خيوط العنكبوت ج الاخير

خيوط العنكبوت ج الاخير

الفصل السابع عشر
نجح الرائد حمزة في معرفة مكان وجود”سليم” وذهب إليه مُسرعًا؛ لكي يجعله في مخبئه فهم بحاجة لتصديق خبر وفاته من أجل سلامته.

انعقد أجتماعًا طارئ داخل مبنى الأمن الوطني، به قيادات عُليا وحضرت كرستين وباسل ذلك الاجتماع الذي قص على حماية سليم وعائلته وانتشار شائعة وفاته لكي تسترد المافيا قوتها وتتحرك كيفما تشاء من أجل الإيقاع والامساك بها، فـ سليم هو العقبة الوحيدة وبعدما هيئ لهم نجاح خطتهم في الخلاص منه، وجب عليهم التدخل.

أثناء الاجتماع المُنعقد طلب حمزة من أمن الحراسات الخاصة بعدم معرفة عائلة سليم خبر نجاته من الحادث وانصاغ الرائد “ريان” لتنفيذ أوامر القيادات العليا.
وتولى أمر أحضار عربة أسعاف لكي تنقل والدة سليم وشقيقه إلى المشفى الخاص بوالدهم “توفيق السعدني”
عندئذ وصلا حمزة لوجهته أمام الفيلا المهجورة الخاصة بعائلة سليم، ثم ترجل من سيارته وسار بخطوات حذرة لكي يتأكد بأنه وحده ولم يتتبعه أحد، دلف الحديقة بخطوات مترقبة محسوبة ووقف عند الباب، لم يضغط زر الجرس ولكنه طرق ثلاث طرقات متتالية.
استرق سليم السمع ليعلم من صاحب تلك الطرقات، انتفض من مكانه وترك زوجته نائمة، ارتدا قميصه الأبيض وغادر الغرفة ببطء شديد لكي لا يُقظ “حياة”
وأسرع في خطواته يفتح الباب وهو يتطلع للطارق بقلق:
-خير يا سيادة الرائد
دلف حمزة للداخل وأغلق الباب خلفه وهو يحدثه بعتاب:
-قولنا مافيش حركة تعملها مش مدروسه ومن ورانا يا سليم، الخطر بقى محاوطك من كل الجهات، تعرف كام جهة عاوزة تخلص منك
تأفف في سأم وقال ببرود:
-ما يهمنيش
انفعل حمزة وهتف بصوت غاضب:
-لا يهمك ويخصك ويهم كل الأرواح اللي حضرتك مسئول ترجع ليهم حقهم، مسئول تحمي بلدك وأهلك من الخطر
قاطعة بنظرات حادة تلمع كالصقر؛
-وطي صوتك يا سيادة الرائد، المدام هنا.
ابتلع حمزة باقي الحديث وصمت لحظات ثم عاد يفتح فاه قائلا بتحذير:
-ما ينفعش تظهر دلوقتي ولازم تسيب المكان هنا
عقد جبينه في دهشة وقال:
-مش فاهم يعني أيه؟
قال بهدوء :
-يعني البلد والدنيا كلها صدقت خبر وفاتك ووصل الخبر للمافيا نفسها وعملوا أحتفال بسبب انتصارهم ده، ما ينفعش سيادتك تظهر ونكدب الخبر
هتف منفعلا:
-يعني ايه الكلام ده يا حضرة الظابط؟ وعيلتي وأهلي و
قاطعة بحسم وهو يشدد على كلماته:
-سليم ماعنديش أوامر غير أنك تنفذ المطلوب منك وده لسلامتك وسلامة عيلتك
لم يتمالك نفسة وقال غاضبًا:
-بلا سلامتي بلا زفت، أنا عارف أن حياتي وحياة عيلتي ماتهمش حد فيكم وبلاش شعرات كدابة، أنا ما يضحكش عليا يا سيادة الرائد، أنا عارف حياتي تخصكم لحد بس لم أوقع المافيا، بعد كده اولع اموت شي ما يخصش حد من قياداتك، القيادة تهمها الحفاظ على شكل الدولة وان يتقال عنكم قضيتوا على الفساد، مش مهم كام روح تضيع في النص
زفر أنفاسه بضيق وقال بجمود:
-إللي عنده قولتله يا سليم وأي تصرف مجنون هتعمله هيضيعنا كلنا، أحنا بنعمل كل اللي في وسعنا ونقدر عليه بس ده هيتم بمساعدتك وأحنا يهمنه سلامتك صدقني
تنهد بعمق ثم طالعه بجدية وقال:
-تمام هنفذ الاتفاق اللي بينا، بس عيلتي لا برة الخطة
حك حمزة ذقنه ورفض الإفصاح عن الوعكة الصحية التي تعرضت لها والدته وشقيقه عند علمهم بخبر فقدانه؛ وقال وهو يربت على كتفه:
-ماتخفش عليهم، لازم دلوقتي تتحرك في سفر مستنيك وهيكون معاك باسل وكرستين هيأمنوا كل تحركاتك في ألمانيا
هتف بدهشة:
-هسافر ألمانيا؟
-أيوة… الجد بدأ خلاص وساعة الصفر قربت
-مراتي هتكون معايا
-ده جنون، أنت متعرفش ممكن تواجه ايه هناك
قال باصرار :
-حياة هتفضل جنبي وهنواجه أي مصير سوا
يعلم كم هو فتى عنيد ولم يستطع التغلب عليه فوافقه الأمر وقال:
-تمام هبلغ الإدارة وتفضل هنا لحد بالليل، لم يجي معاد التحرك، والسفر هيتم على طيارة خاصة والرائد باسل هيكون في انتظارك وهيبلغك الخطوات اللي هتتعمل
هز رأسه بايماءة خفيفة :
-تمام
ودعه حمزة واستقل سيارته لكي يتم إتمام الخطة التي تم وضعها داخل الاجتماع، أما عن سليم فعندما دار وجهه وجد حياة تطالعه بحزن
فرد لها زراعيه لتركض إليه وتحتمي داخلهم، طوقها بحنانه وطبع قُـ بلة رقيقه على خصلاتها وهو يهمس قائلا بحب:
-ماتخفيش وعدتك مش هبعد عنك تاني وهتكوني معايا خطوة بخطوة
اكتفت بهزة طفيفة من رأسها فهي خائفة ورافضة البوح عن شعورها لكي لا تنقل له قلقها الزائد وتشتته.
عاد يستطرد حديثه وهو يبعدها عنه برفق:
-محتاج أودع أمي وأسر قبل ما أسافر، طال النظر داخل مقلتيها ثم قال؛
-بلغت سراج أمبارح انك معايا، يطمن والدك ووالدتك ولو ينفع كنت قابلتهم وشرحت لهم كل حاجة، بس مش عاوز حد يدخل في صراعات وخوف وقلق بسبب الوضع اللي أحنا فيه
تبسمت له بحب وقالت:
-بعدين كل الحقايق هتظهر
❈-❈-❈
داخل المشفى..
تم أسعاف أسر وفاق من نوبة الصرع ظل واقفًا أمام غرفة العناية التي بها والدته فقد تعرضت لذبحة صدرية نتيجة الخبر الصادم الذي وقع عليها، فقدان الابن ألم لم يقدر قلبًا على تحمله، عيناه تنساب الدموع بصمت قاتل، وقفت زوجته بجانبه تحاول مواساته في مصابه، انهار أسر تمامًا ولم تعد قدماه تحمله على الوقوف الصمود، جلس كالجثة الهامدة دون حراك، احتضنته ميلانا وظلت تربت على ظهره كالطفل الصغير الذي تهدهد عليه والدته لكي يغفل ويذهب في نومه ولكن ههيات فهذا الشاب مُنفطر قلبه، يأنِ بصمت، ود لو اطلق لصرخاته العنان لأنهالت جدران المشفى من شدة ما يشعر به وما يجتاح جسده من ألم وكسرة وفقد، فمن رحل لم يكن شقيقه وحسب انما هو والده وصديقه ورفيق عمره وشقيقه الذي لن يتحمل عنها أن يشتكي مرض او يتألم حزنًا، كيف له أن يفارقه دون وداع؟ كيف رحل عن عالمه دون أن يخبره بموعد رحيله؟ كيف هان عليه ان يتركه وحيدًا دونه؟ كيف…؟
ووالدته التي تصارع الموت هي الأخرى ولم يفصل بينهما سوا حائط فقط ولكن لن يستطيع أن يرتمي بأحضانها وأن يهمس لها بأنه لا زال بحاجتها ولن يتحمل فراقها فيكفي كسرة الظهر والكِهل الذي طفى ملامحه فجأة عندما فقد شقيقه الأكبر روح فؤاده، سنده وعضده، كلما وقع كانت يده الأقرب إليه تمسك به بقوة ترفض وقعه وهزيمته، ينشله دائما من الضياع ومن عثرات الدروب، الآن يشعر بالتعري بدون شقيقه الذي كان له السد المنيع والحائط الصلب الذي يستند عليه، انحنى ظهره في ريعان شبابه ويشعر داخله بالعجز واليأس التحطيم، شعور بالضيق والاختناق وكأن الدنيا تضيق عليه مثل سُقب الإبرة، لم يستطيع التنفس بدونه، كيف سيكمل حياته دون “سليم” الأب والأخ والصديق والرفيق، كيف يتحمل العيش من دونه؟

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *