وعد وعلي الجزء ١٤

وعد وعلي الجزء ١٤

ابتسم رضوان ابتسامة غامضة،
نظر للطائر اللي نازف على الأرض،
وقال بصوت واطي فيه نغمة اعتراف قاتلة:
– “أنا عارف علي من يوم ما اتولد…”
بص له مالك بدهشة، قلبه سحب نفس قوي،
وساعتها رضوان كمل بنبرة حاسمة تقطع الصمت:
– “علي… ابن أختي.
****
كان علي قاعد على الكرسي جنب سرير وعد،
محنّي راسه بين إيديه،
صمت تقيل يخنق الهوا.
رفع عينه ببطء ليها…
ملامحها ساكنة،
ولا رمشة،
ولا نفس ظاهر.
الغيبوبة كانت أطول من اللي يطمن.
دمعة نزلت من عينه من غير ما يحس.
صوته خرج مكسور:
— افتحي عينك يا وعد… كفاية كده.
رجع دفن وشه بين إيديه.
وفجأة…
الباب اتفتح.
علي حس بوجود حد،
لكن مفيش صوت خطوات،
ولا حد دخل.
رفع راسه.
رضوان كان واقف عند الباب،
واقف كأنه بيتفرج على مشهد ممنوع.
نظرة علي اتغيرت فورًا.
حدة، نار، تحذير.
رضوان دخل أخيرًا وقال:
— فين تليفونك اللي رميته؟
علي:
— إيه اللي جابك هنا؟
رضوان قرّب خطوة، صوته واطي لكن تقيل:
— عرفت من الدكاترة إنها في غيبوبة.
رغم إني واجهت صعوبة أوصل لأي معلومة بسبب تحذيرك لرئاسة المستشفى…
بس وصلت.
لأن أي حاجة تخصك… تخصني.
سكت لحظة وبص لوعد،
ثم رجّع نظره لعلي:
— واللي بيحصل لها… مش موضوع بسيط.
الجو اتشد،
كأن الأوضة كلها بقت ساحة مواجهة،
ووعد نايمة في النص…
بين اتنين كل واحد فيهم عالم خطر لوحده.
قرب رضوان منها،
وهنا علي وقف، قرّب منه ووقف في وشه.
رضوان أخد حذره من علي وقال:
— اهدّي… أنا بس عايز أشوف مرحلتها وصلت لإيه.
بص رضوان لوعد،
وقال بهدوء مستفز:
— مسكينة… شبه الميتين،
بل لو كانت ماتت كان هيبقى أفضل ليها… وليك.
علي مسكه بقوة وزقه في الحيطة:
— أنا مش بقولك اخرج؟!
رضوان رفع إيده باستسلام وحذر،
عارف إنه مش قد علي:
— خلاص… خارج.
خرج رضوان،
وعلي قفل الباب على وعد ومشي وراه،
كأنه بيطرده من عالمها.
وقفوا في حتة بعيدة في طرقة المستشفى.
رضوان:
— مش همشي يا علي إلا لما أتكلم معاك.
علي:
— مفيش كلام يتقال دلوقتي.
رضوان ابتسم بسخرية:
— ليه؟ عشان ضعيف؟
علي بصله بنظرة نار.
رضوان كمل:
— مش دي الحقيقة…
إنت ضعيف بسببها.
لعنة بدران…
هي وعد هانم.
قال علي:
— إياك تذكر اسمها.
رضوان ابتسم بسخرية:
— بقيت تهددني كتير من وراها يا علي.
علي قرب خطوة:
— المرة الجاية هنفذ،
لو ما وقفتش وسوستك اللي جاية تكملها
عشان تخليني أبعد…
وأكمل وأدوس عليها أكتر زي ما خلتني أعمل.
رضوان رد ببرود:
— أنا اللي خليتك تعمل؟
ولا إنت اللي اخترت؟
منى وحقها وحقك…
ولا نسيت؟
علي صرخ:
— اسكتتتت!
رضوان قرب أكتر:
— بقيت تنسى منى قدّام وعد يا بدران.
علي رفع صباعه في وشه:
— اسكتتتت بقووولك!
اسكتتتت!
رضوان بصله بثبات.
علي قال بصوت مبحوح:
— ولا كلمة تاني عن وعد أو منى…
سمعتني؟
رضوان:
— علي…
علي قاطعه بانهيار:
— علي خلاص…
مبقاش قادر.
رضوان بحدة:
— على إيه بالظبط؟
على انتقامك؟
خلاص بتتخلى؟
علي ضحك بوجع:
— من ميييين؟
أنا عمري ما أنسى انتقامي…
بس من مين؟
لو طلع بدران وعيلته برّه اللي حصل لمنى،
والجاني شخص تاني…
هكون عملت مصيبة كبييييرة.
قال رضوان بسُمّ:
— هي وصلت فيك إنك تشك في الفاعل؟
بسببها… بسبب حبك لوعد؟
وصلت إنك عايز تبرّأ اسم عيلتها
عشان متأذيهمش… عشانها.
عشانها بتنسى شرفك وحق أختك.
سكت لحظة وبعدين كمّل:
— بتشك إن بدران هو الفاعل،
بعد ما لقيت اسمه في قضية منى.
علي انفجر:
— اسكت!
أنا دورت كتير…
حتى الظابط مات بالملف،
مفيش أي دليل!
رضوان قرّب أكتر:
— وده ملفتش نظرك؟
إن بدران دبّر وخطّط
عشان يخفّي كل حاجة
ويدفن الحق والجريمة؟
وحتى لو مش هو…
ده يخليك تقف؟
تتراجع؟
مش عايز تعرف الفاعل؟
علي بصله بعيون منطفية:
— أنا بقيت مجرم… أنا كمان.
رضوان قال ببرود قاسي:
— وده كان اختيارك.
ولا نسيت؟
سكت علي.
الصوت اختفى،
والممر اتحوّل لفراغ…
ورجع بيه المشهد…
زمان.
فلاش باك…
كان علي واقف قدّام رضوان، لسه في سن العشرين،
ونظرة رضوان ماشية عليه من فوق لتحت وكأنه بيقيّم سلاح مش بني آدم.
قال رضوان بهدوء بارد:
— آخر مرة شوفتك كان عندك سبع سنين…
ماتوقعتش تكبر وتقدم على فعل مجنون زي ده وتورّط نفسك بالشكل ده.
قال علي بحدّة:
— إيه اللي جابك هناك؟ ومين الرجالة دي؟
ابتسم رضوان ابتسامة مفيهاش روح:
— عرفت إنك كنت ناوي تهاجم بدران وانت أعزل،
زي أي غبي بيرمي نفسه في الجو وهو معهوش ولا مظلة.
كنت هتعمل إيه بعد ما تأذيه؟
فاكره هيموت بسهولة؟
علي صوته ارتعش:
— هيموت… زي ما منى ماتت.
هيموت.
ده الشخص الوحيد اللي اسمه اتذكر في قضيتها.
رضوان قرب خطوة:
— وتفتكر إن الحق بيتاخد بالقتل بس؟
ولا انت مش عايز تنتقم لها… انت عايز ترتاح؟
علي انفجر:
— ليه خلّيتني أنقذه؟
ليه وقفتني وأنا بهاجمه؟
وبعدين تبعت رجالتك تقتله!
وتقولي أنقذه كأنه روحي وإلا حق منى يضيع!
منين أنقذه؟
ومنّين ده عدوي؟
قال رضوان وهو باصص له بنظرة فيها قسوة:
— إنت عايز إيه يا علي؟
قدامي شِبل مجروح، مفيش في عينه غير نار… نار مميّزة.
قال علي بصوت مخنوق:
— إنت عارف مين السبب في اللي حصل لمنى.
رد رضوان بهدوء قاتل:
— معرفش يا علي.
قال علي بسرعة:
— نفوذك يخليك تعرف.
تنفّس رضوان بعمق وقال:
— مش بالساهل كده.
القضية أكبر من إنها تتفتح…
وزراء دولة ماقدروش يقربوا لها.
قضية مدفونة.
يعني حقها ضاع.
لفّ علي حواليه كأنه بيتخانق مع الهوا، وبعدين وقف قدّامه:
— ساعدني.
رضوان وقف، وابتسامة باردة ارتسمت على وشه:
— هساعدك…
بس ورا فعلك ده هدف.
هتستخدمني وأنا هستخدمك.
إنت في المقابل تساعدني.
قال علي وهو رافع عينه فيه:
— على إيه؟
قال رضوان:
— إيه؟
قال علي بصوت مليان سواد:
— انتقام.
باك
رجع بعقله للحظة دي، وصوت رضوان بيرن في ودنه:
— إنت اللي طلبت مساعدتي، يا علي.
وأنا جاي النهارده أساعدك…
وأقولك إن الملف ما اتمسحش.
والقضية موجودة.
قال علي باستغراب:
— إزاي؟ أنا سألت سهير، وأكدتلي إن يوسف حرق الملف.
ابتسم رضوان ابتسامة خفيفة فيها سخرية:
— الظابط الفاسد ده ماكانش غبي زي ما سهير فاكرة…
واضح إنه كان سايب نسخة من الملف في قبره،
كأنه واثق إن القضية دي هتفتح من تاني.
نظرات علي اتبدلت… بقت حادة، بتثقب وش رضوان.
— إنت بتلمّح لإيه؟
معنى كلامك ده إيه؟
سكت رضوان.
وسكوته كان أبلغ من ألف كلمة.
علي انفجر:
— أنا مش بكلمك!
إيه اللي إنت عايز تقوله؟!
مدّ رضوان إيده، وطلع كارت صغير.
علي بصله بشدة.
قال رضوان بهدوء قاتل:
— ملف القضية، يا علي.
اتسعت عيون علي،
وبص للكارت كأنه شايف فيه عمره كله.
قال رضوان:
— هنا قضية منى أختك…
وحقها كامل.
هنا إثبات إدانة بدران،
وجريمته بكل تفاصيلها.
هنا المجرم الحقيقي.
وهنا براءة منى…
اللي حولوها لمجرمة.
علي كان ماسك الكارت،
إيده بترتعش،
وكأن أمل كان ميت…
ورجع ينبض فجأة.
قال رضوان وهو بيقرب صوته:
— نسيت كل ده، يا علي؟
ولا…هتكمّل؟
مدّ علي إيده وقال:
— هات الكارت.
قال رضوان:
— مش قبل ما تثبتلي إنك هتستخدمه صح ولا لا.
وهنا اتبدّل علي، وصوته هز أرجاء المشفى:
— الكاااارت… بقوللللك!
ارتعب رضوان.
وفي اللحظة دي فهم إن علي اللي واقف قدامه هو اللي هو عايزه فعلًا.
مدّ له الكارت.
قال رضوان بسرعة:
— مش عايز تعرف جبته إزاي؟
علي كان بيبصله بصمت قاتل.
قال رضوان:
— من قبر الظابط نفسه…
اتعمد يحطه هناك علشان محدش يلاقيه.
عرفت من مراته — اللي إنت روحتلها قبل كده —
إنه كان مأكّد عليها إن قبره مايتفتحش لحد غيره.
وده كان غريب…
لأنه عمل قبر خاص ليه، مش حتى مدافن عيلته.
التفت علي ومشي،
ورضوان بيبصله وهو بيبعد،
وعلي ما سألش حتى عن الطريقة.
في اللحظة دي جه مالك،
وقابل علي في الممر.
قال له بقلق:
— رايح فين؟
لكن علي قال:
— خليك مع وعد.
بصله مالك، فهم إنها وصية وأمانة.
هزّ راسه موافق، وعلي مشي ناحية الخارج.
فضل مالك باصص لرضوان…
نظرة فيها فضول وفيها ترقّب لحاجة كبيرة جاية.
خطا ورا علي، لكن صوت رضوان وقفه:
— مااالك!
وقف مالك مكانه.
قال رضوان بحدة:
— إياك تلحقه.
رد مالك بهدوء ثابت:
— رضوان بيه… علي بس هو اللي بيديني أوامر من ساعة ما اشتغلت معاه.
