضوع ميتسكتش عليه ابدا.”
نهض همام من مكانه ببطء، تقدم خطوة نحو المكتب، ثم قال بثقة واضحة:
“وانا علشان كده، عايز اطلب ايديها منك، علشان ترجع قلبي اللي اخداه مني ده، وتبقى معايا على طول.”
في تلك اللحظة، لمع شيء غريب داخل عيني رياض.
لم تكن فرحة أب يزوج ابنته، بل بريق جشع يعرف كيف يحول أي شيء إلى صفقة.
ارتسمت على شفتيه ابتسامة انتصار صغيرة وقال بسعادة:
“ده شرف لينا طبعا يا همام باشا، والبنت تحت امرك فى أي وقت، بس طبعا، اكيد مش هتخدها ببلاش.”
جلس همام مرة أخرى على المقعد المقابل له، وأمال رأسه قليلًا وهو ينظر له بنظرة باردة، ثم قال بنبرة لئيمة:
“طبعا يا رياض باشا، مطلوب فيها كام؟”
رفع رياض قدمًا فوق الأخرى، وكأنه يجلس في سوق يساوم على بضاعة.
وقال بتعالي:
“شوف انت بقى، عهد تتاقل بقد ايه.”
مد همام يده إلى درج مكتبه.
أخرج دفتر الحسابات، وكتب رقمًا سريعًا على الورقة، ثم دفعها إليه وقال:
“حلو المبلغ ده؟”
نظر رياض إلى الرقم، لكن ملامحه لم تتغير.
بل رفع عينيه إليه بازدراء واضح وقال بتكبر:
“انت شكلك مش بتحبها، يا همام باشا، مستخسر فيها كام مليون؟”
زوى همام فمه بابتسامة ساخرة وقال:
“لا طبعا ده انا بعشقها، تعالى معايا فى الدوغري وقولي عايز كام؟”
ظل رياض ينظر إليه لحظات، كأنه يزن الموقف داخل رأسه، ثم قال ببرود شديد:
“تكتبلي شركة من شركاتك بأسمي، وكمان شيك بعشرة مليون، مع أن كده قليل خالص، بالنسبه لبنتي، بس انا مش عايز اقف فى طريق حبكم وسعادتكم.”
ساد الصمت للحظة، لحظة قصيرة، لكنها ثقيلة، ثم فجأة، انفجر همام ضاحكًا.
ضحك ضحكة عالية، ساخرة، كأن ما سمعه كان نكتة سخيفة.
وقال بصعوبة من بين ضحكاته:
“انت شكلك كبرت وخرفت، شركة ايه دي اللي اكتبها بأسمك؟ هو أنا هتجوزك انت؟ ولا هتجوز بنتك؟”
لكن رياض لم يهتز، بل رد بهدوء بارد:
“والله هو ده اللي عندي، كتبت ليا الشركه بأسمي وشيك بعشرة مليون، هجوزك عهد، رفض، يبقى معنديش بنات للجواز وهخدها ونمشي من هنا.”
أغمض همام عينيه للحظة.
حاول أن يهدئ النار التي بدأت تشتعل داخله.
لكن رياض نجح في الوصول إلى آخر نقطة في صبره.
فتح عينيه فجأة، ثم نهض من مكانه بسرعة.
وفي لحظة واحدة كان قد أمسكه من عنقه بقوة.
ضغط أصابعه حول رقبته وقال من بين أسنانه:
“انت صدقت نفسك يا رياض، انت مش واخد بالك، من الفرق اللي ما بينا ولا أيه؟ زمان رفضني علشان كنت فقير، دلوقتي جاي تتشرط على جوازة، عمرك ما كنت تحلم بيها، عيش على قدك واعترف انك بقيت فقير مش حيلتك ولا مليم، عهد أنا هتجوزها وهكتب ليها بدل الشركه اتنين وبدل العشرة مليون مية مليون، وانت هتترمى فى الشارع وأعلى ما فى خيلك اركبه.”
نظر له رياض بعينين تقدحان شرًا.
وقال بتوعد بارد:
“بلاش تلعب بالنار يا همام، علشان انت كل ده مشوفتش وشي التاني، هتنفذ اللي طلبته منك هجوزك عهد وفوقها بوسه كمان، مش هتنفذ، يبقى قابل اللي هيحصلك مني فيك وفيها.”
اعتدل همام مرة أخرى، ونظر له بتحدي واضح وقال:
“النهاردة هنكتب كتابنا أنا وعهد وبعد كده مش عايز اشوف وشك هنا تاني فاهم.”
وقف رياض ببطء، وعلى وجهه ابتسامة شر باردة، وقال:
“وماله حقك برضه، وانا كمان من حقي اللي هعمله مبروك يا عريس.”
ثم استدار وغادر المكتب.
في الخارج، كانت عهد تقف في الممر.
يدها متشابكة بقلق، وقلبها يخفق بعنف داخل صدرها.
كانت تنتظر بخوف، وكأنها تعلم أن شيئًا خطيرًا يحدث خلف ذلك الباب.
ما إن خرج رياض، حتى اقترب منها ببطء.
انحنى قليلًا نحوها وهمس بصوت يحمل سمًا:
“لا شاطرة طمعتي فى الفلوس والشركات كلها ليكي لوحدك، عموماً مبروك يا عروسه.”
ثم تركها وابتعد.
أما هي، فبقيت واقفة للحظة، كأن الكلمات ضربتها كصفعة.
ثم تحركت بسرعة نحو المكتب.
دفعت الباب ودخلت.
كان همام يقف قرب المكتب.
اقتربت منه فورًا وقالت بقلق:
“همام، بابا مش ناوي على خير صدقني، أنا متأكده أنه بيخطط لحاجه، أنا خايفه عليك.”
اقترب منها بسرعة، أمسك يدها بحنان وقال بهدوء:
“اهدي يا عهد متخافيش، لما قلتيلي على اللي ناوي يعمله، أنا اخد كل احتياطاتي.”
ارتمت داخل حضنه فورًا، تعلقت به وكأنها تخشى أن تفقده في أي لحظة.
وقالت بصوت مرتجف:
“أنا خايفه، اكون رميتك بأيدي للهلاك لما عرفتك الحقيقه، وقلتلك على اللي ناوي يعمله معاك، وعلى الخطه اللي كان رسمها، علشان ياخد فلوسك وشركاتك.”
ربت همام على ظهرها بلطف وقال:
“انتي عملتي الصح لما عرفتيني خطته يا عهد، فتحتي عيوني وخلتيني اخد احتياطاتي كويس.”
ابتعدت عنه قليلًا ونظرت إليه بتردد ثم سألت:
“ا انت ناوي تكتب كتابي النهاردة بجد؟ ولا كنت بتقوله كده بس.”
ابتسم لها ابتسامة دافئة وقال:
“ايوه طبعا هتجوزك النهاردة، كفايه بعد عني لحد كده يا عهد.”
احمر وجهها خجلًا، أومأت برأسها بتلعثم وقالت:
“ا أنا هروح اطمن على روفان عن اذنك.”
ثم خرجت بسرعة من أمامه، كأنها تهرب من خجلها.
ظل همام ينظر إلى أثرها للحظات طويلة.
وعلى شفتيه ابتسامة حب صادقة.
تنهد ببطء، ثم عاد إلى مقعده.
مد يده إلى الهاتف، وأجرى اتصالًا بزوج أخته، حتى يأتي بالمأذون مساءً.
كان يظن، أن الليلة ستكون بداية حياة جديدة، بينما في مكان آخر، كان شخص آخر يخطط لبداية كارثة.
****************************
بالمساء…
تحولت الفيلا الهادئة إلى خلية من الحركة.
أضواء كثيرة أشعلت، وأصوات خطوات تتنقل في كل مكان.
اجتمعت عائلة همام في الصالة الكبيرة، بينما جلس المأذون على الطاولة يفتح حقيبته الجلدية ويخرج الأوراق بعناية.
كان كل شيء يسير نحو لحظة واحدة، لحظة طال انتظارها.
لحظة كتب القدر أن تأتي أخيرًا.
في الطابق العلوي، داخل غرفتها، كانت عهد تقف أمام المرآة.
ترتب خصلات شعرها ببطء، وكأنها تخشى أن تنتهي هذه اللحظة سريعًا.
رفعت عينيها نحو انعكاسها في المرآة، وابتسامة جميلة ارتسمت على شفتيها.
كم مرة تخيلت هذا المشهد، كم مرة حلمت أن يأتي هذا اليوم.
اليوم الذي تصبح فيه زوجة الرجل الذي أحبته منذ سنوات.
لكنها لم تكن تعلم، أن القدر أحيانًا يمنح الفرح، ثم يختبر القلوب بعده مباشرة.
في تلك اللحظة، سمعت طرقات خفيفة على الباب.
ارتجف قلبها قليلًا، تحركت بسرعة نحو الباب وفتحته، فوجدته، همام.
كان يقف أمامها ينظر إليها بعشق صادق، كأن العالم كله اختفى ولم يبقى أمامه سواها.
دخل إلى الغرفة وأغلق الباب خلفه.
وفي لحظة، احتضنها بقوة.
ضمها إلى صدره بشدة حتى كاد يكسر عظامها من قوة احتضانه.
كأن كل السنوات التي حرم منها، انفجرت في تلك اللحظة.
وتكلم بصوت يرتجف، بينما بدأت الدموع تتجمع في عينيه:
“أنا مش مصدق نفسي أن كلها دقايق وتبقى مراتي، كان حلم بعيد اوي عني يا عهد، أنا خايف اكون بحلم واصحى منه فى الاخر، أنا بعشقك يا عهد، بعشق كل حاجه فيكي، أنتي أعظم انتصاراتي فى الحياة.”
اختنق صوتها من شدة التأثر، ثم قالت بين شهقاتها:
“أنا كنت فاكرة أن ملناش نصيب مع بعض، بس طلع فى الاخر نصيب مؤجل، وبقينا لبعض خلاص، أنت أجمل حاجه حصلتلي يا همام، انت الفرحه الحقيقيه فى حياتي، انت السعادة وراحة البال، انت المعنى الحقيقي للرجولة، بحبك يا أعظم وأحن واطيب راجل فى الدنيا.”
مال برأسه ليقبلها، لكنها وضعت أصابعها برقة على شفتيه، وقالت بدلال:
“لا مش دلوقتي بعد كتب الكتاب، لما تكون جوزي رسمي.”
تأفف همام بتذمر طفولي وقال:
“طيب أي حاجه اصبر نفسي بيها، مش قادر اصبر لكتب الكتاب.”
هزت رأسها نافية، وابتسمت ابتسامة جميلة وقالت:
“همام، بلاش شغل العيال ده، يلا بقى علشان ننزل، اللي تحت يقولوا ايه لما نتأخر عليهم كده.”
تنهد بضيق مزيف وقال:
“ربنا على المفتري، هطلع عليكي كل ده لما يتقفل علينا باب واحد وتبقى مراتي، امشي يا اختي أخلصي.”
تعالت ضحكاتها، وضعت ذراعها داخل ذراعه.
ثم خرجا معًا من الغرفة.
هبطا من أعلى الدرج، تحت نظرات السعادة التي ملأت عيون عائلة همام.
كانت الفرحة واضحة في وجوه الجميع.
الجميع، إلا شخصًا واحدًا.
كان رياض يقف بعيدًا قليلًا.
عيناه مثبتتان على المشهد، لكن بداخلها شيء مظلم، شيء لا يشبه الفرح أبدًا.
جلس همام بجوار المأذون، وجلست عهد بجانبه.
وضع همام يده في يد رياض.
وبدأ الجميع يردد خلف المأذون كلمات عقد القران.
لحظة كانت تمر ببطء شديد، حتى انتهى كل شيء أخيرًا.
وقعت عهد على قسيمة الزواج.
وأصبحت رسميًا، زوجة همام.
انطلقت التهاني من كل مكان.
اقتربت حليمة من عهد وقالت بأسف صادق:
“متزعليش مني يا بنتي، أنا أم وقلبي كان محروق على وجع ابني، علشان كده مكنتش قادرة اسامحك بسهولة.”
أمسكت عهد يدها وقبلتها بحب وقالت بسعادة:
“متتأسفيش يا ماما حضرتك مقامك عالي، وانا مقدرة كل اللي قلتيه ده وعمري ما زعلت منك، لأن سبق وقلتلك حضرتك الوحيدة اللي حسيت فى حضنها بريحة ماما الله يرحمها، أنا بحبك يا ست الكل وهتفضل غلاوتك فى قلبي زي ما هي طول عمري.”
احتضنتها حليمة بحنان أم حقيقي وقالت:
“ربنا يسعدكم يا بنتي ويخليكم لبعض نورتي عيلتنا يا نور عيوني.”
قطع همام اللحظة بمزاحه المعتاد وقال:
“ما كفايه بقى يا جماعه، مش عارف احضن مراتي واباركلها.”
تعالت ضحكات الجميع، احمر وجه عهد خجلًا.
لكن همام لم يعطها فرصة، جذبها إلى حضنه بقوة.
وقبل رأسها بحنان وهمس:
“نورتي حياتي ودنيتي يا أجمل زوجه فى الدنيا، مبروك يا عمري.”
قالت بخجل:
“ا الله يبارك فيك.”
أمسك وجهها بين يديه.
ونظر في عينيها بعمق وقال:
“اللحظه دي عيشت طول حياتي أحلم بيها.”
ثم مال برأسه ووضع قبلة رقيقة على شفتيها، واقترب من أذنها وهمس:
“دي تصبيرة صغيرة لحد ما نطلع اوضتنا فوق.”
ابتعدت عنه قليلًا ونظرت إلى الأرض بخجل شديد.
نظر همام حوله فجأة، ولاحظ شيئًا.
اختفى رياض.
ابتسم بسخرية وقال:
“اهو ابوكي اللي كنتي خايفه منه ما صدق خلع قبل ما حد يشوفه.”
خيم الحزن على وجهها.
وتنهدت بوجع وقالت:
“كان نفسي يحضني ويباركلي، زي أي اب وبنته، بس للاسف عمره ما حسسني بالإحساس ده زي أي بنت، ربنا يهديه، ويصلح حاله.”
لكن قبل أن يرد همام، دخلت الشغالة فجأة.
وجهها شاحب، وأنفاسها متقطعة.
وقالت بذعر:
“روفان مش لاقيها يا همام بيه دورت عليها فى الفيلا كلها ملهاش اي اثر.”
في لحظة، تجمدت الابتسامات.
وقف همام فجأة، وقلبه سقط داخل صدره.
ثم ركض بسرعة نحو الدرج.
تبعه الجميع في حالة فوضى.
الخوف بدأ ينتشر في المكان.
وضعت عهد يدها على فمها وقالت بصوت مرتعش:
“ليكون هو اللي خطفها!؟”
توقف همام فجأة، استدار نحوها بصدمة.
ثم أمسك هاتفه بيد مرتعشة وأجرى اتصالًا.
بعد لحظات، جاءه الصوت، ضحكات شريرة، ثم صوت رياض الغليظ يقول:
“اكيد اكتشفت غياب القطه الصغيره صح؟”
صرخ همام بغضب:
“رجع البنت يا رياض احسنلك.”
ضحك رياض وقال:
“لا مافيش بنت هترجع، كده خالصين، انت اخد بنتي ببلاش وانا اخد قصادها بنتك ببلاش، بس ممكن ارجعها ليك فى حالة واحده، لو نفذت اللي طلبته منك فى المكتب.”
وضع همام يده على وجهه وقال بغضب:
“هات البنت وتعالى وانا هنفذلك كل اللي طلبته مني.”
ضحك رياض بسخرية وقال:
“لا يا حلو أنا مش عبيط علشان اجيلك وأسلم نفسي برجلي، ورق الشركة والشيك تبعتهم مع عهد ولما اتأكد أن الورق سليم، هبعتلك بنتك معاها.”
خطفت عهد الهاتف من يد همام وقالت بغضب:
“مكانك فين وانا هجيلك؟”
قال بصوت شرير:
“لما عريس الغفلة يحضر اللي طلبته منه هبقى اقولك مكاني، سلام يا عروسة.”
وانقطع الاتصال، سقط الهاتف قليلًا في يدها.
ونظرت إلى همام بدموع وقالت:
“أنا اسفه يا همام، كل اللي حصل ده بسببي، بس مش هسكت غير لما ارجع روفان تاني لحضنك.”
أغلق همام عينيه بغضب وقال:
“أنا مش مستعد اخسر حد فيكم يا عهد، أنا هنفذ ليه اللي طلبه مني، فى داهيه الشركة والفلوس المهم عندي انتوا.”
هزت رأسها بقوة وقالت:
“متأمنش ليه يا همام، حتى لو نفذت ليه اللي هو عايزة هيأذي روفان، صدقني أنا عارفه طريقة تفكيره.”
تكلم زوج أخته:
“احنا لازم نبلغ الشرطة وهي هتقدر توصل ليه وترجع روفان بخير، أنا رأي من رأي عهد، الراجل ده غدار ولو اخد اللي طلبه منك هيأذي البنت برضه.”
جلس همام على السرير.
وضع يده على وجهه وقال بصوت منكسر:
“أنا مش عارف أعمل ايه دماغي وقفت، ومش قادر أفكر فى أي حاجه.”
أمسكت عهد يده بحنان وقالت بهدوء:
“أعمل زي ما قالك بلغ الشرطه، الراجل ده، حرام يعيش بين الناس خطر عليهم.”
نظر إليها، والدموع تملأ عينيه.
ثم فجأة، ارتمى داخل حضنها كطفل صغير.
وانفجر بالبكاء، بكاء رجل يخاف أن يخسر ابنته.
ربتت عهد على ظهره بحنان.
بينما كانت دموعها تسقط هي الأخرى، خوفًا على الطفلة الصغيرة، من شر والدها.
***************************
“الفصل الثامن عشر”
وصل همام مع زوج أخته وعهد إلى قسم الشرطة.
كان المكان يعج بالحركة، لكن بالنسبة لهم، كان العالم كله متوقف عند اسم واحد فقط، “روفان”.
جلس همام أمام الضابط المسؤول، بينما كانت عهد تقف بجانبه ممسكة بيده بقوة.
كانت أصابعه باردة، ومرتجفة، لم يفلت يدها لحظة.
كأنه يتمسك بها حتى لا ينهار، بدأ الضابط يستمع إلى كل التفاصيل.
منذ اللحظة التي هدد فيها رياض همام في المكتب، إلى لحظة اختفاء الطفلة، ثم المكالمة التي كشفت كل شيء.
كان وجه الضابط يزداد صرامة كلما سمع أكثر.
وبعد نقاش طويل، بدأوا يضعون خطة محكمة.
خطة تضمن أمرين لا ثالث لهما:
إسقاط رياض، وإعادة روفان سالمة.
تم الاتفاق أن يسايره همام في طلباته.
وأن تلعب عهد الدور الأهم في الخطة،
لأن رياض لن يثق بأحد غيرها.
بعد الانتهاء من كل شيء، عادوا إلى الفيلا.
لكن الفيلا التي كانت منذ ساعات قليلة مليئة بالضحكات والفرح، تحولت الآن إلى بيت ثقيل يسكنه القلق.
جلس همام في الصالة، وعهد بجانبه.
يدها لم تفارق يده، كانت تشعر بنبضه المتسارع، وترى الخوف في عينيه.
الخوف الذي يحاول أن يخفيه، لكنه يفشل.
الوقت كان يمر ببطء شديد، كل دقيقة تمر، كانت كأنها ساعة كاملة.
حتى، قطع الصمت صوت الهاتف، رن الهاتف فجأة، انتفض همام فورًا.
نظر إلى الشاشة، ثم أجاب بسرعة وقال:
“أنا موافق اكتبلك الشركه اللي انت عايزها، وكمان هكتبلك شيك بعشرة مليون جنيه، شوف الوقت المناسب ليك، وهبعتهم مع عهد زي ما طلبت.”
ساد صمت لثواني، ثواني طويلة، ثقيلة.
ثم جاءه صوت رياض من الطرف الآخر، باردًا، خاليًا من أي رحمة.
“تمام هبعت لعهد المكان اللي انا فيه بس مش هقولك أمتى.”
ثم، انقطع الاتصال فجأة، ضغط همام على الهاتف بقوة، حتى كادت أصابعه تتحطم فوقه.
ثم وضعه على الطاولة ببطء، ونظر إلى عهد بعينين مثقلتين بالخوف وقال:
“هيبعتلك العنوان اللي هو فيه، بس مقالش امتى، تابعي تليفونك علشان اول ما يبعته الشرطة هتنفذ الخطه زي ما اتفقنا.”
أومأت عهد برأسها، لكن صوتها خرج مختنقًا حين قالت:
“ماشي انا هفضل متابعه التليفون، متقلقش أن شاءالله خير، وروفان هترجع من تاني فى حضننا.”
لم يتحمل همام أكثر، ارتمى فجأة داخل حضنها، وانهمرت دموعه بغزارة كطفل صغير فقد كل قوته، وقال بصوت متكسر:
“لو حصل حاجه لروفان مش هسامح نفسي يا عهد، هو أنا ليه على طول مكتوب عليا أخسر الناس اللي بحبها؟ ليه دايما فرحتي مبتكملش؟ أنا مش مكتوبلي الراحه ابدا.”
ضمت رأسه إلى صدرها بحنان، وربتت على ظهره ببطء، كما لو كانت تهدئ طفلاً خائفًا، ثم قالت بنبرة هادئة مليئة بالإيمان:
“استغفر ربنا يا همام، كل ده اختبارات من ربنا بيختبر بيها صبرنا وقوة ايمانا بي، واكيد بعد كل الوجع ده، جبر خاطر من اللي لا بيغفل ولا بينام، ربك جميل اوي يا همام وبعد الصبر جبر.”
شهق همام وهو يبكي وقال:
“استغفرك ربي و اتوب إليك، يااارب طبطب على قلبي برحمتك الواسعه.”
رفعت عهد عينيها قليلًا، ونظرت حولها.
اكتشفت أن الجميع خرجوا بصمت.
تركوا المكان عمدًا، ليمنحوهم لحظة خصوصية، لحظة ضعف لا يجب أن يراها أحد.
انحنت عهد قليلًا، وقبلت رأس همام بحنان شديد، ثم قالت برفق:
“ريح شويه يا حبيبي، لحد ما توصل الرسالة، علشان تقدر تواصل وتساعد بنتك وترجعها لحضنك.”
هز رأسه رافضًا، وتشبث بها أكثر وهو يقول:
“يحرم عليا النوم والراحه طول ما بنتي بعيده عني.”
أومأت عهد بتفهم، ولم تجادله.
اكتفت فقط بأن تظل بجانبه، تربت على ظهره ببطء، تمنحه القوة التي لم يعد يمتلكها، وظلا متشبثين ببعضهما، كأن كل منهما هو النجاة الوحيدة للآخر وسط هذه العاصفة.
مر الوقت ببطء، حتى بدأت عينا عهد تثقلان، كانت متعبة، من الخوف، ومن القلق، ومن اليوم الطويل الذي بدأ بفرح وانتهى بكارثة.
وضعت رأسها بهدوء فوق رأس همام،
وهي ما زالت تعانقه، ثم، غلبها النوم أخيرًا، وسقطت في سبات عميق، بينما ظل همام مستيقظًا، ينظر إلى الهاتف أمامه، ينتظر الرسالة التي قد تعيد له ابنته، أو تغير كل شيء.
****************************
في صباح يوم جديد، أعلن هاتف عهد عن وصول رسالة نصية.
الصوت كان خافتًا، لكنه اخترق سكون المكان كأنه إنذار.
انتفضت عهد من مكانها فجأة.
فتحت عينيها بسرعة، وأنفاسها تتلاحق وكأن قلبها كان ينتظر هذه اللحظة منذ ساعات.
نظرت حولها بارتباك.
وجدت نفسها بمفردها على الأريكة، والغطاء موضوع فوقها بعناية.
للحظة قصيرة توقفت، همام بالتأكيد هو من وضعه.
تسلل شعور دافئ إلى قلبها وسط القلق الذي يلتهمها، لكن الهاتف اهتز مرة أخرى في يدها، فاستفاقت من شرودها سريعًا.
التقطته بيد مرتعشة، فتحت الرسالة، اتسعت عيناها فورًا، إنه هو، رياض.
أرسل لها العنوان الذي يوجد فيه.
شعرت ببرودة تسري في جسدها بالكامل، هذه اللحظة التي كانوا ينتظرونها قد وصلت أخيرًا، نهضت بسرعة من مكانها، وكأن الأرض لم تعد تحتمل ثقل انتظارها.
بدأت تبحث عن همام في أرجاء الفيلا بعينين قلقتين، حتى وجدته أخيرًا، يجلس في الحديقة الملحقة بالفيلا.
كان جالسًا على أحد المقاعد الخشبية، ينظر أمامه بشرود، كأن الليل لم يمر عليه أصلًا، اقتربت منه بخطوات سريعة.
وقفت أمامه مباشرة وقالت بصوت مرتعش:
“بعتلي العنوان.”
انتفض همام من مكانه فورًا، وقف بسرعة وأخذ الهاتف من يدها.
نظر إلى الشاشة بتركيز شديد، قرأ العنوان مرة، ثم أعاد قراءته مرة أخرى.
وكأن عقله يحاول حفظ كل حرف فيه.
ثم رفع عينيه إليها، وكان الغضب ظاهرًا في ملامحه، غضب رجل يعرف جيدًا أنه مضطر للمجازفة بأغلى ما لديه.
وقال بصوت حاد يخفي خلفه خوفًا هائلًا:
“عارفه هتعملي ايه؟”
أومأت عهد برأسها ببطء، كانت عيناها مغطاتين بمزيج مرعب من الخوف،
والإصرار، الخوف من المواجهة، والإصرار على إعادة الطفلة التي أصبحت جزءًا من قلبها.
أخذت نفسًا عميقًا، كأنها تجمع ما تبقى من شجاعتها، ثم قالت بثبات:
“أنا جاهزة، اوعدك هعمل اللي اقدر عليه، علشان ارجعلك روفان تاني لحضنك.”
نظر إليها همام طويلًا، كأن عينيه تحاولان حفظ ملامحها، مد يده، وأمسك يدها بقوة، ثم قال بنبرة عاشقة صادقة:
“أنا عايزكم انتوا الاتنين ترجعوا ليا كويسين، أنا هكون معاكي وجنبك، مش عايزك تخافي.”
لم تتمالك عهد نفسها، ارتمت داخل أحضانه فورًا، كأنها تجد فيه الأمان الوحيد وسط هذا الخطر.
أغمضت عينيها وهي تقول بنبرة عاشقة مليئة بالمشاعر:
“أنا بحبك اوي يا همام، ومحبتش غيرك انت اجمل حاجه حصلتلي.”
ضمها همام بقوة أكبر، كأنه يخشى أن تكون هذه آخر مرة يحتضنها.
ثم انحنى قليلًا، وقبل رأسها بحنان شديد وتكلم بصوت منخفض لكنه مليء بالإيمان:
“هستناكم، ترجعوا ليا كويسين.”
أومأت عهد برأسها ببطء، وابتسمت له ابتسامة صغيرة، ابتسامة تحاول أن تبدو قوية، كأنها تستمد قوتها كلها من ذلك الحضن، قبل أن تبدأ أخطر خطوة في حياتها.
*************************
وقفت عهد في منتصف الشارع، كانت السماء في ذلك الصباح باهتة قليلًا، والهواء باردًا على غير العادة، كأن اليوم نفسه يشعر بثقل ما سيحدث.
وقفت تمسح المكان بعينيها ببطء.
نظراتها كانت حذرة، مترقبة، كل سيارة تمر، كل شخص يعبر الطريق، كانت تراقبه كأنه قد يكون الخطر القادم.
كانت تمسك في يدها بعض الأوراق.
الأوراق التي طلبها رياض.
ضغطت عليها بقوة حتى تجعدت بين أصابعها، وكأنها تحاول أن تفرغ قلقها فيها.
قلبها كان يخفق بعنف داخل صدرها، كل ثانية تمر، كانت تشعر وكأنها خطوة أقرب نحو مواجهة والدها، الرجل الذي لم تعد تعرفه، وفجأة، توقفت سيارة سوداء بجانبها بشكل مفاجئ.
لم يمهلها أحد فرصة للتفكير.
انفتح الباب سريعًا، وامتدت يد قوية من الداخل جذبتها بقوة.
صرخت عهد بخفوت وهي تحاول التوازن، لكن الباب أغلق بسرعة، وفي لحظة، انطلقت السيارة مسرعة.
ومن بعيد، كان همام يراقب كل شيء.
كان جالسًا داخل سيارته، يراقبها بعينين لا تغفلان عنها لحظة.
وعندما رأى السيارة تتوقف بجانبها، انتفض قلبه داخل صدره، وعندما رأى من يجذبها إلى الداخل، أدار سيارته فورًا، ضغط على دواسة البنزين بقوة، وانطلق خلفهم بسرعة.
كان يقود بجنون، عيناه معلقتان بالسيارة السوداء أمامه، لكن الطريق لم يكن رحيمًا.
ازدحام شديد بدأ يملأ الشارع.
سيارات تتكدس في كل اتجاه.
وفي لحظة خاطفة، اختفت السيارة التي كانت تحمل عهد بين الزحام.
كأن الأرض ابتلعتها، تجمد همام للحظة.
ثم ضرب المقود بيده بقوة.
وخرجت منه صرخة حادة مزقتها الخيبة والخوف.
مد يده بسرعة إلى الهاتف، وأجرى اتصالًا، انتظر ثواني قصيرة، حتى جاءه صوت رجولي من الطرف الآخر.
فقال همام بغضب واضح يخفي خلفه رعبًا حقيقيًا:
“العربيه اللي فيها عهد اختفت، انا خايف عليها هي وبنتي.”
جاءه صوت الضابط هادئًا، ثابتًا:
“متقلقش يا استاذ همام، احنا متابعين الإشارة بتاعتها، ومحددتين مكانها كويس.”
أغمض همام عينيه للحظة، لكن الخوف لم يغادر قلبه، بل ازداد.
وتحدث بصوت مختنق ترجوه الدموع:
“أرجوك، رجعهم ليا كويسين.”
رد الضابط بنبرة مطمئنة:
“اهدا بس، وان شاءالله خير، وعلى الصبح هيكون بنتك ومراتك معاك فى بيتك.”
انتهت المكالمة، أغلق همام الهاتف ببطء، ثم أسند رأسه فوق عجلة القيادة.
كأنه لم يعد قادرًا على حمل هذا الثقل فوق كتفيه، انفلتت دموعه أخيرًا.
انحدرت على وجهه واحدة تلو الأخرى.
دموع رجل يحارب خوفًا لا يستطيع السيطرة عليه.
ثم رفع عينيه قليلًا إلى السماء، وقال بدعاء صادق خرج من أعماق قلبه:
“يارب رجعهم ليا بالسلامه، يارب متوجعش قلبي عليهم، أنا ما صدقت حياتي بدأت ترجعلي من جديد.”
ظل جالسًا هكذا، وحيدًا داخل سيارته.
بين الدعاء، والانتظار، والخوف الذي يأكل قلبه ببطء.
****************************
في مكان مظلم، كان الصمت ثقيلاً، خانقًا، بدأت عهد تحرك رأسها ببطء شديد.
ألم حاد كان يطرق رأسها من الداخل، وكأنها استيقظت من سقوط طويل.
حاولت فتح عينيها، لكن جفنيها كانا ثقيلين بصورة مؤلمة.
تأوهت بخفوت وهي تحاول مرة أخرى.
وأخيرًا، انفصل الجفنان عن بعضهما ببطء.
كل شيء أمامها كان ضبابيًا.
ظلام، وجدران قاتمة، حاولت التركيز أكثر، وهي تحاول فهم ما يحدث لها.
اعتدلت في جلستها بصعوبة، وبدأت تنظر حولها بارتباك شديد، الذاكرة بدأت تعود إليها فجأة، همام، الطفلة، والدها، ابتلعت ريقها بصعوبة، وشعرت بقلبها يرتجف داخل صدرها.
وقالت بصوت مرتعش بالكاد خرج من بين شفتيها:
“ا أنا فين، ب بابا، رد عليا.”
لم يأتيها الرد فورًا، لكن في اللحظة التالية، انفتح الباب ببطء، صوت المفصلات الصدئة اخترق الصمت كأنه صرير مرعب.
ارتفع رأسها نحو الباب، وتجمدت في مكانها.
وقف والدها هناك، لكن، لم يكن الرجل الذي تعرفه.
كانت ملامحه مظلمة، قاسية، مخيفة.
نظرت إليه بعينين غارقتين في الدموع، وقالت بصوت مكسور:
“ليه يا بابا تعمل كده؟ هنت عليك، ده انا بنتك!”
اقترب منها ببطء شديد.
خطواته كانت باردة، بلا أي تردد.
ثم قال بنبرة هادئة لكنها مخيفة:
“وانا عملت ايه؟ أنا بس باخد حقي من الدنيا بس بطريقتي الخاصة، وأهو عرفت فى الاخر أرجع زي الاول وأحسن، وعندي مفاجأة ليكي.”
ابتعد قليلًا عن الباب، وفجأة، ظهر خلفه شاب.
ابتسامة سامة ترتسم على وجهه، “أسر الهواري”، اقترب منها ببطء، مد يده نحو وجهها، ومررها عليه بوقاحة، وقال بصوت منخفض:
“وحشتيني يا عهد.”
أبعدت وجهها بسرعة عن يده، ونظرت إليه بغضب واشمئزاز، وقالت بحدة:
“انت!! بتعمل ايه هنا وايه رجعكم لبعض بعد السنين دي كلها، وانت يا بابا مش ده اللي كان السبب فى خسارتك.”
ابتسم أسر ابتسامة ساخرة وقال موضحًا:
“موضوع أن أنا اللي خسرته كل حاجه، دي كانت قرصة ودن وانتي السبب فيها لما هربتي من فرحنا، أما بعمل ايه هنا؟ ابوكي اللي اتصل بيا علشان اساعدة فى اللي بيعمله والمقابل.”
ثم توقفت عيناه على جسدها، اقترب أكثر، حتى شعرت بأنفاسه قرب أذنها وهو يقول بصوت خافت:
“المقابل انتي يا حلوة.”
تجمدت عهد في مكانها، شعرت ببرودة قاتلة تسري في عروقها، رفعت عينيها نحو والدها، تبحث في وجهه عن أي إشارة تكذب كلام أسر، أي نظرة رحمة، أي إنكار، لكنها لم تجد شيئًا.
بل سمعت صوته يقول ببرود:
“انتي خلاص هتطلقي من اللي اسمه همام ده وهتتجوزي أسر وهو هيساعدنا نخرج بره مصر وبالشركه اللي كتبها ليا، والعشرة مليون دول، هرجع احسن من الاول وأمجاد رياض هترجع تاني لسوق.”
هزت رأسها بعدم تصديق، الدموع بدأت تتساقط دون توقف، وقالت بصوت مرتجف:
“انت بتحلم، أنا مستحيل ابعد عن همام حتى لو هتموتوني كفايه اللي راح من عمرنا فى البعد بسببكم، انتوا مجرمين واخركم السجن.”
تعالت ضحكات رياض الغاضبة داخل الغرفة، اقترب منها ببطء وقال بصوت مخيف:
“ما هو انتي لو منفذتيش الكلام اللي قلته ليكي، هتموتي وهتندفني فى مكانك هنا، ومعاكي القطه الصغيره، واحرق قلبه عليكم.”
صرخت به بعنف والدموع تغمر وجهها:
“كفايه بقى، انت ايه؟ مستحيل تكون اب، من يوم موت ماما وانت بتعذب فيا، محسسني أني حمل تقيل على قلبك، عملتلك ايه لكل ده؟ ذنبي ااايه؟ أن ماما ماتت وانا اللي عيشت، كفايه ارجوك كفايه.”
لكن قلبه لم يهتز، لم تظهر عليه ذرة شفقة، بل قال ببرود أكثر قسوة:
“مكانش لازم تسيبك ليا، كان لازم تموتي زيها، حاولة كتير أتخلص منك، بس فى كل مرة ترجعي اقوى من الاول، حاولة كتير اق*تلك بس كأن فيه عناية ألهية بتنقذك، فى الاخر رضيت بالأمر الواقع اعتبرتك مجرد بزنس بكبر فيه لحد ما يجي وقته واستثماره، حتى فى دي فشلت فيه، وخسرت كل حاجه بسببك، ودلوقتي هنفذ اللي عيشت عمره كله بخطط ليه، يا تكوني صفقه رابحه ليا واعوض كل اللي خسرته بيكي، يا أق*تلك وأخلص منك زيها.”
تجمدت ملامحها، وقالت بصدمة:
“تقصد ايه بأق*تلك زيها؟ هي مين دي؟ وليه بتكرهني اوي كده؟”
ابتسم ابتسامة مظلمة واقترب أكثر.
وقال ببطء:
“امك! أنا اللي ق*تلتها، لما عرفت أني مش بخلف، اكتشفت انها خاينة وجابتك من الحرام، أنا اللي سيبت مفاصل الفرامل وفضيت البنزين منها، كان لازم تموتوا، يومها اخدتك وخرجت بس للاسف هي ماتت وانتي محصلكيش حاجه، وفضلتي قصادي بشوف فيكي امك الخاينه طول السنين دي، حاولة كتير اخلص منك بس فى كل مرة تنجي منها.”
كل كلمة كانت تسقط فوق قلبها ك*س*كين، حتى قال في النهاية:
“انتي بنت حرام يا عهد، مش بنتي.”
هزت رأسها بعنف.
كأنها تحاول طرد الكلمات من أذنيها.
وقالت وهي تبكي:
“لا لا لا، كدب، اكيد انت بتقول كده علشان عايز تنتقم مني بسبب جوازي من همام، رد عليا قولي أن كلامك ده مش صح، قولي أن انا بنتك وامي شريفه وماتت حادثه عادي، ارجوك رد عليا.”
اقترب منها وصوته ازداد قسوة:
“كل كلمه قلتها حقيقيه، انتي بنت حرام، وانا اللي ق*تلت امك، وهق*تلك انتي كمان واخلص منك، أنتي نقطه سودا فى حياتي.”
ثم التفت إلى أسر وقال ببرود:
“عندك اهي اعمل فيها اللي انت عايزة، ولما تخلص، بلغني علشان اق*تلها.”
ارتسمت ابتسامة شريرة على وجه أسر.
نظر إلى جسدها بنظرات منحرفة واقترب منها ببطء، وقال:
“طيب اطلع بره علشان اكون براحتي.”
أومأ رياض برأسه.
ألقى عليها نظرة أخيرة بلا أي رحمة، ثم خرج من الغرفة.
بقيت عهد وحدها مع أسر، هزت رأسها بعنف وهي تتراجع للخلف وقالت باكية:
“لا لا لا ابوس ايدك ابعد عني بترجاك.”
لكن توسلاتها لم توقفه، انقض عليها بعنف، وصراخها ملأ المكان، صراخ مليء بالخوف، والألم، والخذلان، حتى خارت قواها تمامًا، وخيم الظلام على عينيها.
وفقدت وعيها، ولم تشعر بشيء بعد ذلك.
**************************
“الفصل التاسع عشر”
بدأت عهد تحرك جفونها ببطء، كأن عينيها تقاومان ثقلًا هائلًا يمنعهما من الانفتاح.
كانت أنفاسها متقطعة، وصدرها يعلو ويهبط بسرعة كأنها خرجت لتوها من كابوس طويل، فتحت عينيها أخيرًا، لكن الرؤية كانت مشوشة، الضوء خافت، والأشياء حولها تبدو ضبابية.
ظلت تنظر حولها بعينين مغيمتين، تحاول أن تستوعب أين هي.
هل ما زالت في ذلك المكان المظلم؟
هل ما زالوا هناك؟
قلبها بدأ ينبض بعنف داخل صدرها.
ثم، وقعت عيناها عليه.
كان جالسًا بجوارها على طرف السرير.
عيناه معلقتان بها بقلق شديد، كأنه كان يراقب كل حركة تصدر منها منذ أن بدأت تستعيد وعيها.
في اللحظة التي أدركت فيها وجوده، انتفضت من مكانها فجأة، اندفعت نحوه دون تفكير، واحتضنته بقوة.
كأنها تتمسك بشيء ينقذها من الغرق.
جسدها كان يرتعش بعنف بين ذراعيه.
وأنفاسها تخرج متقطعة.
وتحدثت بصوت مرتعش تختلط فيه الدموع بالخوف:
“ع عايز يعتدي عليا يا همام، انا خايفه اوي.”
شعر همام بأن قلبه ينقبض بعنف، ضمها فورًا داخل صدره، أحاطها بذراعيه بقوة، كأنه يريد أن يحجبها عن العالم كله.
