وعد وعلي الجزء ١٤
وعد وعلي الجزء ١٤
الناس واقفين في ضوضاء مش مفهومة، كل واحد بيبص للتاني، وكلهم مصدومين بعد ما علي جري وساب كتب الكتاب وانهار النظام كله.
نــادين كانت واقفة مع رانيا لوحدها، مرعوبة ومش فاهمة أي حاجة.
قالت رانيا وهي بتحاول تهديها:
“اهدّي يا نادين… بدران هيتصرف.”
ردّت نادين بصوت مرعوب وهي بتحاول تشهق هوا:
“الناس كلهم بيبصولي… أنا باينة على كل لسان… باينة أضحوكة.”
رانيا كتمت غيظها وقالت بنرفزة وهي بتعضّ على أسنانها:
“فين علي؟ راح فين؟ إزاي يسيب كتب كتابنا ويمشي بالشكل ده؟”
قالت رانيا:
“دلوقتي هنعرف… فـ إيه.”
بصّوا قدّامهم لقوا بدران واقف بعيد، ماسك الموبايل، بيعمل مكالمات ورا بعض، بعد ما أمر رجّالته يمشوا ورا يوسف ابنه ومحمود مساعده عشان يلحقوا علي ويشوفوا راح على فين.
ملامح بدران كانت مرعبة…
لا بصّ لنادين…
ولا لرانيا…
وكأن اللي حصل أكبر بكتير من إنها فضيحة حفلة.
بعد لحظات، جه محمود ووقف جنب بدران، واتكلم في ودنه بجملة قصيرة.
رانيا ما قدرتش تسمع…
بس اللي شافته كان كفاية:
وش بدران اتجمّد.
برود مخيف نزل على ملامحه…
كأنه سمع كارثة…
مش مجرد مشكلة.
لحد ما بدران وقف في نصّ الحفل…
رفع صوته وقال بثبات مصطنع:
“عذرًا يا جماعة على سوء الفهم اللي حصل… الحفلة ملغية.
اتلغى كتب الكتاب.
واللي عنده أشغال يقدر يمشي.
حصل ظرف لعلي أخويا ومش هيقدر يحضر.”
القاعة وقفت لحظة…
الكل تلفت له، العيون عليه، والهمس بدأ ينتشر زي النار.
نادين بصوت مرتجف قالت لرانيا:
“هو بيقول إيه بدران؟!”
رانيا اتوترت:
“معرفش… أكيد وراه سبب.”
الناس بدأت تتحرك، همسات عالية، الكل بيمشي والحفلة بتفضى بسرعة.
نادين قربت من بدران وسابت رانيا وراها، ووقفت قدامه مباشرة:
“علي فين؟”
قال بدران ببرود مستفز:
“معرفش.”
اتصدمت نادين:
“متعرفش إزاي؟! لسا قايل للناس إن حصل ظرف! إيه اللي خلاه يمشي؟!”
قال بدران بنبرة واقعية تقيلة:
“أنا قلت كده عشان أدارى على الفضيحة…
وعشان سيرة العيلة ما تتجابش على لسان حد… ولا الصحافة تمسكنا.”
اتسعت عين نادين:
“واللي حصل ده… سهل؟! علي يعمل كده إزاي؟!”
قال بدران وهو بيفرك جبينه بعصبية:
“معرفش… محمود لسه قايل إنهم ملحقوش يعرفوا مكانه من سرعته.”
قالت نادين بنبرة حادة مش قادرة تتحكم في صوتها:
“يعني إيه؟! عايز تقول إنه هرب مني؟!
حسّ إنه بيتورّط؟!”
بدران بصلها بصمت… النظرة اللي معناها: اسكتي بس ومتفكريش غلط.
لكن نادين انفجرت أكتر:
“علي راضي بيا كزوجة تمام…
وهو اللي طلبني… تمااااام؟!”
رد بدران بنبرة مضغوطة:
“لو عايزة تفرّغي غضبك… طلّعيه في علي لما نعرف هو فين.
غير كده… كلامك مش معايا يا نادين.”
اتكسفت نادين شوية، ووشها حمّر من الإحراج.
رانيا مسكتها بسرعة وقالت لبدران:
“معلش… ملهوش دعوة بكلامها.”
نادين حاولت ترد، صوتها بيترعش:
“أمال مين اللي ليه دعوة؟!
أكيد في كارثة حصلت خلّت علي يمشي كده…
مستحيييل يسبني!”
وهنا ظهر يوسف واقف جنبهم، واضح عليه إنه جاي بخبر تقيل.
قال لبدران بصوت منخفض:
“عرفت هو فين.”
تنفس بدران بسرعة وقال:
“ها؟!”
قال يوسف:
“لأ…
بس البوليس بيدوّر عليه حالياً.”
اتجمدت نادين في مكانها، واتسعت عينيها:
“بوليس؟!”
قال بدران باستغراب وقلق بدأ يبان على صوته:
“بيدوّروا عليه ليه؟!”
يوسف ابتلع ريقه وقال:
“دخل في كمين…
من شدة سرعته بالعربية.
وكان… كان هيصدم الظباط.
ولا عمل احترام للقانون… ولا الشرطة…
وهم لحقوه بالعافية.
بس لحد دلوقتي حتى البوليس… مترصدش مكانه.”
قال بدران بصدمة:
“جراله إيه؟!
وراح فين أصلاً عشان يبقى بالمنظر ده؟!”
قالت نادين وهي بتتكلم بصوت عالي مش قادرة تتحكم فيه:
“أكيد في مصيبة! لازم تعرفوا هو فين!”
قال يوسف:
“أنا بلغت الرجّالة يدوروا عليه في كل الاتجاهات.”
لكن بدران رد ببساطة مخيفة:
“مش هيلقوه.”
نَدين تلفتت له بحدة:
“يعني إيه مش هيلقوه؟!
هو أنت عارف مكانه؟!
بتخبي؟!”
بدران نقل نظره عليها ببصة جامدة… مفيهاش ولا ذرة تهاون.
رانيا بسرعة مسكت أختها وقالت:
“معلش يا بدران… نادين بس عصابها تعبانة.”
قال بدران ببرود نفاذ الصبر:
“خدي أختك… واضح إنها مش واقفة على رجلها النهارده.”
رانيا سحبت نادين، ونادين كانت بتقاوم وتقول:
“سيبيني! هو بيخبي حاجة!”
لكن رانيا سحبَتها غصب.
يوسف استغل اللحظة وسأل أبوه:
“ليه بتقول يا بابا إن الرجّالة مش هيلقوه؟”
قال بدران بصوت تقيل:
“علي… لما بيغيب، بيغيب عن الكل.
ولما بيقرر يظهر… بيظهر بمزاجه هو.”
قال يوسف باستغراب:
“طب وكتب الكتاب؟!”
بدران بصله بنظرة فيها غضب خفيف وقال:
“ده اللي همّك؟”
قال يوسف:
“أمال إيه اللي هيهمّني غير كده؟”
رد بدران بنبرة حاسمة:
“ده آخر حاجة المفروض تهمّك.
نسيت بعد بُكرة إيه؟
ونسيت افتتاح الموسم… والمؤسسات؟”
تجمد يوسف وقال بصدمة:
“إزاااي نسيت!”
قال بدران بخطر واضح:
“لازم نلاقي علي فوراً…
لازم يجي بنفسه.
ولو مجاش؟
هتبقى مشكلة كبيرة جداً علينا كلنا.
ووقتها… انسَى إن شركتنا تدخل في المؤسسات الدولية لمصر.”
****
فى المستشفى،
موبايل علي كان بيترن بشكل هستيري… مكالمات ورا بعض،
بس هو سايبه على الصامت،
محطوط في جيبه كأن الدنيا المقلوبة بره الأوضة دي مش موجودة.
دخل الدكتور.
أول ما شاف علي، قلبه انقبض… لسه فاكر تهديده بخصوص حياة وعد.
قرب بهدوء، قاس مؤشّراتها الحيوية.
علي قام خطوة لورا وهو شايفه بيفحصها.
— هتفوق إمتى؟
قالها علي بصوت خشن.
“مفتحتش عينيها لحد دلوقتي.”
الدكتور اتردد لحظة قبل ما يرد:
— هي في حالة نوم عميق.
علي عقد حواجبه:
— يعني إيه؟ أنا محتاج أتكلم معاها.
— ادعيلها تفوق من الغيبوبة اللي هي فيها.
علي شهق، الكلمة ضربته:
— غيبوبة؟!
— أيوه.
تأثير البنج خلص من بدري، ومؤشراتها مستقرة،
بس مش راضية تفوق… فدخلت في غيبوبة مؤقتة.
حياتها في أمان.
سكت علي.
عينه اتحركت على جسد وعد…
الجبائر، الكدمات، العجز الملقى على السرير.
قال بصوت واطي موجوع:
— مش هتكون سليمة جسديًا… صح؟
الدكتور بلع ريقه:
— عندها كسر في رجليها وذراعها،
وهنحتاج نشتغل عليهم بالأشعات والعلاج…
قال علي باندفاع:
— هتنقلها مستشفى تانية… أو أسفرها بره… المهم ترجع زي ما كانت وأحسن.
الدكتور بص له لحظة، بنظرة هادية تقيلة:
— ربنا الشافي،
اللي في مصر هو هو اللي في أي بلد في الدنيا.
متفكرش إننا هنقصر… متقلقش، هتبقى كويسة.
ثم أضاف:
— عن إذنك، ورايا شغل.
خرج وسابه لوحده.
علي قرب من وعد، قعد جنب السرير.
في اللحظة دي موبايله رن تاني…
اسم مالك،
وبعده رضوان.
مكالمات ورا بعض.
وشه شد،
وفي ثانية كان رامي الموبايل على الأرض…
اتشقق، اتخدش،
زي قلبه بالظبط.
ما اهتمش.
همس وهو باصص لوعد:
— خلاص… أنا معاكي.
وكأن العالم كله برّه الأوضة دي اتقفل.
ولا حد، ولا شغل، ولا انتقام،
ولا حتى الماضي اللي كان عايش عليه.
كأن أول مرة يفهم
إن كل اللي كان بيعمله…
هو اللي وصل وعد للنقطة دي.
*****