أنا آسف، مع احترامي ليك.
كان انتماء مالك في البداية لرضوان،
هو اللي شغّله وهو اللي رشحه لعلي،
لكن مع الوقت…
اتكوّنت بين مالك وعلي علاقة تانية:
وفاء، وثقة، وشبه صداقة.
رضوان كان فاكر إن مالك هيفضل تابعه المطيع،
ما كانش متوقع إن السحر ينقلب على الساحر،
وإن علي يعتمد عليه كأنه نفسه…
لدرجة إنه يوصيه على وعد،
اللي حتى رضوان نفسه — خالها —
علي ما كانش بيذكر اسمها قدامه.
قال رضوان وهو بيبص لمالك ببرود:
— علي هو اللي اداك الأمر… مش أنا.
مش سمعته بيقولك تفضل مع وعد؟
سكت مالك فعلًا…
عارف إنه ما ينفعش يمشي.
بصّ لرضوان وقال:
— علي راح فين؟
قال رضوان:
— راح يعرف تفاصيل قضيته المجهولة.
اتسعت عيون مالك:
— إديته الكارت؟!
قال رضوان ببرود:
— لو كنت سيبته أكتر من كده مع عذابه، كان علي نسي انتقامه.
قال مالك بحدة:
— علي، زي ما قولتلك، عايش عشان ينتقم.
أنا اللي بمنعه، أنا اللي عايزه يعيش بعيد…
مش يعيش عبد مهووس.
ابتسم رضوان ابتسامة غامضة وقال:
— إنت عارف أنا وافقت أساعد علي ليه يا مالك؟
أنا اللي عايز.
استغرب مالك.
كمل رضوان:
— علي عارف إني عايز أدمّر بدران،
وهو كمان عايز يدمّره معايا،
لأنه واحد من اللي أذوا أخته.
— زمان، لما علي كان هيعمل غلطة كبيرة،
أنا اللي منعته…
مش رحمة،
لكن لأن اللي كان هيعمله كان هيضيع كل حاجة،
وبدران كان هيكسب.
— فقررت أكسب علي…
وأستخدمه لصالحّي،
وفي نفس الوقت أساعده يدمّر بدران.
قال مالك:
— ليه بتكره بدران؟
ردّ رضوان بنبرة مظلمة:
— معاه حاجة كان المفروض تبقى ملكي… مراته رانيا.
اتصدم مالك:
— إنت بتساعد علي عشان تدمّره علشانك إنت؟!
ابتسم رضوان:
— لما عرفت إنك ابن أختي اتفاجأت… ما توقعتش إن يجمعنا دم.
مش كده؟
قال مالك بحذر:
— عايز تقول إيه؟
اقترب رضوان خطوة:
— علي شبهّي…
فيه نفس نبضة الشر اللي جوايا.
بس الفرق إنّي أنا وبدران حقودين…
إنما علي عدو حقيقي.
سكت مالك.
كمل رضوان:
— هو شبهّي في القوة والإصرار…
يمكن أكتر.
أنا شايف فيه اللي إنت مش شايفه.
مشي رضوان خطوتين، وبعدين وقف جنبه وقال:
— اتفرج كويس…
وشوف علي الحقيقي.
قال مالك:
— وإيه اللي ممكن يحصل؟
قال رضوان بابتسامة باردة:
— إعلان حرب.
علي… وأنا داعمه بكل ثروتي.
سابُه ومشي.
بقى مالك واقف لوحده في ممر المستشفى…
مجمّد.
******
مع ليل السماء المبهت
فى فيلا علي، وقف رجاله على الباب كأنهم حراس لمعلمهم. أول ما شافوه، كان علي لابس بدلته اللي من يوم كتب كتابه، القميص الأبيض اتبهدل وكرمش من كتر ما قعد فى المستشفى، لكن جسده المعضل كان لسه متناسق، والهيبة باينة عليه فى وقفته.