ثم همس بجوار أذنها بصوت دافئ هادئ:
“شش، اهدي يا قلبي، محصلش حاجه، انتي دلوقتي فى بيتك على سريرك، والمجرمين الشرطه قبضة عليهم.”
ظلت متشبثة به للحظات، كأنها تخشى أن تختفي هذه اللحظة فجأة، ثم رفعت رأسها ببطء، نظرت حولها داخل الغرفة.
الجدران، الستائر، الأثاث، كل شيء مألوف، ابتعدت عنه فجأة بقلق شديد وقالت:
“ر روفان فين هي؟ كويسه؟”
ابتسم همام ابتسامة هادئة يحاول أن يطمئن قلبها، وأومأ برأسه قائلاً:
“كويسه، وهي دلوقتي نايمه فى اوضتها.”
تنفست عهد ببطء، لكن الراحة لم تستقر في قلبها.
فجأة، عادت كلمات رياض ترن داخل رأسها، كلماته القاسية، اعترافه، اتهامه لأمها.
كأن الصوت يتكرر في أذنيها بلا توقف.
ارتجف جسدها من جديد.
وانهمرت الدموع من عينيها بغزارة، وقالت بصوت مكسور:
“مطلعش بابا يا همام، انا بنت حرام معرفش مين ابويا، ا أنا كنت حاسه لانه عمره ما حبيني، معاملته كانت قاسيه بطريقه صعبه، بس كنت مفكرة، أن دي طريقته فى المعاملة عادي، ا انا هتجنن يا همام إزاي ماما تعمل فيا كده إزاي؟”
مد همام يده فورًا، أمسك يدها بين كفيه بحنان، كانت يدها باردة وترتجف.
نظر في عينيها وتكلم بصوت هادئ مطمئن:
“عارف، سمعنا المسجل اللي كان معاكي، وهو بيعترف بكل جرايمه، وبيتحقق معاه دلوقتي، وانا هحاول اعرف مين ممكن يكون ابوكي، ونعمل تحليل DNA وان شاءالله نوصل ليه فى أسرع وقت.”
لكن الدموع لم تتوقف، بل ازدادت، وقالت بين شهقاتها المؤلمة:
“ا أنا مش قادره اصدق ان ماما ممكن تعمل حاجه زي كده، وهتعمل كده ليه؟ ايه الدافع اللي يخليها تكون خاينه؟”
لم يحتمل همام رؤيتها بهذا الانكسار، شدها نحوه مرة أخرى، احتضنها بقوة، وقبل رأسها بحنان، ثم قال بصوت دافئ:
“متتسرعيش يا حبيبتي، يمكن يكون ظالمها، اكيد فيه سبب محدش يعرفه، لان مستحيل واحده زيك فى ادبك واحترامك تكون جايه بطريقه غير شرعيه.”
تشبثت به أكثر، كأن حضنه هو الشيء الوحيد الذي يمنعها من الانهيار تمامًا.
بدأ بكاؤها يعلو، شهقاتها أصبحت أقوى.
جسدها يهتز بين ذراعيه، حتى بدأت أنفاسها تتقطع من شدة البكاء، ومع التعب، ومع الأمان الذي وجدته بين ذراعيه، استسلم جسدها أخيرًا، هدأت شهقاتها تدريجيًا، وثقلت رأسها فوق صدره، وغاصت في نوم عميق، داخل مأمنها الوحيد، حضن همام.
*************************
مرت عدة أيام…
لكنها لم تمر حقًا، كانت ثقيلة، بطيئة، كأن الزمن نفسه يسير وهو يجر قدميه.
ظلت عهد أسيرة غرفتها، لا تخرج منها إلا نادرًا، الصمت أصبح رفيقها الدائم.
لم تعد تلك الفتاة التي يملأ صوتها المكان، ولا تلك الابتسامة التي كانت تمنح الدفء لكل من حولها.
كانت تجلس لساعات طويلة تحدق في الفراغ، أحيانًا تنظر إلى النافذة، وأحيانًا إلى الأرض، لكن عينيها في الحقيقة لم تكونا ترى شيئًا.
كأنها حبست داخل عالم آخر، عالم من الأسئلة والشكوك، همام حاول كثيرًا أن يخرجها من تلك الحالة، جلس معها، تحدث معها، حاول أن يضحكها، لكنها كانت تكتفي بالصمت.
حتى والدته حاولت التقرب منها.
وروفان كانت تدق باب غرفتها كل يوم تقريبًا، لكن عهد بقيت كما هي، ساكنة، صامتة، وكأن جزءًا كبيرًا من روحها قد انطفأ.
وفي الوقت نفسه، بدأت التحقيقات مع رياض وأسر، تم توجيه التهم إليهما رسميًا، بعد أن استمعت الشرطة إلى التسجيل الذي كانت عهد قد سجلته.
ذلك التسجيل الذي كشف جرائم رياض، واعترف فيه بكل شيء، الاختطاف، التهديد، وحتى جريمته القديمة.
كل شيء أصبح الآن بين يدي القانون.
كما كانت خطتهم.
في صباح يوم جديد…
استيقظ همام ببطء من نومه، كان الضوء الخافت يتسلل إلى الغرفة من خلف الستائر، مد يده بشكل تلقائي إلى الجهة الأخرى من السرير، لكن يده لم تلمس أحدًا، فتح عينيه ببطء، ثم التفت إلى الجانب الآخر، لكن السرير كان فارغًا، جلس في مكانه فجأة، نظر حوله داخل الغرفة.
“عهد؟”
لم يأتي أي رد، نهض بسرعة من السرير.
اتجه أولًا إلى الحمام، فتح الباب، لكن المكان كان خاليًا، بدأ القلق يتسلل إلى قلبه، خرج من الغرفة واتجه إلى باقي غرف الطابق، فتح باب غرفة، ثم أخرى، لكنها لم تكن في أي مكان.
تسارعت أنفاسه، ثم نزل الدرج سريعًا إلى الأسفل، كان يتحرك في أرجاء الفيلا بعجلة واضحة، بحث عنها في الصالة، وفي غرفة المعيشة، وحتى في الحديقة، لكنها لم تكن هناك، أخيرًا اتجه نحو والدته، كانت تجلس في الصالة.
فتكلم بقلق واضح:
“امي مشوفتيش عهد؟ أنا دورت عليها فى الفيلا كلها وملاقتهاش.”
نظرت إليه والدته بهدوء وأومأت برأسها قائلة:
“ايوه شوفتها كانت ماشيه بالعربيه الصبح.”
عقد همام حاجبيه بدهشة واضحة.
مرر يده في شعره بتوتر وقال:
“راحت فين دي بس؟”
لم تنتظر قدماه أكثر، تحرك بسرعة إلى الأعلى مرة أخرى، دخل غرفته مسرعًا، التقط هاتفه فورًا، وأجرى اتصالًا بها، ظل الهاتف يرن لثواني، ثم جاءه الرد الآلي، الهاتف مغلق.
شعر بشيء ثقيل يسقط في قلبه، خفض الهاتف ببطء، ثم ألقاه فوق السرير بضيق.
اتجه إلى الخزانة وبدأ يبدل ملابسه بسرعة، حركاته كانت سريعة ومتوترة.
كأن الوقت أصبح عدوًا له، بعد دقائق قليلة، نزل إلى الأسفل مرة أخرى.
اتجه مباشرة إلى سيارته.
صعد إليها بسرعة، وأدار المحرك، ثم انطلق بها خارج الفيلا مسرعًا.
عيناه تمسحان الطريق أمامه، وعقله يمتلئ بعشرات الاحتمالات.
كان يشعر بشيء داخله، خوف غامض، كأن قلبه يخبره أن عهد لم تخرج فقط لتتمشى، بل هربت، من شيء لا يزال يطاردها.
*************************
عند عهد…
جلست على المقعد داخل تلك الغرفة الضيقة، كانت تجلس ويديها متشابكتين فوق حجرها بقوة، حتى ابيضت مفاصل أصابعها، عيناها تائهتان، حزينتان، كأنهما يبحثان في الفراغ عن إجابة واحدة فقط، إجابة تنقذ ما تبقى من قلبها.
سؤال واحد كان يدور في رأسها بلا توقف: من أنا؟
دقات قلبها بدأت ترتفع كلما سمعت صوت خطوات تمر في الممر خلف الباب.
كل صوت حذاء على الأرض كان يجعل جسدها ينتفض قليلًا، وكأنها تنتظر حكمًا سيصدر في حق حياتها كلها.
ثم، انفتح الباب أخيرًا، دخل العسكري أولًا، وخلفه، “رياض”، أدخله إلى الداخل ثم خرج، تاركًا الباب يغلق خلفه ببطء.
في اللحظة التي وقعت فيها عينا رياض على عهد، ارتسمت على وجهه ابتسامة شرانية باردة.
ابتسامة رجل يستمتع بجرح لا يخصه.
وقال بتهكم واضح:
“بنتي الغاليه وحشتيني، كده برضه متجيش تسألي على بابي حبيبك كل ده؟”
أغمضت عهد عينيها بقوة، كأنها تحاول أن تمنع دموعها من السقوط.
لكن صوتها خرج مختنقًا بالألم عندما قالت:
“مين ابويا؟ اكيد انت تعرفه، عرفني هو مين، عايزة اروح اسأله سؤال واحد: ليه ماما عملت معاه كده؟ عايزه اعرف كان فين طول السنين دي، ارجوك ريحني وقولي اسمه، أعمل حاجه صح لو مرة واحده فى حياتك.”
ظل ينظر إليها للحظات طويلة، ثم تحرك ببطء شديد، كأن كل خطوة يقصد بها زيادة عذابها، جلس على المقعد المقابل لها، وضع قدمًا فوق الأخرى باسترخاء واضح، وكأنه يجلس في عرض مسلي، ظل ينظر إليها، إلى دموعها، إلى ارتجاف شفتيها، كأن ألمها يمنحه متعة خاصة.
ثم مال بجسده قليلًا للأمام، حتى أصبحت المسافة بين وجهيهما صغيرة.
ونظر مباشرة في عينيها وهمس:
“أنا عارف هو مين، بس للاسف مش هتقدري توصلي ليه.”
ثم خفض صوته أكثر، وابتسم ابتسامة شيطانية وهو يقول:
“اصل انا ق*تلته هو كمان.”
كانت الكلمات كالقنبلة، انفجرت في صدرها دفعة واحدة، شعرت وكأن الهواء اختفى من حولها، كأن الأرض انسحبت من تحت قدميها.
بينما عاد هو للخلف مستندًا على المقعد، وانفجر ضاحكًا بطريقة هستيرية.
ضحكة مجنونة، باردة، بلا أي ذرة إنسانية.
اتسعت عيناها بصدمة مرعبة، وقالت بصراخ يمزقه الألم:
“ليه بتعمل فيا كده؟ انت ايه يا شيخ بتتفنن فى تعذيبي كده ليه؟ كفايه بقى كفايه.”
لكن ضحكاته ازدادت، كلما ارتفع صوت صراخها، ارتفعت ضحكاته أكثر.
كأنه يتغذى على انكسارها، ثم فجأة، صمت.
انطفأت الضحكة من وجهه دفعة واحدة.
وقال بنبرة غاضبة حادة:
“انتي وامك كنتوا اكبر غلطه فى حياتي، ق*تلتها، وبعد كده ق*تلته، وكان المفروض اق*تلك انتي كمان، كان زماني بره وبتمتع بالفلوس والشركات، بس معلش مسيري هخرج من هنا، وموتك هيكون على أيدي دول، وهكون خلصت على جذور عيلتكم اللي امك عملتها على شرفي.”
كانت دموع عهد تسقط بلا توقف.
شعرت وكأن كل شيء بداخلها ينهار.
لكن رغم ذلك، سألته بصوت مختنق مكسور:
“ممكن طيب تقولي اسمه؟ عايزة اعرف أنا بنت مين؟”
استقام بجسده فجأة، ثم صرخ بصوت مرتفع:
“يا عسكري أنا خلصت رجعني الحبس.”
انفتح الباب فورًا، دخل العسكري، لكن قبل أن يخرج، ركضت عهد نحوه بسرعة، أمسكت يده برجاء وهي تقول:
“ارجوك قولي هو مين.”
نظر إليها للحظة، ثم ابتسم ابتسامة شريرة، وترك يدها ببساطة، وغادر مع العسكري، تاركًا خلفه فتاة تتهاوى داخل عالم من الأسئلة التي لن يجيب عنها أحد.
خرجت عهد من المبنى ببطء، قدماها تتحركان كأنهما لا تحملان جسدها، كانت تجرهما جرًا، حتى وصلت إلى الرصيف.
جلست عليه فجأة، وكأن جسدها لم يعد قادرًا على الوقوف.
انفجرت الدموع من عينيها بغزارة، كانت تبكي بصمت، بكاءً عميقًا يخرج من قلب محطم، حتى شعرت بيد توضع برفق فوق كتفها، رفعت رأسها ببطء، كانت عيناها حمراويتين ومتورمتين من البكاء، وعندما رأت من يقف أمامها،
انهارت أكثر، قالت من بين شهقاتها:
“معرفتش بابا يكون مين، وطلع رياض قاتله هو كمان، أنا قلبي واجعني اوي يا همام مبقتش عارفه أنا مين ولا بنت مين، شعور صعب اوي وانت متعرفش اصلك ايه ولا ابن مين.”
انحنى نحوها فورًا، ساعدها على الوقوف، ثم أمسك وجهها بين يديه برفق، وجعلها تنظر في عينيه، وقال بصوت هادئ مليء بالحنان:
“أنا اهلك يا عهد، أنا دنيتك، ملكيش غيري ومليش غيرك، عايزك تنسي كل اللي فات بوجعه وحزنه، خلينا نركز فى اللي جاي، نكبر عيلتنا أنا وانتي، ونستثمر طاقتنا فيهم، نعوض اللي راح مننا، أنا مش بقولك كده علشان زهقت ولا مليت منك، لا انا بقولك كده علشان عايز اشوف ضحكتك من تاني، وحشتيني اوي يا عهد.”
لم تتحمل أكثر، ارتمت داخل أحضانه بقوة، تشبثت به وكأنها تتمسك بالحياة نفسها، وقالت بين شهقاتها:
“مش هقدر اكمل المستقبل، وانا معرفش ماضي أيه يا همام، عايزه أعرف أنا بنت مين، علشان اقدر اتخطى اللي انا فيه ده.”
هز رأسه لها بوعد صادق، وقال بحزم دافئ:
“اوعدك هوصل للحقيقيه وهريح قلبك، امشي يلا.”
تحركت معه ببطء نحو سيارته.
فتح لها الباب، جلست على المقعد الأمامي، بقيت صامتة تمامًا، عيناها تحدقان عبر زجاج النافذة، ترى انعكاس وجه فتاة لم تعد كما كانت، فتاة فقدت الكثير، فقدت الأمان، فقدت الحقيقة، فقدت جزءًا من نفسها.
لكنها، لم تفقد قلبًا واحدًا، “همام”، الرجل الذي أحبته بصدق، فأصبح لها المأوى، والنجاة في آن واحد.
**************************
استيقظت عهد في صباح يوم جديد، لكن الصباح لم يكن يحمل أي شعور بالبداية.
كان يبدو باهتًا، ثقيلًا، كأن الليل لم يغادر روحها بعد.
فتحت عينيها ببطء شديد، وكأن جفونها مثقلة بأفكار لم تنم طوال الليل، للحظة ظلت تحدق في السقف دون تركيز، قبل أن يصل إلى أذنيها صوت همام الهادئ القريب منها.
استدارت برأسها نحوه.
نظرت إليه بحزن عميق، حزن ساكن في عينيها منذ أن انقلب عالمها رأسًا على عقب.
اعتدلت في جلستها ببطء فوق الفراش.
مد همام يده نحوها بحنان، ومرر أطراف أصابعه برفق على خدها، كأنه يحاول أن يخفف عن قلبها شيئًا مما يحمله، ثم تحدث بنبرة عاشقة دافئة:
“صباح الخير يا قلبي.”
ارتجفت شفتاها قليلًا قبل أن تجبر نفسها على ابتسامة صغيرة، ابتسامة موجوعة لا تصل إلى عينيها، وقالت بصوت مختنق:
“صباح النور.”
أمسك همام يدها بين يديه، رفعها قليلًا وقبلها بحب واضح، ثم قال بنبرة لطيفة يحاول أن يخفف بها ثقل الجو:
“قومي يلا اجهزي رايحين مشوار.”
رفعت حاجبيها قليلًا وهي تنظر إليه بعدم فهم، كأن الكلمات احتاجت لحظة حتى تصل إلى عقلها، وقالت باستغراب:
“رايحين مشوار! فين ده؟”
ابتسم همام ابتسامة خفيفة، ثم جذبها برفق لتقف على قدميها.
وقال بمزاح هادئ:
“هيحصل حاجه لو نفذتي اللي بقلك عليه من غير أساله كتير؟”
نظرت إليه عهد للحظات، كانت عيناها ممتلئتين بالتعب والحزن، لكنها في النهاية أومأت رأسها بالطاعة، وقالت بصوت خافت:
“حاضر يا همام.”
استدارت ببطء واتجهت نحو المرحاض.
أغلقت الباب خلفها، وتركت جسدها يقف للحظة أمام المرآة، حدقت في انعكاسها بصمت.
الفتاة التي تنظر إليها لم تعد تشبهها.
عيون متعبة، وجه شاحب، وقلب مثقل بأسئلة لا إجابة لها.
فتحت الماء وأخذت حمامًا باردًا، كأنها تحاول أن توقظ نفسها من كابوس طويل، وبعد دقائق خرجت، اتجهت نحو خزانة الملابس.
فتحتها ببطء، ثم سحبت أول قطعة وقعت عليها يدها دون أن تفكر كثيرًا.
ارتدتها بلا اهتمام، بلا رغبة في أن تبدو جميلة، أو حتى مرتبة.
كل ذلك كان يحدث تحت نظرات همام الصامتة، كان يتابعها بعينين مليئتين بالعشق، وبالألم أيضًا.
كان يرى بوضوح كم انطفأ شيء بداخلها، لكنه كان مصممًا أن يعيده للحياة.
بعد أن انتهت، اقترب منها وأمسك يدها.
ثم خرجا من الغرفة معًا، هبطا الدرج نحو الطابق السفلي.
استقبلتهم حليمة بابتسامة حنونة دافئة.
وقالت بلطف:
“صباح الخير يا حبايبي.”
جلست عهد على المقعد ببطء، وكأن التعب يسكن جسدها، ثم قالت بصوت مختنق:
“صباح النور يا ما…”
لكن الكلمات توقفت فجأة فوق شفتيها.
سكتت للحظة، ثم تكلمت بصوت مكسور:
“ولا بلاش الكلمه دي، انتي اشرف منها مليون مرة.”
مدت حليمة يدها فورًا وأمسكت يد عهد بحنان أمومي صادق، ثم قالت بنبرة هادئة:
“بلاش تظلميها يا حبيبتي، محدش يعرف الحقيقه فين، ولا ايه اللي وصلها تعمل كده، هي دلوقتي عند اللي خلقها، وهو أعلم بالحقيقه كلها.”
لم تتحمل عهد أكثر، انهمرت الدموع من عينيها بغزارة، وسقطت فوق يديها المرتجفتين، وقالت بانكسار مؤلم:
“ظلم ايه بس يا ماما، دي واحده خانت جوزها مهما كان مين، وجابت طفله من راجل ونسبتها لراجل تاني، انا عمري ما هسامحها ابدا على اللي عملته فيا ده.”
نظر همام إلى والدته بابتسامة هادئة، كأنه يطلب منها بالصمت أن تترك الوقت يفعل ما لا تستطيع الكلمات فعله، ثم قال بلطف:
“سبيها دلوقتي يا أمي، لما تهدى هتقدر تشوف الحقيقه.”
وضع يده خلف ظهر عهد برفق.
وقال:
“يلا يا حبيبتي، امشي.”
أومأت برأسها بحزن، ونهضت متجهة نحو الباب، لكن صوتًا طفوليًا صغيرًا أوقفها.
“مامي، بابي خدوني معاكم.”
استدار همام فورًا، انحنى قليلًا وحمل طفلته بين ذراعيه، ثم قبل رأسها بحنان، وقال بحب:
“مش هينفع يا روح قلب بابي، بس اوعدك، نخلص من مشوار النهاردة، ومامي تكون كويسه وهنخرج كلنا ونروح الملاهي.”
نظرت عهد إليهما للحظة، كانت تلك اللحظة الصغيرة، دفء العائلة، شيئًا كان يجب أن يريح قلبها، لكن الألم بداخلها كان أكبر، استدارت بصمت، وتحركت نحو الخارج، تابعها همام بعينيه للحظة، ثم أنزل طفلته وقال بسرعة:
“هروح انا يا حبيبتي ولما ارجع نكمل كلامنا.”
وانطلق مسرعًا خلف عهد، وجدها قد صعدت إلى السيارة بالفعل.
جلس خلف المقود، ثم التفت نحوها، أمسك يدها، وقبلها بحب.
لم تقل شيئًا، فقط نظرت عبر الزجاج بصمت.
أدار همام السيارة، وتحرك بها سريعًا.
مر الطريق طويلًا، لكن عهد لم تشعر بالوقت، كانت غارقة داخل أفكارها.
داخل سؤال واحد ينهش روحها بلا رحمة.
أنا بنت مين؟
وأخيرًا توقفت السيارة، كانوا أسفل بناية قديمة.
بناية تبدو صامتة، كأنها تخبئ داخل جدرانها حكايات كثيرة، نظر همام إليها وقال:
“انزلي يلا يا حبيبتي.”
نظرت حولها باستغراب، ثم أعادت النظر إليه، وقالت بتساؤل:
“انزل فين؟ واحنا جاين هنا نعمل ايه؟”
ترجل همام من السيارة، دار حولها إلى الجانب الآخر، فتح الباب، ومد يده لها.
وقال بهدوء:
“انزلي وانتي هتعرفي كل حاجه.”
نظرت إلى يده بتوتر، لثواني ترددت، ثم وضعت يدها في يده وهبطت من السيارة، أغلق الباب خلفها، ثم تحركا معًا نحو البناية، صعدا الدرج ببطء، كان صوت خطواتهما يتردد في الممر الصامت.
وعندما وصلا إلى الطابق المحدد، توقف همام أمام أحد الأبواب، مد يده، وضغط على الجرس.
وقفت عهد خلفه، عيناها تائهتان بين القلق والارتباك، مرت لحظات قليلة.
ثم انفتح الباب، ظهرت فتاة في مقتبل العمر، ابتسمت لهما بترحاب واضح، وقالت بلطف:
“اهلا وسهلا، نورتوا، اتفضلوا الست امينه منتظراكم جوة.”
نظرت عهد إلى همام بعدم فهم، لكن همام أمسك يدها، وأجبرها بلطف على التحرك معه إلى الداخل، دلفا إلى الصالة، وفي منتصفها، كانت هناك امرأة عجوز تجلس على مقعد متحرك، رفعت رأسها ببطء عندما رأت عهد، امتلأت عيناها بالدموع فورًا، لكن ابتسامة دافئة ظهرت على وجهها، ابتسامة مليئة بألفة غريبة، أومأت لها برأسها، ثم قالت بصوت موجوع:
“اهلا بالغاليه بنت الغالي، نورتي بيت جدتك يا عهد.”
**************************
“الفصل الأخير”
تجمدت عهد في مكانها، كأن الزمن توقف للحظة داخل تلك الغرفة الصغيرة.
الكلمات التي خرجت من فم العجوز لم تصل إلى عقلها فورًا، بل ظلت تتردد في الهواء من حولها كصدى بعيد لا تستطيع تفسيره، رمشت عدة مرات ببطء، كأنها تحاول أن تعيد ضبط ما سمعته.
ثم التفتت نحو همام بصدمة واضحة، وكأنها تبحث في وجهه عن تفسير أو إنكار، وتكلمت بصوت متقطع: “جدتي؟!”
تقدم همام خطوة نحوها، ملامحه هادئة لكنه كان يراقبها بقلق واضح، ثم قال بهدوء: “اقعدي يا عهد، واسمعي بس.”
لكنها لم تتحرك، بقيت واقفة في مكانها كأن قدميها التصقتا بالأرض، عيناها معلقتان بتلك المرأة العجوز التي تنظر إليها بدموع وألفة غريبة.
اقتربت المرأة بالمقعد المتحرك قليلًا، ثم مدت يدها المرتجفة نحوها،