دخل على الفيلا بخطوات سريعة وكأن الزمن بيجري وراه، ومش قادر يضيعه لحظة. قعد على مكتبه
، وراجل من رجاله قرب منه اللاب توب وحط على المكتب فلاشه صغيرة
، دخل فيها الكرت وحطه فى الاب توب
. على الشاشة اتفتح ملف واحد فى القائمة، مكتوب عليه: الملف الأسود.
قلبه بدأ يدق بسرعة، دماغه كلها تركيز، دخل على الملف بكل قوة عشان يعرف مين المجرم اللي ورط أخته. أول صفحة ظهرت قدامه كانت ملف تعريف كامل لبدران، وصورته واضحة قدامه.
********
ثوانى…دقائق..ثم سعات… ثم يوم
يوم قد مر بهدوء خفي
فى المستشفى، كانت وعد نايمة على سريرها، قلبها بينبض باستقرار وهدوء، وكأنها مش مدركة لكل الحرب الأهلية المشتعلة حوالينها. الممرضة كانت واقفة جنبها، بتراقبها وتهتم بيها بهدوء.
جو رأس وعد كان مليان أحداث وخيمة، صور وذكريات كتير بتظهر قدامها كوابيس: حوادث، حرب مشتعلة، ولحظات صعبة ما تعرفش تتعامل معاها. فجأة، وعد فتحت عينيها وبصت للسقف، معلنة عودتها على أرض الواقع.
الممرضة شافت فتح عينيها، قامت بابتسامة وقالت لها: «فوقتي». وعد بصت لها، كانت غريبة عنها ومش متوقعة تشوف حد تاني، الممرضة قالت: «هبلغ الدكتور» وخرجت.
وعد بصت حوالينها كأنها غريبة على المكان، مش فاكرة حاجة غير وش علي الأخير اللي شافته وهو بيبكي، وبتلفظ أنفاسها الأخيرة بين إيده. كانت فاكرة إن دي النظرة الأخيرة، مش عارفة إزاي وامتى اتنقلت للمستشفى ولحقوها وعاشت.
بصت على إيدها، كانت متجبسة، ولا يزال أثر الوقعة مأثر عليها، وكانت لسه مريضة وضعيفة، لكن عينيها مليانة وعي وارتباك من اللي حصل.
وعد لفتت نظرها ولحظت شخص واقف عند بلكونة الأوضة. للوهلة الأولى، ركزت على طوله وقوامه القوي، لكن لما لف وشه، شافته كان مالك.
دخل فجأة، وقف قدامها لما شافها فاقت وعينيها مفتوحة. قال بصوت هادي:
«كنت بحسب الغيبوبة هتطول أكتر من كده… ألف سلامة على حضرتك».
وعد لم ترد، وبعدين قرب منها مالك وقال:
«الدكتور قال إن حالتك بتتحسن، نومك كان هيكون أفضل من الأحداث اللي هتحصل وتشوفيها».
وعد بصتله وقالت: «أحداث إيه؟»
قال مالك بابتسامة خفيفة: «مش لاحظة غياب علي؟»
قالت وعد: «المفروض أتوقع يكون معايا».
رد مالك: «هو فعلا كان معاكي، ولا زال معاكي، لأنه حاططني هنا كعين ليه».
فى اللحظة دي، جه الدكتور وقاطع حديثهم، لما شاف وعد قال لها:
«خير، إنك صحيتِ. أهلا بيكي من تاني للحياة، اتكتبلك عمر جديد».
كانت وعد صامتة، والعينين شاحبتين من التعب والمرض. فحصها الطبيب وسألها شوية أسئلة عن اسمها وحياتها، خوفًا تكون ناسية أو فقدت جزء من ذاكرتها، لكنها كانت ترد بإيماءات بسيطة أو كلمات قصيرة.
بعد شوية، سبها الدكتور والممرضة وخرجوا، ولسه مالك كان على وشك الخروج، لكن وقفته وعد وقالت: «فين…» رفعت عينيها وأضافت بصوت ضعيف: «علي فين؟»
مالك تنهد وقال بهدوء: «لو معرفتيش، هيكون أفضل، مدينيش صلاحيه أقولك».
وعد عيط، ومالِك بصلها بحزن، كانت عينيها مليانة خوف وارتباك. قال لها: «اسمها تاني… ناداني بمنى».
وعد بصت له بعين ضعيفة من المرض، لكنها حاولت تثبت قوتها، وقالت: «مين منى؟»
رد مالك بهدوء لكن بحزن: «كان خايف يخسرك أوي».
قالت وعد بمرارة: «عشان كده سابني لوحدي وخدعني وراح يتجوز».
ابتسم مالك ابتسامة حزينة وقال: «علي مجبر يعمل كده عشان هدفه، لكنه حبك بجد».
قالت وعد بارتباك وغضب: «هدف إيه؟!»
عينيها ابتدت تدمع وقالت: «لو أنا مش فرقت له، ليه حط فاطمة معايا عشان مكنش لوحدي… مين الكداب ومين اللي لحقني؟»
كانت كلماتها مليانة خوف وغضب، وذكريات اللحظات اللي فيها بيرتجف وهو بيترجاني رجعت تهاجمها. رفعت عينها صوب مالك وقالت: «مين علي؟»
مالك مردش، اكتفى بس إنه طلع ورقة مطوية من جيبه وفردها قدامها. كانت جرنال قديم أوي، وعد عرفت إنه من التاريخ، لكنها بصت لمالك باستغراب.
قال لها مالك: «اقرأي اللي مكتوب».
وعد بصت على الصفحة المفتوحة قدامها، وشافت صورة أبيض وأسود، شبه أحداثيات الجرائم: صورة بنت مرمية جنب مكب زبالة، هدومها متقطعة، وجسدها متعرّي. مكتوب تحتها:
“ومع تضامن القضية التي أثارت جدلاً حول اختفاء الفتاة من السجن، تم استكشافها قرب مكب القمامة. وقد تعرضت لمحاولة اغتصاب عنيفة من قبل ذئاب بشرية، وتم نقلها إلى المشفى مع سبق إصرار التحقيق.”
قلب وعد انقبض فجأة، شعرت بقشعريرة بتجري في جسدها وهي بتقرأ الورقة، خصوصًا لما شافت الصورة اللي التقطها الصحفيين لتلك الجريمة.
سألت وعد بصوت مرتعش: «إيه علاقة علي بده؟»
قال لها مالك بهدوء: «البنت دي اسمها منى».
افتكرت وعد الاسم اللي نطقه غصب عنه مالك، لكنه ظل يرجع عليه، لكنها كانت ذكية وعلّقته في ذهنها. بصت له وعد باهتمام، وحاولت تفهم المعلومة الجديدة.
قال مالك بهدوء: «منى دي تكون أخت علي الكبيرة».
وهنا كانت صدمة وعد الأكبر في حياتها. قالت بارتباك وخوف: «أ…أخته… علي كان عنده أخت؟!»
رجعت وعد تبص في الجرنال، مش قادرة تصدق: «مستحيل… معقول تكون دي؟»
مش قادرة تستوعب إزاي هذه الفتاة تكون أخت علي، خصوصًا إن وجهها في الصورة مش ظاهر وكأنها مشوهة.
سكتت وعد، وقلبها مقبوض، وعارفة إن اللي هتسمعه بعد كده هو الحقيقة اللي مستنياها ومش عايزة تصدقها.
قالت وعد بصدمة وارتباك: «علي…»
ولع مالك سيجارته، ودخانها بدأ يملأ المكان. قال بهدوء لكنه شديد التأثير:
«علي كان بيدور على القضية دي من سنين، ولقى مفتاحها أول امبارح… وده السبب اللي خلاه يمشي من هنا ويسيبك».
بصت له وعد بعينين مليانين فضول وخوف، وسألته: «علي فين؟»
رد مالك وهو ينفث الدخان من فمه: «راح يجيب حق أخته من اللي أذوها… حد أهدافه حاليا، وهو في طريقه ليهم».
ارتبكت وعد أكتر، وسألته: «طريقه لمين بالظبط؟»
ابتسم مالك ابتسامة حزينة، وقال ببطء: «طريقه للانتقام من بدران… أبوكي

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *